مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2017-07-06

نظرية المؤامرة وتبرير الأزمات

فرضت التحولات الكبرى التي لحقت مختلف مناحي الحياة خلال العقود الأخيرة اعتماد نظم إدارية متطورة تنسجم وطبيعة الإشكالات المعقّدة في عالم اليوم بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية..
 
 
وهكذا برز جيل جديد من المفاهيم الحديثة التي تربط التدبير بالحوكمة والانفتاح والتشاركية والشفافية والتخطيط الاستراتيجي في الأداء؛ وببلورة سبل عقلانية وعلمية في تدبير الأزمات المعاصرة..
 
وهو ما أتاح الاستفادة من تراكم البحث العلمي في هذا الخصوص؛ على مستوى النظريات الحديثة في علم الإدارة؛ والانفتاح على مخرجات الجامعات ومراكز الأبحاث؛ ومختلف التجارب الدولية الرائدة كسبيل لعقلنة القرارات وتلافي كلفة القرارات العشوائية..
 
 
فأمام تعقّد الأزمات وتداخل واختلاف العوامل المغذية لها؛ وتصاعد مخاطرها، برزت مؤسسات ومراكز تعنى بتدبير الأزمات؛ فيما سعت الكثير من الحكومات والمؤسسات الخاصة في عدد من الدول المتقدمة إلى إحداث أقسام تعنى بهذا الموضوع الحيوي لمواجهة كل المخاطر المحتملة.. وهو ما أسهم بصورة ملحوظة في تجويد القرارات وضمان نجاعتها على مستوى الاستجابة للحاجات المطروحة والمساهمة الفعلية في تحقيق التنمية المستدامة..
 
 
وفي المنطقة العربية؛ دفعت الكثير من الدول وشعوبها ثمنا باهظا بسبب قرارات عشوائية مرتجلة سقط فيها بعض صانعي القرار؛ ما زالت آثارها شاخصة إلى حد الآن؛ وهي قرارات لم تقتصر على اختيارات داخلية مفلسة متصلة بقضايا التعليم والبحث العلمي والاقتصاد وتدبير الاختلاف وإدارة الأزمات داخل المجتمع.. بل تجاوزتها إلى سياسات خارجية.. لم تخل بدورها من إخفاقات وانتكاسات، على مستوى السقوط في أخطاء استراتيجية «قاتلة» خلال تدبير بعض الأزمات كما هو الشأن بأزمة الخليج الثانية أو التعاطي مع قضية «لوكربي» واللتان جلبتا على المنطقة الكثير من الويلات وأدخلتها في متاهات صعبة.. بفعل قرارات انفرادية عشوائية تنم عن قصر النظر..
 
 
إن حدوث الأزمات هو أمر طبيعي، فهذه الأخيرة تعني الدول المتقدمة والنامية على حدّ سواء، غير أن مخلّفاتها ومدى خطورتها.. تتوقّف على طبيعة الإجراءات والخطط والتدابير المعتمدة في مواجهتها، ففي الوقت الذي نجحت في الكثير من الدول المتقدمة في بناء نظم متطورة لتدبير الأزمات والاستفادة من تداعياتها وتحويلها إلى فرص للإبداع والانطلاق، ما زالت الكثير من دول المنطقة العربية تتعامل بسبل تقليدية ومتجاوزة أحيانا مع هذه الأزمات، تتأرجح بين التعاطي مع مظاهرها وفروعها بدل التركيز على جوهرها وأسبابها والعوامل التي تغذيها من جهة؛ أو تأجيلها وتصريفها وربطها بالمؤامرات؛ بما يجعلها مرشحة للتطور والتصاعد؛ بل والخروج عن نطاق التحكّم والسيطرة في كثير من الأحيان..
 
 
تعتبر المنطقة العربية من بين أكثر المناطق تداولا لنظرية المؤامرة والتي ترافق بروز مشاكل واندلاع أزمات داخلية أو إقليمية ودولية تضع صانعي القرار أمام محكّ حقيقي يقتضي الاجتهاد والتعاطي العقلاني معها.. 
وهكذا؛ وعوض مواجهة هذه الأزمات بحكمة وموضوعية وتبصّر؛ يتمّ غضّ النظر عنها بإرجاعها إلى مؤامرات داخلية أو خارجية تحاك ضد هذه الدول ومصالحها الاستراتيجية، رغم وجود مبرّرات موضوعية وحقائق ميدانية تفسر هذه الأزمات (سياسات خاطئة وفاشلة، وتراكم المشاكل، وعدم التدخل في الوقت المناسب لتدبير الازمات، والإقدام على قرارات غير محسوبة..)..
 
 
فأزمة الخليج الثانية التي اندلعت بسبب قرار خاطئ ويائس؛ تم تبرير تداعياتها بوجود مؤامرة دولية تستهدف المنطقة، ونفس الأمر بالنسبة لأزمة «لوكربي» التي أسهمت في تطورها الخطير القرارات الانفرادية والعشوائية المتخذة بشانها.. ونفس الأمر ينطبق على تحولات «الحراك العربي» التي ربطها الكثيرون بمؤامرات خارجية؛ في تنكّر تام للعوامل الداخلية والإشكالات السياسية والاجتماعية الموضوعية التي أفرزته..
إن المبالغة في طرح نظرية المؤامرة في أعقاب اندلاع الأزمات؛ هو تكريس لدور الضحية وهروب من مسؤولية مواجهتها بسبل علمية؛ والوقوف على العوامل الحقيقية التي تغذّيها، وضعف يحيل إلى اختيار أسهل الحلول؛ وتجسيد للسطحية واللاعلمية التي تطبع تفكير مروّجيها ومصدّقيها..
 
 
لا يخلو عالم اليوم من تهافت ومخاطر تواجه سيادة ومصالح الدول العربية، غير أن ذلك لا ينبغي أن يلغي مسؤولية هذه الأخيرة في مواجهة الأزمات بسبل وقائية وعلاجية؛ وتوظيف مختلف المقوّمات المتاحة في هذا الشأن؛ كسبيل لقطع الطريق على كل «المؤامرات».. ذلك أن الفراغ الذي يخلفه عدم تحمل الفاعل المحلي لمسؤولياته في تدبير أزماته وقضاياه.. يتيح للآخرين تدبيرها وتوجيهها بما ينسجم ومصالحهم..
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-11-09 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2012-05-01
2016-11-03
2015-12-01
2017-03-08
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1310

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره