مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2017-09-06

التجربة الإماراتية في مواجهة التطرف: نمـوذج الاستراتيجية المتعددة الأبعاد

لم تدخر دولة الإمارات العربية المتحدة جهداً في مكافحة التطرف بكافة أشكاله ومظاهره سواءً الإرهاب أو التطرف العنيف وذلك منذ تأسيسها في عام 1971م، حيث كانت من أوائل الدول التي اعتمدت رؤية شاملة لمكافحة التطرف بالمعنى الواسع والمعمق، من خلال تبني إستراتيجية وطنية متعددة الأبعاد تقوم على اعتماد تصورات طويلة الأمد وخطط تنفيذية تضمن اجتثاث جذور التطرف من المجتمع الإماراتي والمحافظة على روح الولاء والإنتماء للدولة، من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية تتبنى “المنهج الوقائي” و”المعالجة الإستباقية”. 
 وذلك على النحو التالي:
 
بقلـم: مقصود كروز
 المدير التنفيذي لمركز هداية
 
أولاً: البُعد التشريعي والقانوني: 
استصدرت دولة الإمارات العربية المتحدة القوانين والتشريعات المعنية بمكافحة الإرهاب والتطرف العنيف ومنها المرسوم بقانون اتحادي رقم (1) لسنة (2004) بشأن مكافحة الجرائم الإرهابية، والذي أصدره المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وقانون اتحادي رقم (39) لسنة 2006 في شأن التعاون القضائي الدولي في المسائل الجنائية الذي أصدره صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، والقانون الاتحادي رقم (7) لسنة 2013 في شأن إنشاء مركز هداية الدولي للتميز في مكافحة التطرف العنيف والذي استضافته الدولة في ديسمبر 2012م بإمارة أبوظبي والذي يُعد أول “مؤسسة بحثية وتطبيقية” مستقلة لمكافحة التطرف العنيف بكافة أشكاله ومظاهره وذلك من خلال تقديم أنشطة الحوار والتدريب والبحوث، والذي تأسس من خلال “المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب”، وهو منتدى متعدد الأطراف مُكون من دولة بالإضافة إلى المؤسسات الدولية. 
 
هذا بالإضافة إلى القانون الاتحادي رقم (7) لسنة 2014 بشأن مكافحة الجرائم الإرهابية والذي يتبنى رؤية شاملة لمفهوم الإرهاب، والتي تصب بجميع عناصرها في باب حماية حقوق الأفراد وسلامتهم، وتحقيق الأمن والاستقرار والتعايش السلمي في المجتمع. وكان آخر التدابير التشريعية والقانونية الهادفة إلى تعزيز مكافحة ظاهرة التطرف إصدار صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، القانون الاتحادي رقم  (2) لسنة 2015 بشأن مكافحة التمييز والكراهية والذي يقضي بتجريم الأفعال المرتبطة بازدراء الأديان ومقدساتها، ومكافحة كافة أشكال التمييز، ونبذ خطاب الكراهية، وتجريم التمييز بين الأفراد أو الجماعات على أساس الدين أو العقيدة أو المذهب أو الملة أو الطائفة أو العرق أو اللون أو الأصل الاثني، ومكافحة استغلال الدين في تكفير الأفراد والجماعات، بعقوبات رادعة للجمعيات والفعاليات الداعية لازدراء الأديان أو التمييز أو إثارة خطاب الكراهية. وتصل العقوبة إلى السجن ومليون درهم للدعم المالي للأفعال المجرمة بنصوص القانون.
 
ثانياً: البُعد الديني والإجتماعي: 
قامت دولة الإمارات العربية المتحدة لاسيما من خلال “الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف” بغرس قيم الوسطية والاعتدال والتعايش والتسامح في المجتمع وتعزيزها باعتبارها حائط الصدّ الرئيسي في مواجهة التطرف الذي يتربص بالمجتمعات العربية والإسلامية، والإسهام في تنمية الوعي الديني والثقافة الإسلامية من خلال دعم الجهود البنّاءة، التي تسير في اتجاهات عدة، لعل أبرزها: دعم جهود إصلاح الخطاب الديني، والعودة إلى الصورة السمحة للدين الإسلامي الحنيف على أساس من شأنه التصدي لنزعات التطرف والتشدد التي يحاول البعض فرضها على الخطاب الديني. 
 
وفي هذا السياق تحرص الهيئة على تنظيم المحاضرات والندوات في المؤسسات المجتمعية التي تعبّر عن الصورة الصحيحة للدين الإسلامي البعيدة كل البعد عن الغلوّ والتطرف، وبرنامج تطوير خطبة الجمعة والذي يتيح الفرصة للأفراد للمشاركة في إثراء الخطب بالعناوين والأفكار الجديدة وذلك من خلال موقع الهيئة الإلكتروني. وتحرص دولة الإمارات على دعم المؤسسات الدينية الوسطية في العالمين العربي والإسلامي، وفي مقدمتها الأزهر الشريف. هذا وترعى الهيئة برنامج “تدريب الأئمة” والذي تخرج منه عدة دفعات ويتم بالتعاون مع دار زايد للثقافة الإسلامية ومركز هداية الدولي للتميز في مكافحة التطرف العنيف. 
 
ومن أهم مبادرات الدولة في هذا المجال أيضاً “منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة” والتي استضافته الدولة لعامين متتالين وخرج بمجموعة من التوصيات والمبادرات المهمة في مجال ابتكار حلول فعالة لتعزيز السلم في المجتمعات المسلمة هذا بالإضافة لاستضافة دولة الإمارات لإنشاء الدولة لـ”مجلس الحكماء المسلمين” والذي تأسس في 19 يوليو 2014م، واتخاذ العاصمة الإماراتية أبوظبي مقراً له، ويسعى إلى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة وترسيخ قيم ومبادئ الدين الإسلامي الحقيقية السمحة البعيدة كل البعد عن الغلو والتطرف والعنف وذلك من خلال جمع من علماء الأمة الإسلامية وخُبَرائها ووُجَهائها ممن يتسمون بالحكمة والعدالة والاستقلال والوسطيَّة، وكسر حدَّة الاضطراب والاحتراب التي سادت مجتمعات كثيرة من الأمَّة الإسلاميَّة في الآونة الأخيرة، وتجنيبها عوامل الصِّراع والانقسام والتشرذُم. ويُعتبر المجلس أول كيان مؤسسي يهدف إلى توحيد الجهود في لم شمل الأمة الإسلامية وإطفاء الحرائق التي تجتاح جسدها، وتهدد القيم الإنسانية، ومبادئ الإسلام السمحة، وتشيع شرور الطائفية والعنف التي تعصف بالعالم الإسلامي منذ عقود. وتقتضي استراتيجية المجلس العمل على ثلاثة محاور تشمل: تعزيز الحوار، وبناء القدرات، ونشر الوعي.
 
ثالثاً: البُعد الفكري والثقافي: 
سعت دولة الإمارات العربية المتحدة إلى مواءمة المناهج والعلوم الاجتماعية والتربية الوطنية من خلال المؤسسات التربوية والتعليمية المعنية لتُلبِّي الحاجة إلى توعية الطلاب وحمايتهم من الوقوع في براثن التطرف، والذي يُعد مطلبًا مُتسقًا مع الخطط التعليمية للدولة التي تُشكل جزءًا من رؤية 2021م. كما تتبنى دولة الإمارات العربية المتحدة العديد من المبادرات المعنية بدور وسائل التواصل الاجتماعي في مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف ولعل أبرزها: “مركز صواب” – وهو مبادرة تفاعلية بالشراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية للعمل على تسخير وسائل الاتصال والإعلام الاجتماعي على شبكة الإنترنت من أجل تصويب الأفكار الخاطئة وإتاحة مجال أوسع لإسماع الأصوات المعتدلة – والذي يأتي ضمن إطار تعزيز جهود التحالف الدولي في محاربة “ داعش”. 
 
الخاتمة:
إن فهمنا لظاهرة التطرف ينطلق من قدرتنا على تحديد ماهية الأسباب والدوافع المؤدية إليها، وفي نفس الوقت يجب أن نطور المناهج والآليات والأدوات التي يمكننا من خلالها علاج هذه الظاهرة من خلال مكافحة العوامل المؤدية إليها. 
 
ومن هذا المنطلق؛ فإن تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة في مكافحة التطرف تقوم على فهم العلاقة بين «الأنا» و «الآخر» في المستويات الثقافية والإيديولوجية والإجتماعية، وكذلك العمل على إيجاد الأرضية المشتركة من خلال «التنوع الثقافي» و«التعايش المشترك» و «التسامح». 
 
وقد مارست دولة الإمارات العربية المتحدة تجربتها في إطار إستراتيجية “متعددة الابعاد” من خلال المؤسسات الأسرية باعتبار «الأسرة» المؤسسة النموذجية الرئيسية واللبنة الحقيقة في النسيج الاجتماعي، والمؤسسات الشبابية والرياضية والثقافية باعتبارها الروافد الرئيسية لتحصين الشباب من أفكار التعصب والكراهية والتي قد تؤدي إلى حافة هاوية التطرف العنيف، والمؤسسات التربوية والتعليمية باعتبارها الحواضن الفكرية للمناعة الذهنية ضد أفكار وسلوكيات التعصب والكراهية، والمؤسسات والهيئات الدينية والوعظية باعتبارها جهات معتبرة في التأصيل الديني والحماية الأخلاقية وتنمية قيم الفضيلة والوسطية والإعتدال ونبذ التعصب والكراهية، وأيضاً مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الغير حكومية ذات النشاطات الاجتماعية والتوعية والتطوعية.
 
ومن هذا المنطلق؛ تبرز الحاجة الملحة لإعداد جيل من القيادات الشابة من الجنسين والذين يستطيعون تحمل مسؤوليات الوطن من خلال تعزيز مفهوم “السلوك القيادي”. إن عملية صنع جيل قيادي قادر على التخطيط الإستراتيجي بحاجة إلى بذل الكثير من الجهد والمزيد من الدراسة لإعادة صياغة المناهج التدريبية والتأهيلية الحالية وعلى النحو التي نستطيع من خلالها تأهيل جيل جديد من القادة الشباب من أصحاب الطموح والكفاءة ليستطيعوا أن يحملوا عبء العمل الوطني والبناء المجتمعي والعمل على تعزيز مفهوم “الهوية الوطنية” ومواجهة كافة التحديات والمسؤوليات التي تواجهها الدولة.  
 
فالقيادات المستقبلية ستتحمل عبء مواجهة التحديات المستقبلية والتي سيترتب عليها إتخاذ القرار المصيري والذي يتعلق في أن نكون أو لا نكون. فلم تعد هناك مساحة للمناورة أو لتجاهل الواقع الذي تعيشه المنطقة، فإما ان نستمر في النهج الذي خطته القيادة الرشيدة نحو دولة حضارية ومتمدنة ذات مستقبل واعد؛ وإما أن نقع في براثن الإرهاب والتطرف ونكون بذلك نكون قد تأخرنا عن اللحاق بركب الحضارة. 
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-09-05 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2016-11-03
2017-03-08
2014-12-20
2015-12-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1218

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره