مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2020-09-03

الخليج بين الصين والهند

عندما تقارن الصين والهند فأنت أمام قوتين كبيرتين بكل معنى الكلمة. كلاهما دولتان صاعدتان اقتصادياً حيث تأتي الصين كثاني أكبر اقتصاد في العالم والهند في المرتبة الخامسة عالمياً. ومن الناحية العسكرية فإن الصين هي ثالث أقوى قوة عسكرية في العالم وتتبعها الهند في المركز الرابع. وكلا الدولتين تتمتعان بقوةٍ بشريةٍ هائلة، ونفوذٍ ثقافي يتعدى حدودهما الجغرافية. ولكن الأخطر من ذلك أن هاتين القوتين على خصومة وعداوة مستمرة منذ عام 1959 عندما حدثت المواجهة المسلحة بسبب الحدود واستضافة الهند للدالاي لاما على أرضها. 
 
 
هذه المسألة ما زالت هي المحرك الأساسي في علاقة البلدين ببعضهما البعض، وتطفوا على السطح بشكل متجدد بين فترة وأخرى كما حدث مؤخراً في شهر يونيو الماضي عندما تواجهت قوات البلدين العسكرية المرابطة على الحدود بينهما في الهملايا.
 
 
لذلك ليس من المستغرب أبداً أن تكون منطقة الخليج العربي ساحة منافسة بين هذين الخصمين. فكلاهما له مصالح استراتيجية قوية في المنطقة وبعضها يرتبط في محاولة إبعاد الطرف الآخر عن إيجاد منطقة نفوذ له هنا، وخاصة الهند التي تعتبر الوجود الصيني في المنطقة هو محاولة لاحتوائها. لكننا كمتابعين للشأن السياسي في المنطقة فإننا نلحظ أن للصين استراتيجية واضحة في منطقة الخليج العربي في حين أن الهند ما زالت تفتقر لهذه الاستراتيجية، وإن وجدت فهي في الغالب ردة فعل لما تقوم به الصين من تحركات في المنطقة ليس أكثر. فالصين استطاعت أن تبني لنفسها استراتيجية الحزام والطريق التي من خلالها وضعت كل امكانياتها من أجل خلق نفوذ اقتصادي وسياسي وربما في المستقبل عسكري لها في المنطقة وما حولها - ولاسيما في سيريلانكا وباكستان وجيبوتي - في حين أن الهند لم تنجح في خلق استراتيجية تعمل من خلالها في منطقة الخليج العربي. 
 
 
استراتيجية الحزام والطريق نجحت في الوصول إلى منطقة الخليج العربي وبقوة عبر المشاريع الاستثمارية الصينية في مجالات النفط والتجارة والبنية التحتية. فليس هناك دولة خليجية ليس بها مشاريع صينية عملاقة في إحدى هذه المجالات، الأمر الذي جعل الصين تُقيم شراكات استراتيجية مع جميع الدول الخليجية. أما عن الهند فتغيب بشكل كامل عن منطقة الخليج العربي باستثناء ميناء جبهار الإيراني والذي طورته الهند بالتعاون مع إيران كمحاولة منها لضرب ميناء جوادر الباكستاني والذي طورته الصين هناك. غير هذا لا نجد الهند تتواجد بشكل استراتيجي في منطقة الخليج العربي، في حين أن التواجد الصيني قوي للغاية ونجح في ربط دول الخليج العربي بالصين. 
 
 
تمتلك الهند من القدرات ما يجهلها أكثر قوة في منطقة الخليج العربي، إلا أنها لا تمتلك الاستراتيجية التي تُحول تلك القدرات لصالحها، وهو ما جعل الصين تنجح بشكل واسع وكبير مستغلة غياب الاستراتيجية الهندية عن المنطقة. وإن كانت الهند قد أدركت هذا الوضع وتحاول الآن مع حكومتها الوطنية الحالية برئاسة ناريندرا مودي إلى فعل شي، إلا أن العمل جاء متأخراً ويحتاج إلى الكثير من الجهد كي يتمكن من مواجهة تزايد النفوذ الصيني في المنطقة. ولعل ما يعطي الصين الأرجحية في هذا التنافس بالإضافة إلى وجود استراتيجية واضحة هو أن الصين لديها المال للاستثمار في هذه الاستراتيجية في حين أن الهند تعاني من وجود السيولة للنجاح في مشروع مماثل. فهذا مشروع ميناء جبهار الهندي-الإيراني يلاقي العديد من الإشكاليات المادية من الجانب الهندي الذي لا يبدو أنه قادر على السير به لتحقيق هدفه المرجو منه. بالإضافة إلى ذلك فإن الصين نجحت في جذب جميع الأطراف في منطقة الخليج العربي لدعم مشروعها.  
 
 
إن سياسة ردة الفعل التي تتبناها الهند في المنطقة في مواجهة النفوذ الصيني لا يمكن أن تنجح في احتواء ذلك النفوذ، فالمطلوب من الهند أن تكون دولة أكثر مبادرة إن أرادت أن تنافس الصين في المنطقة. فالهند لديها من القدرات ولاسيما في مجال القدرات الناعمة ما يمكن أن تنافس وتتفوق من حلالها على الصين في المنطقة، ولكن هذا الأمر يتطلب استراتيجية واضحة تنخرط من خلالها الهند في المنطقة الخليجية وتستثمر من خلالها الهند سياسيا واقتصاديا وعسكريا وثقافيا. إلى ألآن لم نجد سوى الانخراط الهندي الاستراتيجي الجزئي مع إيران ولكن ليس مع دول المنطقة الأخرى، وهو ما قد يثير شبهات عديدة لدى دول المنطقة من الدور الهندي. 
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2020-09-02 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2016-07-13
2013-01-01
2017-06-12
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره