مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2020-02-02

الدولة المتوترة

في دراسة العلاقات الدولية نجد أن الدول تتخذ توجهات مختلفة في علاقتها مع بعضها البعض. والمتتبع والدارس للعلاقات الدولية يعلم جيداً أن هناك مدارس مختلفة تفسر السياسات الخارجية للدول. وفي دراستي لحالة العلاقات الدولية الحظ أن هناك دول يمكن وصفها بأنها دول متوترة، ويمكن ان يُلاحظ ذلك التوتر بالدرجة الأساسية من خلال سياساتها الخارجية.
 
فالتوتر على الصعيد الفردي هي حالة من عدم الطمأنينة والشعور بالقلق مما يحيط بالإنسان من المتغيرات؛ الأمر الذي يؤثر في سلوكه ويجعله يتعامل مع الآخرين بطريقة مختلفة كل الاختلاف عن الشخص غير المتوتر والمطمئن. فالشخص المتوتر يرتاب من الأخرين ويشك في تصرفاتهم، مما يحد من قدرته على التعامل معهم بشكل أكثر تفاعل وتعاون وتبادل مشترك. وهناك دول تحمل ذات الشعور، مما ينعكس بالتالي على سلوكها، وهذا ما يهمني التطرق إليه في هذه المقالة.
 
ما الذي يؤسس للدولة المتوترة؟ في الغالب فإن الدولة المتوترة تحمل فكر يختلف عن الفكر السائد في النطاق الإقليمي الذي تعيش فيه. فمثلاً دولة تحمل فكر ديني مختلف عن الفكر الديني السائد في إقليم ما يجعل مثل هذه الدولة أكثر توتراً باعتبارها تعيش في حالة عدم اطمئنان من نوايا الدول الأخرى التي قد تعمل ضدها وضد فكرها الديني المخالف للفكر الديني السائد لدى دول المنطقة. فدولة شيعية مثل إيران ستحمل دائماً حالة التوتر لأنها تعتقد أن الدول السنية المحيطة بها تعمل ضدها وضد فكرها الديني. لذلك نجد حالة التوتر هذه تلقي بضلالها على سياستها الخارجية لاسيما تجاه محيطها الإقليمي نحو مزيد من السعي لتحقيق ليس فقط التوازن في القوة والتهديد بل والاخلال به لصالحها كي لا تكون هي الطرف الأضعف في المنطقة.

وبالتالي فإن حالة التوتر التي تعيشها إيران باعتبارها دولة متوترة يلقي بضلاله على الحالة العامة للسلوك الإيراني تجاه دول المنطقة. 
 
كما أن شكل النظام السياسي يلعب دوراً أساسياً في تحديد الدولة المتوترة. فالدولة التي تتبع نظام سياسي مخالف للنظام السياسي المعمول به والسائد في دول منطقة معينه تصبح أكثر توتراً من الدول التي تتبع ذات النظام. فالدولة الديمقراطية التي تعيش في بيئة إقليمية غير ديمقراطية تصبح أكثر توتراً من غيرها من دول المنطقة، كما أن الدولة غير الديمقراطية التي تعيش في محيط ديمقراطي تصبح أكثر توتراً خوفاً على نظامها السياسي من تأثير الدول صاحبة النظام السائد. 
 
فالصين مثلاً دولة كبيرة وناجحة ولكنها تخشى دائماً تزايد الديمقراطيات في نطاقها الإقليمي، لذلك نجدها تخشى النموذج الياباني، والكوري الجنوبي، والتايواني، وتعارض الانفتاح الكوري الشمالي وتغير نظامه إلى نظام ديمقراطي. فالصين يمكن اعتبارها دولة متوترة بسبب خشيتها من أية محاولات من شأنها أن تعزز الفكر الليبرالي السياسي في المنطقة. 
 
من جهة أخرى يمكن اعتبار الدول الاستبدادية أكثر توتراً من الدول غير الاستبدادية لأن الحاكم الاستبدادي يعلم جيداً بأنه في حالة قلق مستمر من شعبه الذي لا يوفر لهم الحكم الرشيد الذي من شأنه أن يُحقق الحياة الكريمة لهم. فالحاكم المستبد يحكم بالقوة والفرض والتخويف، الأمر الذي لا يجعل رضا الناس عنه نتاج محبة صادقة بل بسبب الخوف منه. وفي هذه الحالة يضل مثل هذا الحاكم في حالة مستمرة من التوتر خشية من شعبه أو الآخرين من الدول والشعوب التي قد تتعاطف مع شعبه. فالزعيم الكوري الشمالي كم جونغ أون يحكم بالقوة والتخويف وليس بالرضى الشعبي، الأمر الذي يجعله يعيش في حالة توتر تدفعه نحو الاغتيالات والتصفيات للخصوم وغير الخصوم الذين قد يشكلون تحدي له. فكوريا الشمالية في سياستها الداخلية والخارجية تعتمد على التوتر المستمر في صياغة تصرفاتها الداخلية والخارجية. 
 
بالإضافة إلى ذلك فأن الدولة الضعيفة عسكريا تكون هي أيضاً في حالةٍ دائمةٍ من التوتر إذا ما كان في نطاقها الإقليمي دول ذو قوة عسكرية أقوى عنها. فالدول القوية تحب ممارسة الهيمنة في النطاق الإقليمي على جميع الدول الأخرى الأقل قوة منها، مما يجعل الدول الضعيفة عسكرياً تعيش هاجس الخوف من الدول الأقوى عسكرياً ومن نواياها التي لا تمثل مصلحة معبرة عن حال الدولة الضعيفة.
 
عالم اليوم عالم مليئ بالدول المتوترة لأن هناك الكثير من الدول في إقليم معين تحمل فكر مختلف عن الدول الأخرى في الإقليم، ودول تحمل نظم سياسية مختلفة عن بعضها البعض، ودول مستبدة، وأخرى ضعيفة عسكرياً، الأمر الذي يجعل هاجس التوتر والخوف والخشية حاضرة في عقول ونفوس قيادات الدول التي يمكن تصنيفها بأنها دول متوترة. 
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2020-04-30 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2016-07-13
2017-06-12
2014-11-17
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره