مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2018-12-06

إننا نفقد حواسنا

الإنسان ابن الطبيعة، مهما غمرته المدنية بالصخب، والضجيج، والآلات الباردة، لابد أن يحن للهدوء والسكينة، وإن أهملها، وأعرض عنها، فإنه موعود بالتوتر والقلق والاضطراب، وهو فعلاً ما يحدث مع الإنسان اليوم، إنه يعيش ضغطاً هائلاً، ومحبوس في دائرة لا تكف عن الدوران والاهتزاز، إنه يسابق الوقت، ويمر سريعاً على كل شيء حوله، حتى في الأمور التي تتطلب منه الاسترخاء والتأمل، لأنه مسكون بالعمل، والركض الفكري خلف مصالحه، إن صح التعبير.
 
إنه لا يتوقف، ما إن ينتهي وقت عمله، إلا ويظهر ضجيج الإعلام من حوله، أينما التفت فإن الأخبار تلاحقه، إلى أن يصل لسريرة وهو يتصفح البرامج والتطبيقات، هذا السعار المدني في الانشغال بأي شيء، مقلق، ومخيف، لأنه مع هذا التشاغل عن نفسه الأعمق، يعيش انفصال عن مشاعره، حتى باتت العلاقات الإنسانية تشبه في سرعة نشؤها ونهايتها نفس الإيقاع السريع الذي يعيشه مع كل ما حوله!
 
بات عمر العلاقات قصيراً، وسطحياً، ومبني على مصلحة مؤقتة، وهذا طبيعي أن يحدث، لأنه نسي حقيقته الأولى التي تعيده إلى الطبيعة بما فيها من دفء، وعمق، وأمان، وانسجام، إنه يفقد إحساسه الأجمل والذي كان يظهر بمعية الممارسات التي يمنحها قداسة ومصداقية، لكن الآن الوضع المتسارع في كل شيء، لا يعد بخير.
 
إنسان اليوم بات يتحدث للآلات، وتفاعل الآخرين معه بات ناقص وبارد، ويغلفه الغموض، والغرابة، والتفاعل بين الكائنات الحية بما فيها الإنسان ليكون صادقاً، وحياً، لابد أن يكون تعاملاً فيه تفاعل حقيقي، بين إنسان وإنسان، يفصلهم مسافة طبيعية، يرون بعضهم، ويعرفون ملامحهم الحقيقية، يرون كيف يتحدثون، يعرفون رائحة بعضهم، وأصواتهم، بمعنى أن الحواس تأخذ دورها في التعرف على الآخر، لتكون رأياً عنهم، أو مشاعر، لكن ما يحدث اليوم فهو ليس تفاعلاً، بل تعطيل لأصدق حواس الإنسان، وهذا التعطيل لن يتركها كما هي حية، بل ستذوي، وتفقد مهارتها.
يحتاج الإنسان أن يعيد النظر في وسائله لبناء العلاقات، وأدواته للتفاعل مع الآخرين، لأن الأدوات البديلة، كالبرامج والتطبيقات، ليست دقيقة في صورها، وليس لها مصداقية تُذكر، بل هي مضللة جداً وخادعة.
 
ومن دلائل تأثر الإنسان وفقده لمهارات التعامل والتفاعل، ما يحدث للكثير من الناس في التجمعات والمناسبات الاجتماعية، والتي يفترض أنها فرصة للتفاعل الحقيقي بين البشر، ماذا يحدث؟
الكل يفضل جهازه البارد، ويمارس انحناءً، وانفصالاً عن محيطه، كأنما يفضل الأصدقاء الوهميين على الحقيقين الذين يعيشون معه اللحظة!
اليس هذا موقف يتكرر، ومرعب في ذات الوقت!  
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-12-02 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2016-07-13
2014-12-20
2014-12-23
2016-12-04
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره