مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2017-08-06

مجلس التناقض الخليجي

عندما تأسس مجلس التعاون لدول الخليج العربية كان هدف المؤسسين حماية أمن دول المجلس الأعضاء من الأخطار المهددة للبنية الأساسية الحاكمة للنظم القائمة في دول الخليج العربي. هذه الأخطار كانت واضحة مع التدخل السوفيتي في أفغانستان ومن ثم الثورة الإسلامية في إيران. قبل ذلك كانت الأخطار سياسية ودول الخليج العربية كانت قادرة على مواجهتها حتى بشكل منفرد، لكن هذه الأخطار اختلفت في طبيعتها بعد عام 1979 حيث أصبحت أخطار أيديولوجية تحاول ضرب بنية أسس الفكر الخليجي القائمة في دول المنطقة. 
 
لذلك اتحدت دول الخليج العربية الست تحت راية مواجهة تلك الأخطار بشكل جماعي وبتنسيق مشترك. لذلك سمي المجلس بمجلس التعاون الخليجي. لم يكن متصوراً أن تخرج أية دولة خليجية عن هذه القناعة المشتركة نظراً للإدراك المشترك بأن خروج أية دولة عن هذه القناعة سيؤثر على بنية الفكر الحاكم في المنطقة ويعرض الجميع للخطر.
 
ذلك كانت كل دول الخليج العربي كالبنيان المرصوص في مواجهة الأخطار، حتى سلطنة عمان التي اتخذت، على سبيل المثال، نوعاً ما موقفاً محايداً في سياستها الخارجية تجاه الحرب العراقية-الإيرانية في فترة الثمانينات إلا أنها ظلت ملتزمة بالعمل الخليجي المشترك ولم تسعى، لا من قريب ولا من بعيد، إلى ضرب البنية الفكرية المحافظة التي تعتمد عليها الدول الخليجية، ولم تستثمر تقاربها مع إيران لضرب بنية الدولة القائمة في أية دولة خليجية أخرى، إدراكاً منها بأنها لو فعلت ذلك فإنها لن تهدد فقد دول الخليج الأخرى بل ستهدد نفسها أيضاً. وعليه كانت دول الخليج بحق دول تعاون وتنسيق مشترك.
 
ولعل الغزو العراقي الغاشم للكويت أثبت قوة تعاضد الجسد الخليجي في مواجهة الخطر العراقي، ليس إدراكاً من تلك الدول إلى أن هناك دولة خليجية تعرضت سيادتها للخطر وإنما قناعةً منها بأن سيادتها هي أيضاً معرضة للخطر من فكر تقوده العراق مخالف للفكر الخليجي. بالفعل كان مجلس التعاون كالجسد الواحد. 
 
أما اليوم وبالذات منذ الانقلاب الذي حدث في قطر عام 1995 والذي قاده ولي العهد آنذاك الشيخ حمد بن خليفة ال ثاني ضد والده الحاكم الشيخ خليفة بن حمد أل ثاني، تغيرت الأمور رأساً على عقب، حيث دخل على الجسد الخليجي عنصرٌ جديد عمل على تحويل قطر من طرف متجانس مع محيطه الخليجي وعضيد له في أفراحه وأتراحه إلى طرف يعمل على التغريد خارج المنظومة الفكرية الخليجية بل وأيضاً يعمل على ضرب النسيج البنيوي القائم في المنطقة الخليجية. وبغض النظر عن السبب وراء مثل هذا التحرك القطري إلا أن الواقع يقول بأن مجلس التعاون الخليجي لم يعد مجلس تعاون لضمان أمن واستقرار الدول الخليجية وإنما أصبح مجلس تناقضات خطيرة للغاية. 
 
لم تكن دول الخليج العربي الأعضاء في المجلس تطمح في يوم من الأيام إلى عزل الدول الخليجية بأن لا يكون لها في بعض الحالات خط مستقل نوعاً ما في سياستها الداخلية والخارجية عن بعضها البعض. فعلى الإطلاق، كانت دول المجلس تتفهم الاختلافات. فهذه الكويت دولة لها درجة عالية من الحرية السياسية في نظامها السياسي، ولم تقف دول الخليج ضد هذا التوجه الكويتي، وكذلك عُمان كان لها توجهها المستقل نوعاً ما في التعامل مع إيران ولم تعارض دول مجلس التعاون ذلك. لأن هناك قناعة خليجية بأن تلك الدول مؤمنة كل الإيمان بالبنية الفكرية السياسية القائمة في المنطقة الخليجية وأن ما تفعله لن يضر بتلك البنية. 
 
لكن ما بدأت قطر السير من خلاله منذ عام 1995 لم يأتي في هذا السياق، وإنما جاء لإضعاف تلك البنية في الدول الخليجية بل والعمل على الإطاحة بأنظمة الحكم من خلال دعم المعارضين في معظم تلك الدول. وهنا تغيرت المعادلة من مجلس تعاون يؤمن بالمحافظة على البنية الحاكمة في الدولة الخليجية إلى مجلس تعمل من خلاله دولةٌ بعينها إلى ضرب تلك البنية الفكرية وإقامة بنية جديدة مخالفة. وهذا أمر خطير للغاية لأنه يهدد وجود الدول الخليجية في المنطقة الخليجية بأسرها، بما في ذلك في قطر الداعمة لذلك التغيير. لذلك من الطبيعي أن تعارض دول المنظومة الخليجية هذا التوجه بل وتقف ضده لأنه فيه تهديد مباشر للأمن والاستقرار الخليجي بشكل خاص. 
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-10-04 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2012-05-01
2016-11-03
2015-12-01
2017-03-08
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1249

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره