مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2019-01-01

الدّبلوماسية الاقتصادية ومناخ الاستثمار

فرضت التحولات الكبرى التي شهدها العالم منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي، اعتماد دبلوماسية أكثر انفتاحا وفعالية، بصورة تعكس استيعاب هذه المتغيرات في أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية.. وتبعا لذلك أضحت الدبلوماسية في عالم اليوم فنّا وعلما، يقوم على التّشاركية والشمولية.. وتجاوز المهام التقليدية إلى تدبير الأزمات وتعزيز السلام العالمي، وجلب الاستثمارات..
 
أسهمت الدينامية التي فرضتها العولمة في تنامي التنافس على الأسواق العالمية، ورغم توجّه العديد من دول العالم إلى اعتماد إصلاحات تدعم انفتاح الاقتصاد وتعزيز الاعتماد المتبادل وإلغاء القيود الجمركية.. إلا هناك الكثير من الإشكالات التي باتت تواجه اقتصاديات دول الجنوب، وتحول دون اندماجها بصورة فاعلة ومتوازنة فـي الاقتصاد العالمي..
 
تقوم العلاقات الدولية في جزء كبير منها على المقوّم الاقتصادي كمحدّد لسلوكيات الدول، وقد تزايدت أهمية البعد الاقتصادي في هذه العلاقات، وهو ما يعكسه تزايد أدور التكتلات الاقتصادية التي أضحت فاعلا دوليا وازنا، تحوّل معها جزء كبير من العالم إلى أقطاب كبرى تتحكم في الأسواق العالمية.
 
ما زالت الكثير من دول الجنوب تسعى إلى إيجاد مكان لها في عالم اليوم المتغير والمتشابك، وهي مهمة محفوفة بالصعوبات والمخاطر، وإذا كان بعض هذه الدول قد استطاعت أن تندمج في منظومة الاقتصاد العالمي الحالي بقدر كبير من اليقظة، ما جعلها تجني الكثير من المكتسبات، في شكل استثمارات ومساعدات.. مكنتها من تطوير أوضاعها الاقتصادية والتنموية، وإعمال إصلاحات هامة تدعم تشجيع مناخ الاستثمار،  وكسب رهانات التنافسية الاقتصادية في أبعادها المختلفة.. فإن الكثير من الدول الأخرى التي ظلت على الهامش عرضة للاستغلال، ما زالت تتفاعل بشكل سلبي مع التطورات الاقتصادية، بدلا من أن تكون طرفا فاعلا ضمنها، إما بسبب عدم اعتماد إصلاحات اقتصادية بنّاءة، أو نتيجة للضغوطات التي تمارسها عليها القوى الاقتصادية الكبرى.. ما جعل الفجوة الاقتصادية تتّسع بشكل كبير بين محوري الشمال وعدد من دول الجنوب. 
 
تقوم العلاقات الدولية على تحقيق المصالح والدفاع عنها عبر مختلف الوسائل والسبل، وتشكّل الدبلوماسية الاقتصادية إحدى أنجع هذه الوسائل وأهمها، وهو ما وعت به الكثير من الدول التي طوّرت هذه الآلية وراهنت عليها في تحقيق الكثير من الأهداف الاستراتيجية..
 
لا تسائل الدبلوماسية الاقتصادية الفاعل الرسمي فقط، بل تعني أيضا مختلف الفاعلين من مقاولات وشركات كبرى ونخب اقتصادية.. فهي قناة تدعم الدبلوماسية الرسمية وتوفّر لها شروط الاشتغال، بل وتدعم تحرّكها بشكل سلس وناعم، فيما يمكن للدبلوماسية الرسمية نفسها أن توفر من جانبها شروط اشتغال وتحرك الفاعل الاقتصادي، وهو ما يبرز تكاملهما (الدبلوماسية الرسمية ونظيرتها الاقتصادية) خدمة للمصالح الحيوية للدول..
 
 أضحى جلب الاستثمارات الخارجية أحد رهانات الدبلوماسية الاقتصادية، سواء بالنسبة لدول الجنوب أو لمثيلتها في الشمال، باعتبارها (الدبلوماسية الاقتصادية) إحدى المداخل الاستراتيجية لدعم جهود التنمية والقضاء على عدد من المعضلات الاجتماعية والاقتصادية وتطوير الاقتصاد الوطني.. وتظلّ مردودية تحرك هذه الدبلوماسية هي المحدّد الأساسي لنجاعتها وقوتها، فكلّما حققت مكتسبات واعدة على هذا الطريق، اعتبرت فعالة وناجحة، وكلما عجزت عن تحقيق هذا الرهان كانت دبلوماسية تقليدية وقاصرة..تقوم الدبلوماسية الاقتصادية في جزء كبير منها على التسويق لفرص الاستثمار في مظاهرها المختلفة بسبل مستحدثة ومتطورة وجاذبة، وعلى البحث عن أسواق جديدة، وتعميق الشراكات الاقتصادية وجعلها أكثر مردودية، كما تنبني أيضا على إعطاء قدر كبير من الدينامية للعضوية في التكتلات الاقتصادية؛ وجعلها في مستوى الانتظارات، التحديات المطروحة..  
 
إن كسب رهان دبلوماسية قادرة على جلب الاستثمار وتعزيز المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للدول، يتطلب الاقتناع أولا بالعلاقة الوطيدة والجدلية بين ما هو سياسي واقتصادي، ذلك أن إعمال إصلاحات تشريعية ومؤسساتية ترّسخ الحوكمة كأسلوب للتدبير في القطاعين العام والخاص هو مدخل لإرساء دبلوماسية اقتصادية ناجعة، فيما يمكن لهذه الأخيرة أن تخدم قضايا سياسية واستراتيجية بالنسبة للدول. كما يتطلب الأمر أيضا قدرا كبير من التشاركية، والتحرك على مختلف الواجهات، سواء في إطار جنوب - شمال أو جنوب – جنوب.. مع الحرص على تطوير العنصر البشري على مستوى التفاوض والمرافعة والتسويق والتخطيط الاستراتيجي.. باعتباره محور هذه الدبلوماسية.
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2019-06-02 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2016-12-04
2014-09-01
2014-03-16
2014-12-20
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره