مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2017-04-02

الدينــي والسـياسـي فـي الدور الاقليمي الايراني

دأبت إيران في السنوات الأخيرة على إثارة المشاكل مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي، بل استمرت في مزاعمها التي لا أساس لها من الناحية  القانونية والتاريخية. ما يؤكد انتفاء أي نية لإحداث تقارب حقيقي عبر الالتزام بالقوانين والمواثيق والأعراف الدولية، واحترام مبدأ حسن الجوار، وفي هذا العدد تسلط “درع الوطن” الضوء على ممارسات إيران الاقليمية من أجل توضيح الحقائق وكشف حدود “الديني” و”السياسي” في هذه الممارسات.
 
في الوقت الذي تدعي فيه إيران رغبتها في الحوار مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وحل القضايا الخلافية المثارة، على النحو الذي أظهرته تصريحات الرئيس حسن روحاني خلال زيارته إلى كل من دولة الكويت وسلطنة عمان في شهر فبراير الماضي، إلا أنها لا تكف عن تدخلاتها في شؤون العديد من دول المنطقة، متجاهلة مبادئ حسن الجوار واحترام سيادة هذه الدول، بل أنها تتصرف وكأنها قوة إقليمية ميهمنة تسعى إلى فرض رؤيتها فيما يتعلق بأزمات المنطقة المختلفة وفقاً لمصالحها الذاتية، الأمر الذي يشير بوضوح إلى أن هذه النوعية من الزيارات وما يصاحبها من تصريحات لا تستهدف سوى تصدير صورة إيجابية لإيران باعتبارها راغبة في الحوار مع دول المنطقة، دون أن تقدم على أية تغييرات في سلوكها يبعث على الثقة فيها وسياساتها.
 
المتابع للسلوك الإيراني منذ توقيع اتفاق “لوزان” النووي مع مجموعة(1+5) في شهر يوليو من العام 2015 يلحظ بوضوح أنها كانت تراهن على أن هذا الاتفاق هو بمثابة اعتراف بدورها المهيمن في المنطقة، فباتت تواصل تدخلاتها في شئون العديد من دول المنطقة، بل وواصلت دعم الأذرع والميليشيات العسكرية التابعة لها سواء في لبنان أو العراق أو اليمن أو سوريا، ولم تجد أية غضاضة في إطلاق التهديدات ضد دول الجوار، بل أنها تقف وراء إذكاء الصراعات بين الأطراف المتحاربة في هذه الدول، من خلال تزويدها بالسلاح والمال وغيرهما من الوسائل التي تطيل الحرب وتعمل على زعزعة الاستقرار فيها.
 
ولعل الأمر اللافت هو اعتراف إيران بتدخلاتها في شؤون العديد من دول المنطقة، وتصوير الأمر باعتباره انتصار لمبادئ ثورتها والإيمان بها من قبل العديد من الجماعات والقوى الشيعية الحرة في العالم، على النحو الذي أظهرته تصريحات أمين مجلس تشخيص مصلحة النظام الإيراني، وقائد الحرس الثوري الأسبق محسن رضائي، خلال مقابلة مع صحيفة “كريستيان ساينس مونيتور” الأمريكية، حينما أشار صراحة إلى أن طهران “لن تتخلى عن حلفائها في سوريا والبحرين واليمن، وإنها ستواصل دعمهم سياسيا ومعنويا”. 
 
ماذا وراء التدخلات الإيرانية في الدول العربية؟
التدخل الإيراني في العديد من شئون دول المنطقة ليس أمراً جديداً، وإنما يرجع إلى الثورة الإيرانية عام 1979، والتي جعلت هاجس الهيمنة يسيطر على صانعي القرار في إيران، التي حاولت تقديم نفسها باعتبارها “النموذج الأصلح للعالم الإسلامي”، حيث تقدم نفسها سياسيًا كمركز، والعالم الإسلامي أشبه بالمحيط الذي يجب أن “ينهل” من تجربة إيران الثورية ، وبدأت تتحدث عن “تصدير الثورة” مستهدفة جوارها الخليجي والعربي طيلة السنوات الماضية.
 
والواقع أن إدراك إيران لقوتها جعلها تفكر في التدخل والتمدد استراتيجياً في دول الجوار، تأكيداً على أنها نموذج يمكن تكراره في دول أخرى، لا سيما أنها تنظر لنفسها باعتبارها الدولة الأكبـر في منطقة الخليج العربي، خاصة بعد خروج العراق مـن دائرة الفعل العربي نتيجـة للغزو الأمريكي عام 2003. وليس أدل على وجود نوايا إيرانية للتدخل والتمدد في العالم العربي، من قيام النظام الإيراني بإعداد وثيقة تُعرف باسم “الاستراتيجية الإيرانية العشرينية” (2025-2005)، أو الخطة الإيرانية العشرينية “إيران: 2025”، وهي تُعتبر “أهم وثيقة قومية وطنية بعد الدستور الإيراني”، تضع التصورات المستقبلية للدور الإيراني خلال عشرين عاماً، وتهدف إلى تحويل إيران إلى نواة مركزية لهيمنة تعددية داخلية في منطقة جنوب غرب آسيا (أي المنطقة العربية تحديدًا التي تشمل شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام وسيناء).
 
وتنص الوثيقة على أن طهران ستحظى بخصوصية على المستوى الدولي، وتتحول إلى قوة دولية ومصدر إلهام للعالم الإسلامي، على أن ينعكس ذلك إقليمياً في العام 2025، لتحتل إيران المرتبة الأولى في منطقة جنوب غرب آسيا اقتصادياً، وعلمياً، وتكنولوجياً، وتصبح نموذجاً ملهِماً ولاعباً فاعلاً ومؤثراً في العالم الإسلامي استناداً إلى تعاليم “الإمام الخميني” وأفكاره، وبما يعكس هويتها الإسلامية الثورية ، وهو ما يتفق مع ما تم صياغته تحت مسمى نظرية “أم القرى”، التي ترى في إيران مركز العالمين العربي والإٍسلامي، وهي أساس الفكر التوسعي الناعم والصلب في السياسة الخارجية الإيرانية، بناء على أساطير دينية وتاريخية.
 
ومن أجل ترجمة هذه الاستراتيجية على أرض الواقع، فإن إيران تسعى إلى توظيف التطورات التي تشهدها المنطقة لصالحها، وحين اندلعت أحداث مايعرف إعلامياً بالربيع العربي نهاية عام 2010، حاولت استثمارها لصالحها، واعتبرت أنها تمثل امتداد للثورة الإيرانية وأنها استهلمت روح هذه الثورة، أو صحوة إسلامية في المنطقة، كما أطلق عليها المرشد الايراني الأعلى علي خامنئي.  وخلال الأعوام الماضية صدرت العديد من التصريحات عن مسئولين نافذين في السياسة الإيرانية تؤكد هذه النوايا التدخلية والتوسعية، حيث تحدث علي يونسي المستشار الخاص للرئيس الإيراني في مارس 2015، وتكلم علنية عن الإمبراطورية الفارسية، وقال: “الإمبراطورية الإيرانية تتشكل من جديد، وامتدادها اليوم أمسى في عدة بلدان في المنطقة والعراق اليوم لا يمثل مجرد مجال حضاري لنفوذنا، بل العراق هو هويتنا وثقافتنا ومركزنا وعاصمتنا”، وهذا تأكيد على أن التمدد والسيطرة يمثل أولوية في استراتيجيات إيران تجاه العالم العربي. بل أن سعيد قاسمي، أحد كبار القادة السابقين في الحرس الثوري تفاخر مؤخراً في مقابلة مع قناة إيرانية، بأن إيران وصلت إلى باب المندب في البحر الأحمر، عندما تساءل: “حتى قبل سنوات، من كان يظن أن مضيق باب المندب، الذي يعتبر ثاني مضيق استراتيجي في العالم، سيقع بيد الشيعة؟”، كما اعترف في هذه المقابلة بالتدخل الإيراني في اليمن، ووقوفها وراء الحوثيين وإمدادهم بالسلاح والدعم المالي.  
 
مظاهر التدخل الإيراني في الدول العربية
في الوقت الذي تنفي فيه إيران مراراً تدخلها في شئون دول المنطقة، إلا أن تصريحات العديد من مسئوليها تكشف هذه التدخلات، ولعل من أبرز هذه التصريحات ما قاله القائد العام للحرس الثوري الإيراني، اللواء محمد علي جعفري  في 11 مارس 2017 ، حينما أشار إلى أن “الإيمان بولاية الفقيه قد تجاوز حدود إيران اليوم”. مشيراً إلى أن ما سمّاها “الانتصارات” في “سوريا وغزة واليمن وتحرير حلب، تعد جزءاً من أجر ومكافأة رب العالمين”. وفي شهر أغسطس عام 2016، صرح الجنرال محمد علي فلكي، أحد أبرز قادة الحرس الثوري الإيراني، بأن إيران بصدد إعادة تنظيم الميليشيات الموالية لطهران في سوريا وصهرها في بوتقة إطار تنظيمي يحمل اسم “جيش تحرير الشيعة والمسلمين” في سوريا.
 
ولا تكمن خطورة الإعلان عن جيش التحرير الشيعي فقط في صيغته الطائفية، وإنما بالأساس في المهام التي تعهد إليه، والتي تتضمن الانخراط في الصراعات التي ترتبط بإيران بشكل أو بآخر، كما هو الحال في كل من العراق وسوريا واليمن، ومن ثم تعقيد الأزمات التي تشهدها هذه الدول. وفي التاسع من يوليو 2015، قال الجنرال حسين همداني، القيادي في الحرس الثوري الإيراني، إن “النفوذ الإيراني امتد اليوم إلى بغداد وسامراء وحتى ضفاف البحر الأبيض المتوسط”.ونقلت وكالة  دفاع برس التابعة للقوات المسلحة الإيرانية، عن همداني قوله: “لقد كان هدفنا أثناء الحرب الإيرانية العراقية (1980-1988) أن نصل إلى البصرة ولم نصل، لكننا اليوم نقاتل أعداء الإسلام في بغداد وسامراء وحتى أبعد من ذلك على ضفاف البحر المتوسط”، كما أكد على دور الحرس الثوري الإيراني في تأسيس وتنظيم والإشراف على ميليشيات الدفاع الوطني في سوريا وميليشيات الحشد الشعبي في العراق، تحت غطاء  الاستشارات العسكرية.
 
وإذا كانت هذه التصريحات تثبت أن لدى إيران أجندة واضحة للتمدد والتوسع، فإنها تترجم ذلك على أرض الواقع منذ توقيع الاتفاق النووي مع مجموعة(1+5) في يوليو من العام 2015، وتواصل تدخلاتها في شئون العديد من دول المنطقة، لتعزيز نفوذها في المنطقة، حيث تمكنت عبر العديد من الأذرع والميليشيات الموالية لها من تعزيز تواجدها في العراق وسوريا واليمن ولبنان، هذا خلافاً عن تدخلاتها المستمرة في الشأن البحريني، عبر اللعب بالورقة المذهبية، وإثارة المشكلات في المملكة.ويمكن تناول هذه التدخلات على النحو التالي:
 
- مملكة البحرين:
 صعدت إيران من وتيرة تدخلاتها في الشأن البحريني خلال العامين الماضيين، وبدأت تقدم الدعم لجماعات المعارضة الشيعية الموالية لها، وتحرضها ضد النظام، بل أن كثيراً من الخلايا الإرهابية التي تم اكتشافها من جانب السلطات البحرينية في الآونة الأخيرة، أثبتت التحقيقات ارتباطها بإيران، وكان آخرها في شهر فبراير 2017، حينما نجحت الأجهزة الأمنية في تفكيك خلايا إرهابية كانت تخطط لتنفيذ عمليات إرهابية،  وتبين أن بعض عناصر هذه الخلية تلقوا تدريبات عسكرية على السلاح واستخدام المواد المتفجرة في كل من إيران والعراق.
 
كما تواصل إيران سياستها التحريضية ضد المملكة، ففي فبراير 2017 استقبل رجل الدين الإيراني المدعو حسين نوري همداني، مجموعة من رجال الدين البحرينيين، ودعاهم للانقلاب على النظام في البحرين، وإسالة الدماء بدعوى المظلومية، وهذه ليست المرة الأولى التي تصدر فيها مثل هذه الدعوات والتدخل في شئون مملكة البحرين،  فقد سبقه الكثير من القادة الإيرانيين الذين يؤمنون بمشروع تصدير الثورة الإيرانية الذي انطلق عام 1980م، ولكنه خرج بصرخة جديدة وغير مسبوقة حين دعا الى لبس الأكفان والصدام مع المجتمع البحريني لتحقيق الاجندة الإيرانية ومشروع تدمير المنطقة.  
 
ولم يقتصر التدخل الإيراني في مملكة البحرين على ماسبق، وإنما انصرف أيضاً إلى توجيه تهديدات صريحة إلى المملكة في أعقاب قرار القضاء البحريني بإغلاق جمعية الوفاق الشيعية ووقف نشاطاتها، وفي أعقاب القرار الذي اتخذته وزارة الداخلية البحرينية في سبتمبر من العام 2016 بإسقاط الجنسية عن أبرز المراجع الدينية الشيعية البحرينية الشيخ عيسى قاسم، لدوره في تعزيز “بيئة طائفية متطرفة”، ولتأسيسه تنظيمات تابعة لمرجعية سياسية دينية خارجية، عملت على تقسيم المجتمع تبعا للطائفة، حيث أدانت وزارة الخارجية الإيرانية قرار الحكومة البحرينية بإسقاط الجنسية عن آية الله الشيخ عيسى قاسم، واعتبرت أن “مثل هذه الإجراءات التعسفية تبدد الآمال بإصلاح الأمور في البحرين عن طريق الحوار والوسائل السلمية”.
 
 في الوقت الذي هدد قائد فيلق القدس في  الحرس الثوري  قاسم سليماني في سبتمبر من العام 2016، البحرين والمنطقة بأسرها بعنف مسلح جراء إسقاط الجنسية عن عيسى قاسم. أكثر من ذلك فإن الحرس الثوري الإيراني هدد في بيان له  بأن إسقاط الجنسية عن عيسى قاسم سيؤدي إلى ثورة في البحرين.
 
هذه التهديدات لا تنفصل عن أطماع إيران التاريخية في مملكة البحرين، والتي تتجدد من آن لآخر، حيث يطالب المسؤولون الإيرانيون مراراً بضم البحرين، وذلك في إطار السياسات التوسعية التي يمارسها النظام الطائفي في إيران، ضاربا عرض الحائط بكل القوانين والأعراف الدولية التي تدعو إلى احترام استقلال وسيادة الدول والالتزام بمبدأ حسن الجوار وعدم التدخل في شؤون البلدان الأخرى. في هذا السياق فقد دعا أحد قياديي الحرس الثوري الإيراني الجنرال سعيد قاسمي، قائد ميليشيات “أنصار حزب الله” وهي من جماعات الضغط المرتبطة بالمرشد الايراني علي خامنئي، في شهر مارس 2016 إلى احتلال البحرين وضمها إلى إيران، زاعما أن “البحرين محافظة إيرانية مقتطعة”.  
 
- المملكة العربية السعودية:
واصلت إيران خلال الأعوام الماضية تدخلاتها في الشأن السعودي، عبر دعمها للشيعة في شرق المملكة، وبدا هذا واضحاً في معارضة إيران لإعدام رجل الدين الشيعي نمر النمر في يناير 2016 واستدعت القائم بالأعمال السعودي في طهران للاحتجاج. وكان لافتاً أن إيران أول من أصدر رد فعل على هذه الأحكام، مستخدمة لهجة تصعيدية تجاه السعودية، حيث قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إن “السعودية تساند الإرهابيين وتعدم المناهضين للإرهاب”، ووصف عملية الإعدام بأنها تظهر “غياب الحكمة وانعدام المسؤولية”. أما المرشد الأعلى علي خامنئي فقد اعتبر أن السعودية “ستدفع ثمن فعلتها هذه، وسيطاولها انتقام إلهي” على حدّ تعبيره.
 
القضية الأخرى التي تدخلت فيها إيران، وهي إدارة موسم الحج، فرغم أنها دائماً ما تستغل موسم الحج كل عام في شن حملة ضد المملكة العربية السعودية، إلا أنها صعدت من هجومها العام الماضي 2016 بصورة لافتة، واتهمت المملكة تارة بالتقصير في إدارة مراسم الحج، وتارة أخرى بالدعوة  إلى “تدويل” الإشراف على الأماكن المقدسة وموسم الحج تحديداً، بدعوى أن المملكة غير قادرة على تسيير ورعاية شئون الحجاج. وبدا واضحا ً أن إيران تسعى إلى “تسييس” فريضة الحج، حينما منعت مواطنيها لأول مرة منذ ثلاثة عقود من أداء فريضة الحج هذا العام، ثم اتهمت المملكة برفض منح الإيرانيين الموافقة على اتفاق البعثة الإيرانية للحج، رغم إنها هي من رفضت هذا الاتفاق، حينما أصرت على منح الحجاج الإيرانيين مزايا تفصيلية وإضافة طقوس خاصة بهم، تنطوي على “تسييس “ واضح لفريضة الحج.
 
وتكشف دعوة خامنئي “العالم الإسلامي إلى التفكير في حل لإدارة الحرمين الشريفين وقضية الحج”، عن رغبة إيران في “تدويل مراسم وإدارة الحج”، وهذا مطلب قديم وليس وليد اليوم أو يتعلق بالخلاف على إجراءات تنظيم الحج كما قد يتصور البعض. فنظرية “أم القرى”، التي وضعها السياسي والبرلماني الإيراني المحافظ محمد جواد لاريجاني تدعو صراحة إلى تدويل الحرمين، وضرورة خروجهما عن السيطرة السعودية،وإدارتهما عن طريق لجان دولية يكون لإيران فيها نصيب أكبر. ولا شك في أن دعوة إيران إلى “تدويل” قضية الحج تستهدف تجريد السعودية وسحب البساط منها على الأماكن الدينية وعمل دولة دينية تجمع بين مكة والمدينة على غرار الفاتيكان ووضعها تحت ولاية منظمة المؤتمر الإسلامي. وهذا التصور طرحته طهران مباشرة وروجت له بعد حادثة تدافع  منى مباشرة العام 2015 ، بحجة عجز السعودية عن إدارة شئون الحجاج ، وتوفير الأمن لهم، حتى يمهد لها ذلك إحكام قبضتها على بلاد الحرمين ، وتحت عباءة قيادتها .
 
- دولة الإمارات العربية المتحدة:
 لم تكتف إيران بمهاجمة المواقف الخليجية والعربية المؤيدة لحق الإمارات التاريخي والثابت في جزرها الثلاث(أبو موسى وطنب الصغرى وطنب الكبرى) والتي تحتلها إيران منذ عام 1971، وترفض التجاوب مع مقترحات حلها بالوسائل السياسية والقانونية، وفي حين تدعو الإمارات دوماً إلى حل سلمي سواء من خلال المفاوضات المباشرة أو اللجوء إلى  محكمة العدل الدولية ، إلا أن إيران ترفض الذهاب إلى المحكمة، وفي الوقت نفسه لا تساعد على إنجاح أي مفاوضات ثنائية بمواقفها المتصلبة، فضلاً عن سعيها إلى فرض الأمر الواقع في الجزر الاماراتية الثلاث المحتلة وتبنّي سياسات استفزازية بشأنها تتعارض بشكل مطلق مع خطابها الذي يتحدث عن حسن الجوار والعلاقات التعاونية بين ضفتي الخليج.
 
- اليمن:
 تواصل إيران تدخلاتها في الشأن اليمني، وتقوم وبشكل مباشر بتسليح ودعم المتمردين الحوثيين بأسلحة متطورة على نحو متزايد، بما في ذلك الصواريخ البالستية، والطائرات من دون طيار المسلحة. بل أن رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الإيرانية، محمد حسين باقري، كان قد أعلن في نهاية نوفمبر2016، عن “احتمال سعى إيران لإقامة قواعد بحرية في اليمن أو سورية مستقبلا” ، الأمر الذي أثار قلقا إقليميا ودوليا بشأن حجم التدخل الإيراني في اليمن ودوافعه الحقيقية. وأكد القائد العام للحرس الثوري الإيراني، اللواء محمد علي جعفري، في شهر أغسطس 2016 وجود تنسيق بين بلاده، وحلفائها في اليمن وسوريا والعراق. ونقلت وكالة “تسنيم” الإيرانية، عن اللواء جعفري، قوله، إن الأعداء اليوم لا يمكنهم تحمل التنسيق القائم بين سوريا والعراق واليمن مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ويعتبر هذا التصريح، اعتراف واضح بتدخلات إيران، المباشرة في اليمن فضلا عن سوريا والعراق.  
 
وكشف وزير الخارجية اليمني، عبدالملك المخلافي، في شهر فبراير 2017 أن “الطائرة بدون طيار التي دمّرها الجيش اليمني في الساحل الغربي، هي طائرة إيرانية قادرة على إطلاق القذائف الصاروخية”، معتبرا أنها “دليل آخر على التورط الإيراني في اليمن”.وأوضح المخلافي، أن “الحكومة اليمنية تقدمت رسميًا بشكوى إلى الأمم المتحدة لخرق إيران قرار مجلس الأمن رقم 2216، الذي يلزم جميع الدول بعدم التعاون العسكري مع الانقلابيين”.
 
في السياق ذاته، كشف مركز أبحاث التسلح والصراعات، في تقرير صدر نهاية نوفمبر2016  إنه استطاع الوصول إلى مخبأي أسلحة يُشتبه في صِلتهما بإيران. ومن المحتمل، بحسب المركز نفسه، أن تكون طهران قد قامت بتزويد صواريخ روسية وإيرانية موجّهة مضادة للدبابات، حيث عثرت السفينة الحربية الفرنسية “أف أس بروفانس” على تسعة صواريخ موجّهة مضادة للدروع روسية الصنع من طراز “9M133-1 Kornet” صُنعت ضمن دفعتي إنتاج عام 2008، علماً أن “Kornet” هو سلاح شائع في الترسانة الإيرانية. ويرى مراقبون ومحللون أن الهدف الرئيسي من التدخل الإيراني في اليمن هو استنساخ نموذج آخر من “حزب الله” اللبناني في الحدود الجنوبية للسعودية، من خلال جماعة “أنصار الله” (الحوثيين). وبدأ الأمر من خلال تنظيم “الشباب المؤمن” الذي أسسه حسين بدر الدين الحوثي خلال تسعينيات القرن الماضي، بعد زيارة إلى إيران تلقّى خلالها العلوم الدينية في مدينة قم الإيرانية.  
 
يمثل اليمن في المنظور الإيراني أهمية كبيرة، بالنظر لموقعه الاستراتيجي المتميز الذي يتمتع به، حيث يمثل البوابة الجنوبية للوطن العربي عموماً والجزيرة العربية والخليج بشكل خاص. وتنبع أهمية اليمن من وجوده على أهم ممرات الطاقة والتجارة العالمية مثل مضيق باب المندب، الذي يمر خلاله ما يقارب من 3.2 مليون برميل نفط يومياً، أي تنبع الأهمية الاستراتيجية بحكم وجودها على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر؛ مما يضفي بعداً مهماً على هذا الموقع، وبالتالي فإن وجود إيران في هذا المكان الاستراتيجي يعزز من حضورها الإقليمي، ويساعدها على السيطرة على المداخل والمخارج الرئيسية لتجارة النفط الدولية. كما أن الوجود الإيراني في اليمن (عبر الحوثيين) يضمن لطهران إحدى أوراق الضغط والمساومة ، التي يمكن أن توظفها في دائرة منافستها وصراعها المستتر مع دول الخليج العربية، وتحديداً المملكة العربية السعودية، في توليد مضايقات ومشكلات لهذه الدول، خاصة مع وجود التجمعات الحوثية والشيعية في شمال اليمن بالقرب من السعودية، وما يمثله ذلك من مشكلات أمنية عديدة للمملكة وعرقلة أي محاولات أو جهود خليجية من أجل إعادة الاستقرار في اليمن، علاوة على أن اليمن يمثل العمق الديموغرافي والجغرافي لدول ومجتمعات دول الخليج العربية. 
 
 العراق:
 تزايدت وتيرة التدخل الإيراني في العراق خلال العامين الماضيين، وخاصة بعد اجتياح تنظيم  “داعش” مناطق شاسعة من البلاد، وسيطرته على محافظة الموصل، وهو ما دفع إيران إلى استثمار هذا التطور لتعزيز نفوذها في العراق، وقامت بزيادة تواجدها العسكري هناك، ووفقا لآخر تقديرات صادرة عن قيادات سياسية وأخرى أمنية عراقية مطلع العام 2017، ينتشر في العراق نحو 5 آلاف مقاتل إيراني، وهي أقل نسبة تواجد لهم منذ نحو عامين، حيث بلغ تعدادهم نهاية العام 2015، أكثر من 12 ألفا، واستمر هذا العدد لحين انتهاء معركة الفلوجة، التي كان فيها الحرس الثوري ومليشيات “مدافعي الحرم” قوة رئيسة، بقيادة قائد فيلق القدس، قاسم سليماني.
 
ويبلغ عدد الإيرانيين المقاتلين غير التابعين للحرس الثوري الإيراني من مجموع الخمسة آلاف مقاتل في العراق حالياً نحو 1200 مقاتل، هم عبارة عن متطوعين يشكلون مليشيات دخلوا البلاد بشكل رسمي تحت شعار “حماية المراقد المقدسة”. ودخلت أولى طلائع القوات الإيرانية إلى العراق منتصف عام 2014 بعد صدور فتوى المرجع الديني علي السيستاني بتشكيل ما يعرف اليوم بـ”الحشد الشعبي”. ويقسم التواجد العسكري الإيراني في العراق إلى ثلاثة أصناف: الأول هو الحرس الثوري الإيراني، والثاني قوات “الباسيج”، والثالث هو المليشيات المتطوعة للقتال في العراق، والتي تشترك مع نظيرتها السورية بعبارة (قوات المدافعين عن الحرم)، وتتخذ أسماء مختلفة تحت هذا العنوان.  
 
ورغم أن التواجد العسكري الإيراني في العراق ليس حديث العهد، وبدأ بشكل محدود مع الاحتلال الأمريكي عام 2003، إلا أنه وخلال السنوات الثلاث الماضية، بدا التواجد العسكري الإيراني في العراق أكثر اتساعا وسيطرة، ليس على المؤسسة العسكرية العراقية فحسب، بل حتى في الأوساط السياسية والاجتماعية. وبرزت قيادات إيرانية ميليشياوية على مستوى الإعلام المحلي العراقي والعربي، أبرزها أبو مختار الإيراني، وأبو وهب، وأبو الحر، وظهروا في تسجيلات لهم في مناطق القتال، وهم يحرضون أفراد مليشيات “الحشد الشعبي” على تنفيذ عمليات انتقامية من السكان المحليين. فيما برزت أسماء فصائل إيرانية خالصة مثل لواء ناصر والخراساني وعلي الأكبر، وهم إيرانيون جميعاً.
 
التدخل في العراق يهدف بالأساس إلى تحقيق مصالح سياسية واستراتيجية لإيران، فالعراق يمثل أهمية استراتيجية وسياسية اقتصادية لإيران، فموقعه الجيوسياسي والحساس من جسم الأمة العربية ودوره في خلق التوازن الإقليمي دفع إيران إلى تعزيز نفوذها وتواجدها فيه، كي تحيده، باعتباره قوة للأمن القومي العربي، بمعنى آخر فإن إيران تستهدف من وراء نفوذها الراهن في العراق إخراج العراق من الناحية الاستراتيجية والتعريف التقليدي من كونه قوة لتحقيق التعادل مع القوى الإقليمية إلى قوة مساندة لإيران.
 
- لبنان: 
كان لإيران دور رئيسي في تأسيس “حزب الله”، واستطاعت مساعدة الحزب في الظهور كممثل للشيعة في لبنان، ووفرت له الدعم المادي والعسكري بحيث تمكنت من تكوين قوة شيعية في المنطقة، وفق نظرة المحيط العربي لإيران. ونتيجة لهذا فإن الحزب يدين بالولاء الأيديولوجي والسياسي الكامل لإيران، بل إنه شكّل فيما بعد نموذجاً ناجحاً أغراها بمحاولة تكراره في دول عربية أخرى كالعراق حيثُ “حزب الله”العراقي والحشد الشعبي، وفي اليمن حيثُ “أنصار الله” (جماعة الحوثي). وتتميز العلاقة بين حزب الله وإيران بتداخل البعدين السياسي والديني فيها، فاللبنانيون الشيعة الذين يمثلون كوادر حزب الله تربطهم بالمرجعيات الدينية الإيرانية روابط روحية عميقة، ويعتبر مرشد الثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي أكبر مرجعية دينية بالنسبة لهم، ويسمى أمين عام حزب الله حسن نصر الله الوكيل الشرعي لآية الله خامنئي. 
 
وطوال السنوات الماضية، كان حزب الله أحد أدوات إيران لتحقيق مصالحها ليس في لبنان وحسب، بل وفي دول المنطقة، حيث استخدمته إيران للتحريض ضد السعودية ودول الخليج، وكانت أحدث مظاهر ذلك هو تحريض الحزب على عرقلة التقارب الخليجي- اللبناني، في أعقاب جولة الرئيس اللبناني ميشال عون لكل من السعودية وقطر في شهر يناير 2017 ، والتي مثلت خطوة مهمة نحو استعادة الثقة بين لبنان ودول مجلس التعاون الخليجي.
 
وكان لافتا خلال هذه الجولة حجم الترحيب والاحتضان والتشجيع من جانب السعودية، التي لم تقبل للبنان أن يكون منصة ومنطلقا لأعمال معادية لأي من دول الخليج العربية. بينما كان تأكيد الرئيس اللبناني ميشال عون على أن لبنان لن يكون جزءًا من أي محور بوجه أشقائه العرب.  النتائج الإيجابية التي تمخضت عن هذه الجولة أثارت قلق إيران، التي أوعزت لحزب الله التدخل لإجهاض التقارب مع دول الخليج، وبدا هذا واضحاً في تصريحات الرئيس ميشال عون بعد أيام من هذه الجولة، وموقفه المؤيد لسلاح حزب الله من حيث اعتباره ضرورة للدفاع عن لبنان. بل أن حسن نصر الله أمين عام حزب الله عاد إلى مهاجمة السعودية، وقال في حديث للقناة الأولى الإيرانية في شهر فبراير 2017  نقلته وكالة “فارس”، إن الحرب على سوريا “تدار بتخطيط سعودي أمريكي، وأن سوريا تجاوزت مرحلة الخطر، والوضع الميداني صار أفضل فيها”. الأمر الذي يؤكد أن حزب الله صار أداة في أيدي إيران تستخدمه لتنفيذ أهدافها في المنطقة، سواء للقتال بجانب قوات نظام بشار الأسد في سوريا أو في مهاجمة السعودية ودول الخليج.
 
- سوريا:
 لا يقتصر التدخل الإيراني في سوريا على دعم نظام بشار الأسد سياسياً، وإنما هناك تواجد عسكري واضح هناك، حيث زجّت الحكومة الإيرانية بعدد كبير من المليشيات والفصائل المسلّحة  للقتال إلى جانب قوات النظام السوري ، وأرسلت إيران قواتها الرسمية المتمثلة بالجيش وتشكيلات عسكرية تابعة لما يعرف بـ”الحرس الثوري” على جبهات القتال في جميع المناطق المشتعلة في سورية، وبرر المسؤولون الإيرانيون في تصريحات متعاقبة منذ عام 2012 هذا التدخل العسكري المباشر بسورية بأن من يقاتل من الإيرانيين في سوريا “هم مستشارون عسكريون انخرطوا بالصراع السوري لتقديم الاستشارات لقوات النظام السوري”، لكن واقع سقوط مئات القتلى منهم على الأرض السورية، بالإضافة إلى تمكن قوات المعارضة من أسر آخرين، أثبت أن الإيرانيين يقاتلون على خطوط القتال الأولى، ما ينفي عنهم صفة المستشارين الذين يقومون بأعمالهم عادة في مراكز التدريب والقيادة.
 
ولم يقتصر التدخل الإيراني عند هذا الحد، إذ دفعت الحكومة الإيرانية، وبإشراف ضباط الحرس الثوري، على رأسهم قائد “لواء القدس” في “الحرس الثوري”، قاسم سليماني، بعشرات المليشيات، المكونة من مقاتلين عراقيين وأفغان ولبنانيين وباكستانيين ويمنيين، إلى جبهات القتال في سورية، لتجند الحكومة الإيرانية هؤلاء وتزج بهم في الحرب السورية إلى جانب النظام السوري، مستخدمة دعاية مفادها أن “خطراً كبيراً يتهدد المراقد والمزارات الدينية”. وبالفعل كانت الدعاية الإيرانية، حول وجود “خطر يتهدد المراقد والمزارات” فعالة في تجييش آلاف الشبان من بلاد شتى، لينخرطوا في صفوف مليشيات تقاتل بسورية دفاعاً عن النظام السوري. ومع تدفق الآلاف من مقاتلي المليشيات إلى سورية تحول حي السيدة زينب، جنوب شرق العاصمة السورية دمشق، والذي يضم مقام السيدة زينت، إلى المعقل الرئيس الذي تتجمع به المليشيات ليحصل عناصرها على التدريب قبل أن ينطلقوا للقتال في عموم الأراضي السورية.
 
التدخل الإيراني في سوريا يرجع بالأساس إلى ما تشكله الأخيرة من أهمية جيوسياسية واستراتيجية كبيرة، فهي بالنسبة لإيران تمثل بوابة النفوذ والتأثير، ومن خلالها يمكن الوصول إلى منطقة المتوسط. وسوريا هي طريق مرور المال والسلاح والخبرات الفنية والعسكرية لحلفاء إيران. وهذا يفسر الدعم الإيراني المتواصل لنظام بشار الأسد منذ بداية الأحداث في سوريا، لأنها تدرك أن مخاطر سقوط الأسد عليها ستكون كبيرة. وهذا صحيح، لأن هذا السقوط سيؤثر بلا شك في النفوذ الاستراتيجي الإيراني على الصعيد الإقليمي، وسيكون فاتحة لتراجع كبير على هذا الصعيد. 
 
أدوات التدخل الإيراني في الدول العربية
تسعى إيران إلى تعظيم نفوذها وهيمنتها في المنطقة، وتستخدم لتحقيق هذا الهدف مجموعة من الأدوات التي تتغير تبعاً للتطورات والمستجدات، ما يعكس البرجماتية التي تتمتع بها طهران. وتتنوع الأدوات التي تستخدمها إيران لتنفيذ أهدافها في الدول العربية، ما بين السياسي والعسكري والمذهبي والثقافي، ويمكن تناول ذلك على النحو التالي:
1 - الورقة المذهبية- الطائفية: يمثل البعد الديني-الطائفي أحد أدوات السياسة الخارجية الإيرانية، التي تستخدمه في التمدد وتعظيم النفوذ في المنطقة، من خلال رفع شعارات فضفاضة، كالدفاع عن المظلومين والمضطهدين في المنطقة ودول العالم أجمع. ولعل موقف إيران المبالغ فيه من إعدام السلطات السعودية لرجل الدين الشيعي نمر باقر النمر في الثاني من شهر يناير 2016، ومن قرار السلطات البحرينية سحب الجنسية عن المرجع الشيعي آية الله الشيخ عيسى قاسم  في سبتمبر 2016، وما رافقه من تصريحات لمسؤولين إيرانيين معادية للدولتين يكشف البعد الطائفي في سياسات طهران، وكيف أنه بات إحدى أدواتها الرئيسية في تنفيذ أهدافها في المنطقة.
 
 توظيف إيران للبعد الديني- الطائفي في سياستها الخارجية ليس مجرد شعارات فقط، وإنما يتعداه إلى تحركات على الأرض، تستهدف دعم الأقليات الشيعية في الدول العربية والخليجية سياسياً وثقافياً، وإذا ما وجدت الفرصة متاحة لها في أي دولة، فإنها تحاول إنشاء أحزاب سياسية أو ميليشيات عسكرية تعمل على تحقيق مصالحها في هذه الدول، سواء في الضغط على حكوماتها كما هي الحال في حالة “حزب الله” اللبناني أو في إفشال أي تحركات سياسية لا تتواءم مع مصالحها مثلما فعلت مع الحوثيين، حينما أوعزت إليهم بضرورة إفشال المبادرة الخليجية للحل السياسي في اليمن، وصولاً إلى تقديم الدعم العسكري لهم حتى احتلال العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014.
 
إذاً يبدو واضحاً في ضوء التحركات الإيرانية في السنوات القليلة الماضية أن طهران توظف البعد الطائفي لتجعل من نفسها الدولة القائد للشيعة في دول المنطقة والعالم بأكملها، ولهذا تبرر في دستورها التدخل للدفاع عن الشيعة في أي مكان، متجاوزة بذلك حدود الدول وسيادتها، ولعل هذا ما يفهم من تصريحات الرئيس حسن روحاني، والتي قال فيها صراحة: إن “إيران سوف تتدخل في أي مكان توجد به مقامات للشيعة، وتتعرض إلى تهديد من قبل الإرهابيين”، وهذه هي الذريعة التي تفسر من خلالها إيران تدخلها في العراق ولبنان واليمن وسوريا ومملكة البحرين.
 
2 - التنظيمات والجماعات المذهبية المسلحة: حيث يدرك صناع السياسة الإيرانية الأهمية المتزايدة للفصائل والميليشيات المسلحة التي تتوافر على مهارات قتالية، ولا يتوان الحرس الثوري الإيراني في تقديم التدريب والدعم العسكري لهذه التنظيمات، ليجري استخدامها كأدوات مركزية للسياسة الإيرانية في المنطقة في جوانبها العسكرية والاستراتيجية والعقائدية، وأبدت طهران قدرة منقطعة النظير لتسخير هذا النوع من القوات واستخدامه في منطقة الشرق الأوسط، الامر الذي كان بمثابة المتغير الرئيسي في نجاح طهران المستمر في بناء نفوذها السياسي والحركي في جوارها الاقليمي . ومن بين أهم أدوات السياسة الخارجية الإيرانية إمساكها بورقة التنظيمات المقاتلة في مجموعة من دول المنطقة، إذ سبق لإيران أن رعت تأسيس حزب الله اللبناني، الذي تحول مع الوقت إلى تنظيم فائق القوة على المستويين السياسي والعسكري، هذا فضلاً عم دعمها المستمر لحماس وحركة الجهاد الإسلامي في الأراضي الفلسطينية، في حين أن الولايات المتحدة تتهمها أيضاً بتقديم أسلحة إلى تنظيمات وفصائل في العراق وأفغانستان، تُستخدم في مهاجمة قواتها  .
 
وفي دول الخليج، أسست إيران عدة جبهات أخذت بعدا عسكريا في تنفيذ أجنداتها ، فمن ذلك حزب الله البحريني، والذي هو امتداد للجبهة الإسلامية لتحرير البحرين ومقرها طهران، وقد قام الحزب بعدة عمليات تخريبية في البحرين ما بين عام 1994م، و1996م ـ  وفي منتصف الثمانيات وبالتحديد عام 1987م تم إنشاء الجناح العسكري لمنظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية، واتفق على تسميته بحزب الله الحجاز، وتولى هذا الحزب العمليات الإرهابية في السعودية، بالتنسيق مع الحرس الثوري الإيراني لعمليات الإرهاب والفتنة، في أيام الحج، وتم التأسيس عن طريق الحرس الثوري الجمهوري الإيراني ، بإشراف ضباط المخابرات الإيرانية، وبتجنيد الشيعة السعوديين الذين يدرسون في قم الإيرانية، قام هذا الحزب بالتنسيق مع المخابرات الإيرانية بافتعال المظاهرات الحاشدة في مواسم الحج بغرض القتل والتخريب، كما قامت بنشر الغازات السامة في بعض الأنفاق، وبعض التفجيرات في المناطق السكنية في الخبر.
 
كما كان لإيران دور في إنشاء حزب الله الكويت والذي اتخذ له أسماء منظمات وهمية مثل: طلائع تغيير النظام للجمهورية الكويتية، وصوت الشعب الكويتي الحر، ومنظمة الجهاد الإسلامي، وقوات المنظمة الثورية في الكويت، تأسس بمجموعة من شيعة الكويت كانت تدرس في الحوزة الدينية في قم، ويرتبط معظمهم بالحرس الثوري الجمهوري الإيراني، ويتدربون لديه، حاول الحزب اغتيال الأمير الكويتي عام 1985م، وخطف الطائرات المدنية، وتفجير مقهيين شعبيين، وقد حاولت المخابرات الإيرانية بعد سيطرتها على جنوب العراق بعد الغزو الأمريكي على إحياء هذا الحزب في الكويت، وتهريب السلاح له.   
 
وفي أغسطس من العام الماضي 2016، اعترف الجنرال محمد علي فلكي أحد أبرز قادة الميليشيات والقوات الإيرانية في سوريا ،  بنية إيران إعادة تنظيم الميليشيات الموالية لطهران في سوريا وصهرها في بوتقة إطار تنظيمي يحمل اسم “جيش التحرير الشيعي”. وهي خطوة تشير إلى رغبة إيران في إنشاء زراع عسكري جديد، تستخدمه في تحقيق أهدافها الطائفية في المنطقة، وليكون أداة حربية تحقق مصالحها الإستراتيجية في المنطقة، وتساعدها في تأمين بقاء أنظمة الحكم الحليفة لها المهددة بثورات شعبية عارمة، وتنوب عن جيشها النظامي في حروبها التي تخوضها في أكثر من جبهة.
 
3 - الأدوات الثقافية: قامت إيران بتأسيس سلسلة من المؤسسات والدوائر لتكون أجنحة لوزارة الخارجية لمساعدتها على تحقيق استراتيجيتها، لعل أبرزها  :المستشاريات الثقافية الإيرانية: وتقوم على نشر وتدريس الثقافة الفارسية وكسب المتعاطفين ونقلهم لإيران لإكمال التعليم باللغة الفارسية وتغذيتهم بمزيد من الثقافة والأفكار، ومن ثم تجنيدهم عبر تقديم المغريات المادية والمعنوية. وهناك أيضاً المدارس الإيرانية في الخارج، والتي تعمل على نشر الثقافة الإيرانية من خلال فتح باب القبول لغير الإيرانيين مجاناً، وكسب الطلبة الإيرانيين المقيمين في الخارج وتجنيدهم لصالح النظام ضد المعارضة، والقيام ببناء علاقات مع غير الإيرانيين وكسبهم لصالح إيران.
 
وإلى جانب هذه المراكز والمؤسسات هناك دوائر أخرى تعمل في إطار تحقيق المخطط الإيراني، وهذه الدوائر بعضها ثقافي، وسياسي، وخدمي، وهي :  مؤسسة جهاد البناء: ولها أفرع في السودان وسورية ولبنان، وتقوم بمد خطوط الكهرباء وأنابيب المياه وحفر الآبار وبناء المساكن والمدارس والطرق. 
 
ولجنة الإمام الخميني الإغاثية: وهي مؤسسة خدمية تقدم المعونات المالية والخدمات الصحية والاجتماعية، وتعدّ من المؤسسات الثورية.. لها فروع في العراق، سورية، السودان، ولبنان.
ومركز حوار الحضارات: وهو تابع لمؤسسة رئاسة الجمهورية، ويقوم على الترويج للثقافة والحضارة الوطنية الإيرانية وتلميع صورة النظام الإيراني تحت يافطة الحوار بهدف كسب المؤيدين لإيران؛ من خلال بناء العلاقات مع المثقفين والمفكرين العلمانيين والليبراليين العرب ودعم المؤتمرات والتجمعات القومية والوطنية العربية.
 
4 - الأدوات الإعلامية:  يُعتبر العمل الإعلامي أحد أبرز الأدوات التي يستخدمها النظام الإيراني لتحقيق أهدافه الداخلية والخارجية، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي، أو على المستوى الفكري أو السياسي. ولقد واكب العمل الإعلامي، الثورة الإيرانية منذ مرحلة الميلاد الأولى، والتمهيد لها؛ حيث يمكن اعتبار الثورة الإيرانية ابنة الفعل الإعلامي بالدرجة الأولى؛ حيث كانت أشرطة وكتابات الخميني وملالي قم وغيرهم من الشخصيات، هي أبرز عامل أدى إلى تحريك الشارع الإيراني في السبعينيات، ضد نظام شاه إيران الراحل، محمد رضا بهلوي .
 
وتنوعت القنوات القضائية الإيرانية، والشيعية بشكل عام، بشكل كبير في السنوات الأخيرة، وخصوصاً بعد تمكُّن حلفاء إيران في العراق من السيطرة على مفاصل الحياة السياسية هناك، عقب الغزو الأمريكي للعراق. وفي اليمن استغلت إيران الاضطرابات التي شهدها اليمن بعد عام 2011 وعمدت إلى تعزيز تواجدها الإعلامي والسياسي ، وأطلقت ثلاث قنوات يمنية عام 2012 ونشرت قرابة عشر صحف ومولت إصدار صحيفتين يوميتين بالإضافة إلى العديد من المواقع الإلكترونية. وكان لإيران دور واضح في تأسيس قناة “المسيرة” الناطقة باسم حزب انصار الله اليمني التابع لعبد الملك الحوثي.
 
خاتمة
في ضوء ما سبق، فإن الرغبة الإيرانية التدخلية والتوسعية في العالم العربي يمكن تفسيرها في ضوء العديد من العوامل والاعتبارات، أولها تعزيز المكانة والنفوذ على الصعيدين الإقليمي والدولي، خاصة أن إيران تنظر إلى تميزها الحضاري واللغوي والثقافي وتعدادها السكاني وطموحاتها القيادية في المنطقة، كدعائم تؤهلها للاضطلاع بدور إقليمي مُتميز. بل أنها أصبحت إيران تتصرف بمنطق الدولة العظمى (الإمبراطورية)، تقول تارة بأن “أمن اليمن بمنزلة أمن إيران والمنطقة”.
 
وتتحدث تارة أخرى بأنها دولة عظمى في المنطقة وأمنها يصل إلى البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، وأنها تسيطر على أربع عواصم عربية (دمشق، بيروت، صنعاء، بغداد)، أوكما قال مستشار خامنئي بناء إمبراطورية جديدة مركزها أو عاصمتها بغداد، الأمر الذي يؤكد أن إيران لم تنس بعد أن إمبراطوريتها القديمة انهارت على يد العرب قبل 1400 عام. ثانيها الرغبة في أن تكون مركز العالم الإسلامي، ولعل هذا يفسر صراعها المستمر مع السعودية، وتشكيكها الدائم في قدرة المملكة على إدارة مراسم الحج، وبالتالي مطالبتها (بتدويل الحج والإشراف على الحرمين الشريفين)، بهدف إحراج السعودية، وإظهار أنها هي المدافعة عن المسلمين ضد أعداء الأمة، ومن ثم يحق لها قيادة العالم الإسلامي.
 
ثالثها بناء خارطة نفوذ جديدة في المنطقة، تتيح لها ممارسة ضغوط على دول المنطقة، وهذا يفهم من مشروعها الاستراتيجي الذي كشفت عنه صحيفة “الجارديان” البريطانية في أكتوبر من العام 2016 ، وهو المشروع الذي ينطلق من تأمين ممر بري يخترق العراق في نقطة الحدود بين البلدين، ثم شمال شرق سورية إلى حلب وحمص، وينتهي بميناء اللاذقية على البحر المتوسط. وهذا المشروع يفسر تدخلات إيران المتزايدة في العراق وسوريا ولبنان، ويؤكد في الوقت ذاته مضيها قدماً في تنفيذ نواياها التوسعية على أرض الواقع.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق
يوم ساعة دقيقة ثانية

تصفح مجلة درع الوطن

2017-04-03 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2014-02-01
2015-11-01
2015-12-01
2014-11-11
2014-12-20
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1131

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره