مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2017-07-06

سيلفي.. والقوة الكامنة

الانتشار الملفت لمقطع حلقة “سيلفي” التي حملت عنوان (المؤذي) والذي تناول عملية صناعة القرار السياسي في دولة قطر بطريقة شخص فيها من يقوم بتلك العملية المهمة في الدول، التي ساهمت في استيعاب الكثير من الرأي العام لأسباب الأزمة السياسية الخليجية مع تصور مستقبلي لكيف يمكن أن تكون النهاية التي ربما تصل إليها قطر بعد أن يحقق كل طرف مصالحه الخاصة هذا الانتشار، يؤكد مدى الحاجة الحقيقة لتوظيف “الفن” بشكل عام و”الدراما” بشكل خاص في خدمة القضايا الوطنية الكبرى للدول باعتبار أن الفن أحد أدوات القوة الحديثة. ذلك لأن هذا القطاع تجاوز اليوم الجانب الترفيهي المتعارف عليه بين الناس ليشمل كل الجوانب الاستراتيجية التي تهم الدولة الوطنية وتخدم مصالحها. 
 
في أحاديث الخبراء والمفكرين في العالم اليوم، لم تعد القوة الصلبة فقط هي الأداة مؤثرة في الحرب، بل إن القوة الناعمة هي الأخرى من وسائل اختراق الرأي العام في أي دولة، الكل يتذكر كيف استطاعت المسلسلات التركية أن تروج لتركيا سياحياً ولسياسات الرئيس أردوجان لدى الرأي العام العربي واليوم الحديث ينصب عن الدراما الصينية كقوة ناعمة.
 
أما القوة التي لم تظهر على السطح بالدرجة التي تبدو عليها القوتين السابقتين فهي القوة الكامنة، ربما لأن استخدامها ما زال محدودا أو لأن البعض يستخدمها في أوقات معينة فقط وترجع لتكون كامنة مرة أخرى لحين استدعاءها وقت الضرورة لها، وهذا الأمر اتضح في حلقة (المؤذي) حيث أدت دوراً ضمن ثلاثين حلقة وبعدها اختفت ولكن تأثيرها بقي إلى الآن وتجاوز هذا التأثير كل المقالات والتحليلات التي رافقت الأزمة بل إنها (الحلقة الوحيدة) ساهمت توجيه الرأي العام إلى الأزمة بقدر كبيرة وألهمت الكتاب لتناول الأزمة بطريقة مختلفة، بمعنى أنها اخترقت كل الحواجز ووصلت إلى الناس في الأماكن المغلقة لهم، وعلى هذا الأساس فإنه ينبغي أن لا تكون هذه القوة عشوائية في استراتيجيات الدول بل لا بد من وضعها في الاعتبار ووضع خطوات إرشادية لها لتحقيق الاستفادة اللازمة منها.
 
تاريخياً تحول الفن إلى خدمة القضايا الكبرى للدول منذ الرواية السياسية الشهيرة “مزرعة الحيوان” للكاتب البريطاني جورج أوريل التي نشرت في العام 1945 ومازالت تدرس إلى اليوم في الجامعات حيث استخدم فيها الحيوانات في نقد نظام جوزيف ستالين وسياساته كما أنه توقع الكاتب كيف يمكن أن تكون النتيجة النهائية لسياساته ومع أن جزء كبيرا مما حملته الرواية تحقق، الشيء المهم في هذه الرواية أنها فسرت النظام الاشتراكي بطريقة سهلة جعلت من الرأي العام يستوعبها ويشكل جبهة مناهضة في المجتمعات لمحاربة الفكر، ما أعنيه هنا أن تأثير هذه القوة كبيرة في تمرير الرسائل الوطنية وفي توجيه الناس إلى قضايا معينة وربما هذا هو الهدف الأساسي للفن لكن تبقى لأدوات المستخدمة في توظيف هذه الدراما تتغير وفق الأزمنة التي تواكب التطورات الإعلامية فإذا كان الأدب هو السائد في السابق فإن “الدراما” والسينما هي الأنسب في الوقت الحالي نظرا لاختلاف الأدوات.
 
بشكل عام أضحت وسائل الإعلام اليوم “مركز قوة” حقيقية وخطيرة، ليس كونها تصل بسهولة إلى كل شرائح المجتمع، بل لأن مسألة صناعة القرارات لم تعد حكرا على المؤسسات التقليدية (سياسية وعسكرية) برغم أهميتها لكن (الدراما، والسينما) تدير حروباً وتصنع سياسات وهي أداة معتمدة في خدمة المصالح الوطنية للدول، ولعل الأزمة الخليجية مع قطر خير مثال في دور الإعلام في إدارتها خاصة الإعلام الحديث، فقد رأينا العديد من الصور الكاريكاتورية وبعض المقاطع القصيرة لإقناع كل طرف بالرأي العام بوجهة نظره.
 
إذا كانت حلقة “المؤذي” في برنامج سيلفي شخصت الواقع القطري منذ عام 1995 إلى اليوم فالشيء “المذهل” فيها هي “سرعة الاستجابة” وهو عنصر مهم في الاستراتيجيات خاصة العسكرية، وهو ما أعنيه هنا أن فريق العمل استطاع أن يقوم بكل الأعمال في فترة زمنية بسيطة كون أن الأزمة لم تمر عليها أكثر شهر ومع ذلك في النجاح الذي حققته يؤكد حالة الاستعداد الذي كان فيه الفريق الذي امتلك الحس الإعلامي والمسئولية الوطنية، ما يؤكد أن من فوائد القوة الكامنة هي استدعائها في الوقت المناسب كي تؤدي الرسالة المناسبة!!
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-07-05 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2015-11-01
2015-12-01
2015-12-01
2014-11-11
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1179

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره