مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2022-08-02

تداعيات‭ ‬قمة‭ ‬الناتو‭ ‬على‭ ‬الصين

عقدت‭ ‬في‭ ‬مدريد‭ ‬الشهر‭ ‬الماضي‭ ‬قمة‭  ‬حلف‭ ‬الناتو،‭ ‬التي‭ ‬وصفت‭ ‬بالتاريخية‭ ‬لمجموعة‭ ‬من‭ ‬الاعتبارات‭ ‬أهمها‭: ‬أولاً،‭ ‬قبولها‭ ‬انضمام‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬فنلندا‭ ‬والسويد‭ ‬لعضوية‭ ‬الحلف،‭ ‬وهذه‭ ‬الدول‭ ‬تعتبر‭ ‬دول‭ ‬حساسة‭ ‬بالنسبة‭ ‬لروسيا‭ ‬باعتبارها‭ ‬دول‭ ‬محاذية‭ ‬أو‭ ‬قريبة‭ ‬حدوديا‭ ‬لها،‭ ‬وعليه‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬دائماً‭ ‬ما‭ ‬تتبنى‭ ‬سياسة‭ ‬الحيادية‭ ‬في‭ ‬علاقتها‭ ‬مع‭ ‬روسيا‭ ‬والغرب‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لعدم‭ ‬إثارة‭ ‬غضب‭ ‬موسكو‭.‬
 
ولكن‭ ‬اليوم‭ ‬قالتها‭ ‬وبكل‭ ‬صراحة‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬هلسنكي‭ ‬وستوكهولم‭ ‬بأنهما‭ ‬يُنهيان‭ ‬إستراتيجية‭ ‬الحياد‭ ‬لصالح‭ ‬التوجه‭ ‬للتحالف‭ ‬المعلن‭ ‬مع‭ ‬الغرب‭ ‬بالانضمام‭ ‬إلى‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭. ‬بالطبع‭ ‬دخول‭ ‬عضوية‭ ‬الناتو‭ ‬تتطلب‭ ‬مصادقة‭ ‬برلمانات‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء،‭ ‬وبالتالي‭ ‬لربما‭ ‬تأخذ‭ ‬بعضاً‭ ‬من‭ ‬الوقت،‭ ‬ولكن‭ ‬الأهم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬أعلنت‭ ‬رغبتها‭ ‬الانضمام‭ ‬وحلف‭ ‬الناتو‭ ‬وافق‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬فنحن‭ ‬الآن‭ ‬أمام‭ ‬مسألة‭ ‬وقت‭ ‬لا‭ ‬أكثر‭ ‬لتنضم‭ ‬هاتين‭ ‬الدولتين‭ ‬إلى‭ ‬الثلاثين‭ ‬دولة‭ ‬أخرى‭ ‬أعضاء‭ ‬في‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭. ‬ثانياً،‭ ‬موافقة‭ ‬دول‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬على‭ ‬تقوية‭ ‬دفاعاتها‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬شرق‭ ‬أوروبا‭ ‬ورفع‭ ‬قدراتها‭ ‬العسكرية‭ ‬وتشكيل‭ ‬قوة‭ ‬تدخل‭ ‬سريع‭ ‬يتم‭ ‬تدريبها‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬تكون‭ ‬مهمتها‭ ‬الاستعداد‭ ‬للذهاب‭ ‬بشكل‭ ‬سريع‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬دول‭ ‬الحلف‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الخطر،‭ ‬ورفع‭ ‬عدد‭ ‬تلك‭ ‬القوات‭ ‬من‭ ‬أربعين‭ ‬ألف‭ ‬جندي‭ ‬إلى‭ ‬ثلاثمائة‭ ‬ألف‭ ‬جندي‭. ‬

وثالثا،‭ ‬تغيير‭ ‬النظرة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬للناتو‭ ‬وتبني‭ ‬مفهوم‭ ‬جديد‭ ‬مختلف‭ ‬عن‭ ‬السابق‭ ‬يضع‭ ‬روسيا‭ ‬ليست‭ ‬كشريك‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬التوجه‭ ‬سابقاً‭ ‬بل‭ ‬غدت‭ ‬روسيا‭ ‬اليوم‭ ‬التهديد‭ ‬المباشر‭ ‬للحلف،‭ ‬فالحلف‭ ‬يعلنها‭ ‬صراحةً‭ ‬بهذا‭ ‬التصنيف‭ ‬الجديد‭ ‬لروسيا‭ ‬بأنها‭ ‬هي‭ ‬عدوه‭ ‬المباشر‭ . ‬ورابعاً،‭ ‬أن‭ ‬توجه‭ ‬الناتو‭ ‬أضاف‭ ‬ولأول‭ ‬مرة‭ ‬ذكر‭ ‬الصين‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬نظرته‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الجديدة،‭ ‬والتي‭ ‬اعتبرت‭ ‬الصين‭ ‬بأنها‭ ‬من‭ ‬أولويات‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬للعشر‭ ‬السنوات‭ ‬القادمة‭ ‬باعتبارها‭ ‬دولة‭ ‬متحدية‭ ‬لقيم‭ ‬الناتو‭ ‬ومصالحه‭ ‬‭.   ‬
 
هذه‭ ‬كلها‭ ‬تطورات‭ ‬محورية‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬القمة‭ ‬تاريخية‭ ‬بكل‭ ‬معنى‭ ‬الكلمة،‭ ‬وفي‭ ‬اعتقادنا‭ ‬أن‭ ‬ضم‭ ‬الصين‭ ‬إلى‭ ‬قائمة‭ ‬أولويات‭ ‬الحلف‭ ‬هو‭ ‬تطور‭ ‬بارز،‭ ‬حيث‭ ‬أن‭ ‬الحلف‭ ‬يعلنها‭ ‬صراحة‭ ‬بأن‭ ‬اهتمامه‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬مرتكز‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬أوروبا‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬التفويض‭ ‬الأصلي‭ ‬لنشأة‭ ‬الحلف،‭ ‬ولكنه‭ ‬يتجه‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬آسيا‭ ‬وبالأخص‭ ‬لاحتواء‭ ‬وربما‭ ‬مواجهة‭ ‬التحدي‭ ‬الصيني‭ ‬للقيم‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬شرق‭ ‬أسيا‭ ‬بالذات‭. ‬لماذا‭ ‬الصين؟‭ ‬لأنها‭ ‬وبكل‭ ‬بساطة‭ ‬هي‭ ‬الدولة‭ ‬صاحبة‭ ‬الطموح‭ ‬والإمكانيات‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬القيم‭ ‬الغربية‭ ‬والنظام‭ ‬الدولي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الأسس‭ ‬الغربية،‭ ‬وليست‭ ‬روسيا‭. ‬‭ ‬
 
ويضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬أيضاً‭ ‬إدراك‭ ‬الحلف‭ ‬بأن‭ ‬قوة‭ ‬روسيا‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬إثارة‭ ‬التهديدات‭ ‬لدول‭ ‬أوروبا‭ ‬إنما‭ ‬مرده‭ ‬العلاقة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬القوية‭ ‬القائمة‭ ‬بين‭ ‬روسيا‭ ‬والصين‭. ‬فروسيا‭ ‬تُعول‭ ‬كثيراً‭ ‬على‭ ‬الدعم‭ ‬السياسي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬لروسيا‭ ‬وطموحاتها‭ ‬لمنع‭ ‬هيمنة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬المنفردة‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭. ‬ولعل‭ ‬هذا‭ ‬العامل‭ ‬هو‭ ‬المشترك‭ ‬بين‭ ‬القوتين،‭ ‬كما‭ ‬تراه‭ ‬دول‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬وبالأخص‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬التي‭ ‬تدرك‭ ‬بأن‭ ‬كلاً‭ ‬من‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا‭ ‬تربطهما‭ ‬علاقات‭ ‬استراتيجية‭ ‬مردها‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬منع‭ ‬سيطرة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وفرض‭ ‬هيمنتها‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭. ‬وكلا‭ ‬الدولتان‭ ‬تعملان‭ ‬على‭ ‬اتباع‭ ‬استراتيجيات‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬تقويض‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬مفاصل‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬هي‭ ‬القوة‭ ‬الوحيدة‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬منع‭ ‬طموحات‭ ‬هاتين‭ ‬الدولتين‭ ‬للوصل‭ ‬إلى‭ ‬القيادة‭ ‬العالمية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬فرض‭ ‬أجندتهم‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‭. ‬
 
وبالتالي‭ ‬عندما‭ ‬يأتي‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬ويعلنها‭ ‬صراحة‭ ‬بأن‭ ‬الصين‭ ‬أصبحت‭ ‬على‭ ‬أجندة‭ ‬اهتماماته‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬سيقابله‭ ‬إجراءات‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬معين‭ ‬يقوم‭ ‬بها‭ ‬الحلف‭ ‬ولا‭ ‬تحبذها‭ ‬الصين‭ ‬مثل‭ ‬دعم‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬لدول‭ ‬مجاورة‭ ‬للصين‭ ‬ولربما‭ ‬تقوية‭ ‬التعاون‭ ‬بين‭ ‬الحلف‭ ‬وتلك‭ ‬الدول،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تفضل‭ ‬الهيمنة‭ ‬الصينية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬أسيا‭ ‬كالهند‭ ‬واليابان‭ ‬وأستراليا‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬وبالطبع‭ ‬تايوان‭ - ‬النقطة‭ ‬الأكثر‭ ‬خطورة‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬الصين‭ ‬مع‭ ‬الغرب‭. ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬ستخلق‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التوتر‭ ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬تشهدها‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬ولاسيما‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬نستبعد‭ ‬أن‭ ‬تُلقي‭ ‬حالة‭ ‬التوتر‭ ‬تلك‭ ‬بضلالها‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬جوانب‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬للدول‭ ‬المتنافسة‭. ‬
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2022-08-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2014-11-02
2013-07-01
2014-11-03
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره