مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2017-08-06

السودان وعاصفة الحزم

مع أن مشاركة السودان في عاصفة الحزم لإعادة الشرعية في اليمن بقيادة المملكة العربية السعودية تعد مشاركة رمزية (ستة آلاف جندي فقط و4 طائرات) إلا أنها بمقياس العائد السياسي والعسكري على مستوى الفهم الاستراتيجي في المنطقة هي مشاركة مؤثرة وكبيرة، فعوضاً عن كون المشاركة تأتي في ظرف خاص تمر بها المنطقة العربية تحتاج إلى تكاتف عربي لمواجهته، فإن دور السودان السياسي في إفريقيا عموماً، وعلى البحر الأحمر خاصة، لا يمكن تجاهله.
 
طبيعي جداً، تلك التساؤلات المطروحة من قبل المراقبين حول مشاركة قوات سودانية خارج الدولة؛ لأن الداخل السوداني يحتاج لها أكثر لاستتباب الاستقرار والأمن، وخاصة أن الحكومة السودانية تواجه أكثر من حالة تمرد فيها، ولكن إذا ما استوعبنا أن الجانب السياسي لهذه المشاركة يغلب عليها أكثر من الجانب العسكري فإن الأمر يبدو سهلاً تفهمه واستيعابه، وهو أن المشاركة هي رسالة سودانية مزدوجة: الرسالة الأولى، تأكيد أن السودان دولة عربية وما يقلق أشقاءها يقلقها، وقد أثبتت ذلك من خلال مشاركاتها السابقة ضمن القوات العربية ضد إسرائيل وفي لبنان والكويت، وبالتالي فإن وقوفها بجانب القوات العربية ممثلة في السعودية ودولة الإمارات ومصر هو تأكيد لرغبتها في العودة لمحيطها الطبيعي وممارسة دورها الاعتيادي.
 
أما الرسالة الثانية (وهي الأهم): أن الحكومة السودانية خيبت آمال وظن النظام الإيراني، وهو الطرف المقابل في حرب إعادة الشرعية في اليمن في رفض المشاركة، ولو بعدد قليل من الجنود، بل إنها اعتبرت المشاركة فرصة للتخلص من أعباء النظام الإيراني كما أنها لم تسجل أي تحفظ لنوعية المشاركة المطلوبة منها، سواء في الوجود البري، حيث توجد الآن في العمق اليمني تقود عمليات تطهير ميدانية، أو بمشاركة القوات الجوية، بل إنها أكدت أن المشاركة ستزيد مع مرور الوقت.
 
الذكاء السياسي للسودان في مخاطبة العالم تمثل في الاستفادة من هذا التحالف في إبعاد شبهة العلاقة مع النظام الإيراني المتهم بدعم الإرهاب، وفي مخاطبة ودّ الإدارة الأمريكية الجديدة بعدم ترسيخ الصورة النمطية عنها، وبالتالي فإن الابتعاد عن إيران من شأنه أن يسهم في تخفيف حالة التشدد الأمريكي في رفع العقوبات عن الاقتصادية عن السودان، التي تم تجديدها لمدة ثلاثة أشهر أخرى. كما أن هذا الذكاء السوداني يعني أن النظام أراد من هذه المشاركة تجنب أي شبهات في تهريب الأسلحة للحوثيين والقادمة من النظام الإيراني؛ لأن إطلالة السودان على البحر الأحمر تجعل هذه التهمة واقعة!!.  
 
واقعياً، لا يمكن التطرق إلى الجوانب السياسية في المشاركة السودانية دون ذكر الجانب العسكري الذي هو أساس في هذه المقالة، فحسب المعلومات المنشورة أن القوات السودانية تتمتع بمهارات قتالية اكتسبتها في الحروب الأهلية التي خاضتها في بلادها وهي خبرة تتقارب مع الطبيعة الجغرافية لليمن، ومن ثم لا بد أن تشكل تلك القوات قيمة عسكرية مضافة إلى قوات التحالف. وقد أثبتت العمليات العسكرية حقيقة ذلك، حيث استطاعت القوات البرية السودانية في مرات كثيرة الاشتباك مع "عدو" الحوثيين وحققت عليهم انتصارات، فمنعت الهجوم على مستشفى النقيب في منطقة المنصورة، وكذلك منعت دخول القوات الحوثية ميناء الزيت بالبريقة، إضافة إلى غيرها من العمليات في مطار عدن.
 
مشاركة القوات السودانية ضمن قوات التحالف التي تلقى دعمها من الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية تمثل عودة السودان إلى مجالها الطبيعي عربياً، وقد قوبلت بالترحيب من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، التي زارها مؤخراً الرئيس عمر البشير وبالتأكيد كانت مشاركة القوات السودانية أحد موضوعات النقاش. وعلى هذا الأساس يبدو أن موضوع عودة السودان إلى الإقليم العربي مرشح بقوة لأن يحتل موقعاً بارزاً في المرحلة المقبلة، حيث هناك مراجعة سياسية من القيادة السودانية، في الكثير من الملفات التي هي محل خلاف مع الدول العربية، ومنها التقارب مع النظام الإيراني وكذلك موقف النظام من الإخوان المسلمين.
 
التفاعل السوداني الإيجابي في الملفات الكبرى في المنطقة هو نوع من الترويج للصورة السياسية الجديدة، وهو يبرز الرغبة في تحقيق الاستقرار العالمي والحفاظ على أمن المنطقة من الدول المهددة لها، وعلى رأسها إيران.
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-10-04 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2012-05-01
2016-11-03
2015-12-01
2017-03-08
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1253

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره