مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2018-02-01

كلمة حق في علماء السياسة

علم السياسة هو العلم المسئول عن دراسة كيفية إدارة الدول. وبما أن هذه العملية لا ترتبط ببعد واحد، فإن علم السياسة هو علم يرتبط بمعظم العلوم الأخرى. فعلم السياسة هو علم إدارة التفاعلات داخل إقليم معين لتنظيم علاقة الناس بطريقة تحقق المصلحة العامة. والدول لا يمكن أن تتجاهل رأي السياسيين وإلا ستُدخل نفسها في متاهات لا أول لها ولا آخر. فلا يكفي للدولة أن تعتمد على الاقتصادين في التخطيط لاقتصادها، ولا للعسكر للتخطيط لأمنها، بل بحاجة إلى أن يكون هناك دوراً للسياسيين أيضاً في هذه المعادلة، ومن المفترض أن يكون السياسي متواجد في كل الحالات.
 
فالحقيقة هي أن كلاً من الاقتصادي والعسكري صاحب تفكير مقيد باختصاص كل واحد منهم، فالأول يريد تحقيق الربح المادي والثاني يريد الانتصار في المعركة، وبالتالي لا هذا ولا ذاك قادر إلى أن يصل إلى تحقيق المصلحة الوطنية العليا للدولة، وعليه لابد من أن يؤخذ برأي السياسي. فالسياسي لا يُقيد تفكيره بالربح المادي ولا بالانتصار في المعركة. 
 
وإنما يسعى إلى أن يحقق الربح المجتمعي الذي يستفيد من خلاله المجتمع بكل فئاته، فنظرته شمولية، فالربح لديه ليس فقط اقتصادي وإنما ربح سياسي يشمل كافة الأبعاد التي من شأنها أن تفيد المجتمع ومبادئه وقيمة الرئيسية. والانتصار بالنسبة للسياسي ليس الانتصار في المعركة وإنما الانتصار في الحرب. فالمعركة نطاق ضيق، والتفكير من خلالها يجعل الهدف المرجو تحقيقه أيضاً ضيق ولا يلبي المصلحة الدائمة، وأما الحرب فهي نطاق أوسع تتطلب ليس فقط دراسة العدو والانتصار عليه عسكرياً بل أيضاً مواجهته فكرياً وسياسياً بحيث لا يكون له مكان يستطيع أن يتوغل من خلاله، فعند السياسي الحرب يمكن الانتصار بها ليس بالمواجهة فقط بل بالانخراط أيضاً.
 
ونستطيع القول بأن معظم الإشكاليات التي تحدث في عالم اليوم سببها الرئيس خروج السياسيين من نطاق المشورة عن قصد أو غير قصد، والاعتماد على من يُسمون بالتكنوقراط في إدارة الدول. الدول ليست شركات خاصة تسعى إلى الربح في مجال معين، وإنما هي مؤسسات عامة تشمل كل الأبعاد الحياتية. فلا يمكن لشخص ناجح في إدارة شركة معينة أن يكون ناجحاً في إدارة دولة أو في تقديم المشورة السياسية لها، لأنه لا يمكن أن تدار الدولة بمنطق الشركة أو المؤسسة التجارية. 
 
ولعل الناظر اليوم إلى حالة الولايات المتحدة على سبيل المثال يلحظ جلياً مثل هذه الحالة السلبية. فالرئيس دونالد ترامب ليس رجل سياسي ولم يكن كذلك وإنما هو رجل أعمال وتاجر ناجح، وعندما وصل إلى الحكم أراد أن يدير البلد من منطق ترمب رجل الأعمال والتجارة وليس ترمب السياسي. وهذا سبب رئيس في الإخفاقات الكثيرة التي تواجه الولايات المتحدة اليوم. وليست الإشكالية في ألا يكون رئيس دولة ما رجل سياسي، ولكن الإشكالية هي عندما يُهمش السياسيين ويُعتمد على غير السياسيين في المشورة والتخطيط لإدارة البلد وفق وجود قناعة بأنهم هم أصحاب الرأي السديد. 
 
لذلك تجد الولايات المتحدة اليوم منقسمة على نفسها داخلياً بشكل حاد وكبير، وكذلك تجد العالم من حولنا منقسم أيضاً على نفسه، ولذلك نجد العديد من الأفكار المتشددة بدأت تبرز على الساحة متحدية كل ما هو قائم.
 
وأياً ما كانت الدولة فإن السياسيين لابد أن يكونوا حاضرين في المساعدة في وضع السياسات. فالسياسي هو الطرف الأكثر فهماً لتعقيدات الأمور والأبعاد المختلفة، وأقدر على ربط تلك الأبعاد والتعقيدات ببعضها البعض من غير السياسي أو من يُسمى بالتكنوقراط. فالدول الناجحة تضع سياسات وليس قرارات. والفرق بينهما في علم السياسة هو أن وضع السياسة تتطلب المشورة والأخذ والعطا والنظر إلى الموضوع من كل الجوانب لمعرفة الإيجابيات واستثمارها والسلبيات وتجنبها.
 
وهذا الأمر يختلف عن وضع القانون الذي قد لا يراعي كل ذلك، ويمكن أن يتخذ وفق مشورة ضيقة لا تُعبر عن الحالة العامة القائمة في الدولة. فالسياسي هو ألأقدر على المساعدة في وضع السياسات، وهذا الأمر بالتالي يتطلب من أن يكون السياسي حاضر وبقوة في مساعدة الحكومة على إدارة الدول لتحقيق الأهداف المرجوة والناجحة وبعيداً عن التداعيات السلبية التي يمكن أن تبرز من جراء الاعتماد على غير السياسي في قراءة الأحداث. فالمنطق في علم السياسة يقول عليك دائماً أخذ مشورة عالم السياسة عما يحدث في العالم الداخلي للدول أو الخارجي بين الدول، لأنه هو الوحيد القادر على ربط الأمور ببعضها البعض، فهو الذي يدرس القضايا السياسية ويؤطرها في نطاق نظري يجعلها أكثر ثباتاً في التفسير والاقناع، وهذا مالا يستطيع فعله التكنوقراط الذي يضيق نطاق اهتمام تفكيره في عمله المتخصص به. 
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-09-06 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2012-05-01
2016-11-03
2015-12-01
2015-11-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1484

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره