مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2017-03-01

السياسية الخارجية العمانية

هناك من يستغرب المواقف التي تتخذها سلطنة عمان في سياساتها الخارجية، ففي الوقت الذي تتشدد فيه دول الخليج العربي مع إيران تميل عمان إلى التعاون معها، وفي الوقت الذي تعارض فيه دول الخليج نظام بشار الأسد في سوريا تقف عمان مع النظام، وفي الوقت الذي تحارب دول الخليج جماعة الحوثيين في اليمن تُبقي عمان على علاقات التواصل قائمة معهم. مواقف تُحير البعض، وتثير ما تثير من أقاويل لدى البعض الآخر. هذه المقالة ستقف عند هذه الظاهرة العمانية، وتحاول تفسيرها بالطريقة العلمية التي يمكن أن تساعد القارئ على بناء فهم واقعي لها. 
 
منذ أن أتى السلطان قابوس بن سعيد إلى سدة الحكم في عمان وذلك البلد في تغير ملحوظ نحو بناء نهضة مثمرة يستفيد منها الإنسان العماني. هذا النجاح الملفت ما كان يمكن أن يتحقق لولا حكمة هذا السلطان في تبني سياسات تتناسب مع طبيعة المجتمع العماني. من هنا جاءت ما سُمي في أدبيات السياسة المرتبطة بالحالة العمانية بالسياسة الخارجية المستقلة. الاستقلالية تعني أن السلطنة لن تنجرف وراء كل ما يمكن أن يأتي لها بالتأثير السلبي على الداخل العماني في سياستها الخارجية، وأنها ستعتمد الفلسفة البرجماتية في التعامل مع الأمور الدولية لأن ذلك هو الكفيل بتحقيق الأهداف الوطنية التي وضعتها القيادة العمانية للبلد. من خلال البرجماتية يمكن لعمان تجاوز المثاليات، وعدم الاعتماد على الأيديولوجيا في تحريك السياسة الخارجية العمانية، وجعل المصلحة الوطنية هي المحرك الأساسي لسياسة عمان الخارجية. لذلك تتبع عمان الاستقلالية في التعامل مع إيران ومع النظام السوري ومع جماعة الحوثيين، وفقاً لمبدأ البرجماتية في العلاقات الدولية. 
 
ما الذي جعل عمان تتبع هذا النهج الاستقلالي البرجماتي في سياساتها الخارجية؟ هناك مجموعة من المحددات التي تفرض على السلطنة أن تكون مستقلة وبرجماتية في سياساتها الخارجية. نذكر منها اتساع حجم الدولة العمانية وتعقيدات مكونها المجتمعي. فعمان بلد شاسع جغرافياً، وبه مكونات مجتمعية متعددة ومن مختلف المشارب، الأمر الذي يفرض على القيادة العمانية العمل على المحافظة على التجانس الوطني القائم في البلد بين مكونات المجتمع العماني المختلفة. لذلك فإن الاستقلالية والبرجماتية تحتم النظر إلى المصلحة الوطنية وليس التركيز على المثاليات التي قد تحدث إشكاليات داخلية في أي بلد لديه توليفة مجتمعية معقدة كما هو الحال مع عمان. فالحفاظ على عمان موحد بجميع مكوناته هي المصلحة العليا للقيادة العمانية، التي رأت في الاستقلالية والبرجماتية السياسية السبيل الأمثل لتحقيق ذلك. وبفضل من الله وحكمة القيادة العمانية تمكنت عمان من تحقيق هذه المصلحة. 
 
كما أن الموقع الجغرافي للسلطنة يحتم عليها أن تتبع الفلسفة البرجماتية في التعامل مع العالم الخارجي. عمان دولة كبيرة وتجاور دول إقليمية محورية من أمثال السعودية وإيران، وأخرى مهمة من أمثال اليمن. فهي دولة خليجية تشترك مع السعودية في عضوية مجلس التعاون الخليجي، وهي تشترك مع إيران في إدارة مضيق هرمز الممر المائي الأهم عالمياً، ولها حدود برية وبحرية مشتركة مع اليمن. فكيف يمكن لدولة مثل هذه التعامل مع هذه الدول الثلاث المهمة بالنسبة لها إلا بأسلوب البرجماتية والابتعاد عن المثاليات التي لو تم اتباعها فإنها ستحتم عليها أن تميل لطرف ضد طرف آخر. برجماتية عمان تجعلها تكون متقاربة مع السعودية وإيران رغم الخلافات القائمة بين الطرفين السعودي والإيراني؛ وتجعلها متقاربة مع السعودية والحوثيين رغم وجود الصراع القائم بين السعودية وجماعة الحوثيين. 
 
المثالية تقول إن على عمان الميل نحو دول الخليج ودعمها ضد إيران والحوثيين، والبرجماتية تقول على عمان أن تفتح قنوات التعامل مع الجميع. وفقاً لمنطق المثالية فإن عمان ستكون في مواجهة مع إيران والحوثيين الذين يمكن أن يضرو بالسلطنة من خلال عدم التعاون عبر مضيق هرمز بالنسبة لإيران، ومن خلال التدخلات اليمنية عبر الحدود البرية والبحرية المشتركة بالنسبة للحوثيين. أما البرجماتية فإنها تسمح لعمان بحماية مصالحها مع الجميع من دون إثارة طرف على الآخر. وهذا جزء من ما يمكن أن يفسر لنا السياسة الخارجية العمانية.      
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-06-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2015-11-01
2015-12-01
2015-12-01
2014-11-11
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1164

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره