مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2018-01-02

الحزام والطريق

من يتابع الصين لا يستطيع إلا أن ينجذب إلى برنامج الحزام والطريق. فهذا البرنامج يختزل الطموح الصيني للقرن الحادي والعشرين وما تريد الصين أن تصل إليه كقوة عظمى في النظام الدولي. مع هذا البرنامج تدخل الصين مرحلتها الثالثة من مراحل تطورها السياسي والاقتصادي. ففي المرحلة الأولى كان التركيز الصيني يعتمد على فكر ماوتسي تونغ الماركسي الساعي لتقوية أركان الدولة الصينية وفقاً للتخطيط المركزي وسيطرة الحزب الشيوعي. وفي المرحلة الثانية كان التركيز على نظرة دينغ تشاو بينغ التنموية والتي نقلت الصين من الأيديولوجية البحتة إلى البرجماتية التي أطلقت العنان لإدخال العديد من اشكال الممارسة الرأسمالية على الاقتصاد الصيني.
 
واليوم تدخل الصين مرحلتها الثالثة نحو توسيع الأفق الصيني لخارج نطاقها الجغرافي وفقاً لبرنامج الحزام والطريق والذي ارتبط بالرئيس شي جين بينغ. الهدف الرئيس من كل هذه البرامج هو ضمان بقاء سيطرة الحزب الشيوعي على الحكم والمحافظة على وحدة وسلامة الأراضي الصينية عبر توفير السبل الكفيلة لتحسين حياة المواطن الصيني المعيشية. 
 
لقد أعلن عن هذا البرنامج الرئيس شي جين بينغ في 2013 أثناء زيارته إلى كل من كازخستان وإندونيسيا وتحت مسمى مبادرة مشروع الحزام الواحد والطريق الواحد، والذي تم تغيره بعد ذلك ليصبح الحزام والطريق بعد أن أصبح من غير المجدي الحديث عن حزام واحد وطريق واحد في ظل تشعب الأحزمة والطرق. الحزام يعني الجزء البري من التواصل بين الأراضي الصينية ودول الجوار في حين أن الطريق هو الجزء البحري الرابط بين الصين والعالم الخارجي. وهذا التفسير قدمته الصين إلى أكثر من 100 دولة مشاركة في منتدى الحزام والطريق الذي انعقد في بكين في منتصف مايو 2017. المشروع يشمل نحو 65 دولة من أسيا وأفريقيا وأوروبا تمثل 28% من الناتج الاقتصادي العالمي، وتغطي نحو 70% من سكان العالم. 
 
هذا البرنامج طموح للغاية لذلك وضعت الصين ثقلها خلفة من حيث تقديم الدعم الاقتصادي والسياسي لإنجاحه. فلقد أنشئت صندوق خاص بالمشروع برأس مال قيمته 40 مليار دولار أمريكي، وأسست لبنك استثمار البنية التحتية الأسيوي والذي ضم في عضويته 58 دولة. وقدمت الاستثمارات المالية الكبيرة في العديد من مشاريع البنية التحتية في العديد من الدول. وأصبحت سفاراتها في الخارج ووسائل اعلامها الدولية تعمل بشكل دؤوب للترويج للمشروع، وتعقد الصين مؤتمرات ومنتديات وندوات كبيرة في هذا المجال. والحقيقة هي أن الصين لا تستطيع تحمل فشل هذا المشروع لأنه وبكل بساطة مشروع يأتي في إطار برنامج لمستقبل الصين الداخلي والخارجي. ففي الداخل ترتبط شعبية الحزب الشيوعي والقيادة الصينية بالمنجزات المتحققة للصينيين في مستواهم المعيشي. النموذج الصيني القائم على أسس المرحلة الثانية، مرحلة الزعيم دينغ تشاو بينغ، لم يعد قادر على الإيفاء بالنهضة الصينية أو الانتقال الأكبر إلى الأمام؛ فهو نموذج اعتمد على الاستهلاك الصيني باعتبار أن الصين سوق كبيرة. لكن تزايد معدلات الإنتاج الصيني خلق فائض كبير لم تستطع السوق الصينية استيعابه ولم تعد وسائل المواصلات التقليدية مع العالم الخارجي قادرة على سد ذلك الفائض بالتصدير للخارج. لذلك جاء هذا المشروع ليخلق وسائل مواصلات جديدة في البر عبر الحزام والبحر عبر الطريق ليوصل البضائع الصينية إلى أبعد مدى ممكن من الأسواق وبشكل أكثر تكثيفاً وأكبر حجماً عما كان عليه الوضع في السابق. فالأسواق العالمية ستصبح أكثر ارتباطاً بالصين مع هذا المشروع. 
 
وتتطلع الصين من وراء هذا المشروع إلى تنمية أجزاءها الإقليمية بشكل أكبر عما هو عليه الأن. فالمعروف أن مناطق الداخل الصيني هي أقل تطوراً من المناطق الساحلية، لذلك فإن الصين تأمل من خلال حزامها البري خلق تواصل مستمر ومراكز قائمة للتواصل التجاري والاقتصادي بين الصين ودول الجوار. الأمر الذي سيحقق وضع معيشي أفضل للصينين الذين يحسون بأن الصينيين في مناطق الساحل أفضل منهم معيشة. ويرتبط هذا المشروع بتحسين أيضاً حياة الناس في المناطق المجاور للصين التي تتخوف الصين من أن ينتشر بها الفكر المتطرف في حال غياب التنمية هناك. كما أن الصين تريد ضمان مصادر الطاقة لها عبر خلق طرق جديدة لنقل الغاز والنفط بعيداً عن الطرق التقليدي عبر الممرات المائية القائمة. فمضيق ملقا الذي يمر منه النفط المستورد للصين هو منطقة سيطرة ونفوذ أمريكي ولا يمكن للصين الاعتماد عليه بشكل كامل، لذلك تسعى الصين عبر الحزام والطريق إلى إيجاد بدائل يمكن ان تعوض الطرق التقليدية. 
 
برنامج الحزام والطريق هو برنامج طموح للغاية، وليس من المبالغ القول بأن مستقبل الصين يعتمد على مدى نجاح هذا البرنامج. فبينما يشهد العالم تراجعاً للنفوذ الأمريكي تبرز الصين لملء هذا التراجع ببرنامج الحزام والطريق الذي سيربط مناطق ودول مختلفة بالصين، وليس من الغرابة أن يُشبه هذا البرنامج بمشروع مارشال الأمريكي الذي نجح في ربط أوروبا بالولايات المتحدة. 
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-01-29 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2016-11-03
2012-05-01
2015-12-01
2015-11-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1367

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره