مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2018-07-01

الامارات وروسيا.... الشراكة الاستراتيجية

إطار مؤسسي داعم لتطور العلاقات الثنائية
 
يمثل إعلان الشراكة الاستراتيجية، الذي تم توقيعه خلال زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، خلال شهر يونيو 2018 إلى روسيا، نقلة نوعية مهمة وترجمة واقعية للتطور الحاصل في العلاقات الثنائية بين البلدين في مختلف المجالات، كما يعكس توجهاً نحو تعزيز هذه العلاقات على المدى البعيد. وفي هذا الملف تسلط «درع الوطن» الضوء على هذا التطور المهم في علاقات البلدين وأبعاده ودلالاته الاستراتيجية.
 
اعتادت الأدبيات السياسية وصف العلاقات المتنامية بين دولة الامارات العربية المتحدة وجمهورية روسيا الاتحادية بعلاقات صداقة تربط بين بلدين وشعبين صديقين، حتى كان موعد توقيع إعلان الشراكة الاستراتيجية بين الدولتين في الأول من يونيو عام 2018، خلال زيارة مهمة قام بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة إلى موسكو، حيث التقى الرئيس فلاديمير بوتين، ووقعا هذا الإعلان التاريخي، الذي يؤسس لمرحلة جديدة في علاقات البلدين.
 
مفهوم «الشراكة الاستراتيجية»
في سياق التحولات المتسارعة التي طرأت على العلاقات الدولية في مرحلة مابعد الحرب الباردة وانهيار ماكان يعرف بالاتحاد السوفيتي، وبروز العولمة بما أنتجته من روابط ومجالات وهوامش جديدة تتحرك فيها العلاقات الدولية، برز مفهوم الشراكة الاستراتيجية كإطار ناظم للعلاقات بين الدول في العقدين الأخيرين من القرن العشرين وآلية من آليات تنظيم العلاقات بين طرفين أو أكثر والارتقاء بها وتوفير سبل تطورها، وهي تعكس درجة عالية من التفاهم السياسي والتوافق العام تجاه القضايا الدولية والإقليمية، إنها مرحلة أقل من «حليف» ولكنها أكبر من ««صديق» وهي ليست تعبيراً قانونياً بمقدار ما لها من مدلول سياسي، بحسب ما يرى علماء السياسة.
 
مفاهيمياً، فإن الشراكة تعني جميع أنماط التعاون بين دول ومؤسسات أو منظمات من دون نطاق زمني أو لمدة معينة بهدف الاستفادة من مقدرات الطرفين بما يعزز مقدرتهما معاً على تحقيق الأهداف الاستراتيجية لكل منهما. ومفهوم الشراكة بهذا الشكل قد يشمل أو لا يشمل التحالف الاستراتيجي، لكن ينبغي أن نفرق بين التحالف والاندماج والاقتناء والشراكة، فالاندماج هو زوال كيانات (دول او مؤسسات أو شركات) وميلاد دولة أو كيان أو شركة أو وحدة أو مؤسسة جديدة، أما في التحالف والشراكة فتحافظ الأطراف المعنية على استقلاليتها من حيث الأهداف والمصالح الخاصة، وتبقى سمة خاصة للشراكة الاستراتيجية بين الدول والوحدات والهيئات السياسية والأمنية والعسكرية في أنها تمتلك المقدرة على أن تقيم علاقات شراكة استراتيجية أخرى مع أطراف آخرين لتحقيق أهدافها، وقد تكون هذه السمة او الخاصية غير متاحة على مستوى الشركات وبعض الوحدات الأخرى.
 
وتعني صيغة الشراكة الاستراتيجية بالدرجة الأولى التزام الطرفين بمستوى علاقات يفوق العلاقات التقليدية أو الطبيعية السائدة بين الدولة، والارتقاء من مستوى التعاون والصداقة إلى صيغة أعمق وأكثر ارتباطاً وتفاعلاً، وبالتالي فهو يعد صيغة مرنة بين العلاقات التقليدية وأطر التحالف الاستراتيجية التي تربط بعض الدول ببعضها، ولاسيما في المجال العسكري. وتنبع أهمية صيغ الشراكة الاستراتيجية من كونها إطار رسمي مؤسسي يتسم بقدر عال من المرونة ويعبر عن الإرادة السياسية للأطراف الموقعة عليه، ويشمل مجالات محددة ويرتكز على آليات تنفيذية مثل اللقاءات الثنائية والزيارات المتبادلة واللجان المشتركة، وغير ذلك من آليات يتم من خلالها تفعيل صيغة الشراكة وتطويرها في المجالات المتفق عليها، وما يستجد من مجالات يتم التوافق بشأنها بين الشركاء الاستراتيجيين. 
 
ويكتسب هذا المفهوم أهميته من كونه عابر للنطاقات الضيقة للتحالفات التقليدية، التي كانت تتم عادة في مجالات أمنية وعسكرية وسياسية، ليشمل، بل ويركز على تنمية التعاون وتقويته في المجالات الاقتصادية والاستثمارية التي يمكن للطرفين أو الأطراف الموقعة على صيغة الشراكة الاستفادة المشتركة منها، لاسيما أن هذه الصيغة تكتسب قوتها أيضاً من كونها تمتلك قدراً عالياً من الديناميكية والمرونة التي توسع هوامش الحركة أمام أطرافها، باعتبار أن الشراكة الاستراتيجية هي صيغ وسط بين التعاون والروابط والتحالفات والهياكل التعاونية الدائمة، فضلاً عن تمايزها عن علاقات المصالح التكتيكية المرهونة بأمدية زمنية محددة؛ فالشراكة الاستراتيجية ثابتة ولكنها تتسم بالمرونة والتطوير والتغير ومواكبة المستجدات من الظروف والمعطيات والآليات بما يعزز فاعليتها ويضمن تحقيق أهدافها الأساسية.
 
ومن المتعارف عليه أن صيغ الشراكة الاستراتيجية لا تستثني أي من مجالات التعاون بين الأطراف الموقعة عليها طالما اتفقت هذه الأطراف على الأسس والمبادئ الجوهرية، وبالتالي فهي تشمل مبدئياً مختلف مستويات التعاون المشتركة وكذلك مختلف قطاعات العمل والاقتصاد والتنمية والاستثمار، وكل ما من شأنه تحقيق المصالح الوطنية للطرفين أو الأطراف الموقعة على صيغة الشراكة الاستراتيجية.
 
وقد  استخدمت الأمم المتحدة مفهوم “الشراكة” للمرة الأولى في مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (اونكتاد ـ تأسست عام 1964، وهي الهيئة الرئيسية التابعة لجهاز الأمانة العامة لهيئة الأمم المتحدة، في مجال التجارة والتنمية) نهاية الثمانينات، وبمرو الوقت برزت صيغة «الشراكة الاستراتيجية» كإحدى الأطر الناظمة للعلاقات الدولية في العصر الحديث، وشكل من أشكال علاقات التعاون بين الدول.
 
 وقد برزت صيغة الشراكة الاستراتيجية في نهايات القرن العشرين بين الدول الكبرى، كما أنتجت هذه الصيغة المبتكرة روابط مهمة لعلاقات فاعلة بين الدول والمنظمات الدولية، أو بين الدول والشركات عابرة القارات، بما يعكس مواكبتها لمستجدات الواقع العالمي، واسهامها في بلورة صيغ شراكات غير تقليدية، ومن هذه النماذج المبتكرة يمكن رصد علاقات الشراكة الاستراتيجية التي أقامها الاتحاد الأوروبي مع العديد من الدول في مختلف أرجاء العالم، وكذلك صيغ الشراكة الاستراتيجية التي صاغها حلف شمال الأطلسي (ناتو) مع العديد من دول العالم، التي يرى فيها الحلف تناغماً مع أهدافه وقواسم مشتركة تحقق مصالح وأهداف الطرفين معاًن وكذلك التي وقعها الحلف مع منظمات دولية وهياكل مؤسسية جماعية أخرى مثل الاتحاد الأوروبي عام 2010، وتوجهه نحو بلورة صيغة تعاون مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية عبر «مبادرة إسطنبول للتعاون»، التي اطلقت عام 2004، كأساس للتعاون بين الحلف ودول مجلس التعاون، وتضم في عضويتها أربع شركاء للحلف من دول المجلس (دولة الامارات، الكويت، مملكة البحرين، قطر). 
 
وهناك ايضاً شراكات استراتيجية بين اتحادات قارية وبين منظمات دولية ومناطق جغرافية، مثلما عليه الحال بين الاتحاد الأوروبي وافريقيا، وكذلك شراكات استراتيجية بين القارات مثل الشراكة بين آسيا وأفريقيا (NAASP). وتعتبر الصين من الدول الأكثر استفادة من صيغ الشراكة الاستراتيجية في تطوير علاقاتها وتعاملاتها مع دول العالم وهيئاته ومنظماته، حيث تمتلك أكثر من 50 شريكاً استراتيجياً من مختلف دول العالم، تليها روسيا بنحو 30 شريكاً، والولايات المتحدة مع 24 شريكاً استراتيجياً. فضلاً عن أن واشنطن قد طورت صيغ مبتكرة للعلاقات الدولية مثل العلاقات الخاصة، وهي تلك المطبقة في العلاقات الأمريكية مع كل من المملكة المتحدة وإسرائيل. ووقعت فرنسا علاقات شراكة استراتيجية مع 13 شريكاً، والهند وبريطانيا مع 12 من الشركاء الاستراتيجيين لكل منهما، بينما يمتلك الاتحاد الأوروبي علاقات شراكة استراتيجية مع 10 شركاء، وألمانيا واندونيسيا مع تسعة شركاء لكل منهما، وبولندا مع ست شركاء استراتيجيين.
 
وتتسم صيغ الشراكة الاستراتيجية أيضاً، بما تمتلك من مرونةـ بقدرتها على بناء علاقات تعاون مصالحية بين المتنافسين من الدول سواء على النفوذ أو على المصالح، مثل الصين وروسيا، والصين واليابان، والصين والهند.
 
ويمكن تصنيف الشراكات الاستراتيجية إلى مستويات مختلفة، تستند بشكل أساسي إلى مدى التعاون والثقة المتبادلة. أعلى مستوى هو شراكة استراتيجية شاملة أو شراكة تعاونية استراتيجية شاملة، تشمل طرفين أو أكثر من الأطراف التي تقرر ربط مصالحها معاً على المدى الطويل، ودعم بعضها البعض وتعزيز تعاونها الشامل والعميق في جميع القطاعات لتحقيق المنافع المتبادلة، وفي الوقت نفسه، تبني الثقة المتبادلة على المستوى الاستراتيجي. 
 
مستوى أقل من الشراكة الاستراتيجية يستهدف قطاع ضيق أو لغرض محدد سواء بهدف أو بإطار زمني، على سبيل المثال، الشراكات الاستراتيجية من أجل السلام أو من أجل التعاون والتنمية، إلخ، وهي شراكات تتوالد وتتكاثر في العلاقات الدولية بشكل ملحوظ.
 
ثمة مستوى آخر للشراكة الاستراتيجية هو الشراكة الشاملة، ويستهدف عدد محدد من مجالات العلاقات بين الأطراف المعنية للاستفادة مما وصلت إليه العلاقات في المجالات المحددة من مستوى استراتيجي، ولا يشمل مختلف أوجه التعاون، لأسباب مختلفة قد تتعلق بالتنافس أو تضارب المصالح أو بانتظار نضج الثقة المتبادلة بحيث تصبح كافية لبناء صيغة شراكة استراتيجية أشمل للعلاقات، أو لأن وقت شراكتهما الاستراتيجية لم يحن بعد من وجهة نظر طرف واحد أو الطرفين معاً، ومن ثم تختار الأطراف المعنية أن تبني إطار شراكة شاملة مع التأكيد على أنها تستهدف تعزيز التعاون والثقة المتبادلة وتتطلع إلى المستقبل. 
 
كما تصنف بعض الدول الشراكات إلى شراكة أساسية، وشراكة مهمة، وشراكة رئيسية، وشراكة طبيعية، وغيرها. وبشكل عام فإن صيغ الشراكة الاستراتيجية تحقق فوائد حيوية عدة للدول والمنظمات أهمها:
ضمان تطور العلاقات واستقرارها وثباتها من خلال وجود أطر مؤسسية ثنائية فاعلة قادرة على التواصل وتجاوز أي إشكاليات عارضة أو طارئة قد تعرق مسار التعاون.
ضمان ثبات السياسة الخارجية للدول بما ينعكس في مقدرتها على التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى لتحقيق الأهداف التنمية المستدامة، ولاسيما في مجالات التجارة والاقتصاد والاستثمارات.
الارتقاء بعلاقات الدول مع نظرائها من دول العالم وضمان التعددية والتنويع والتكامل واستقلالية القرار وتفادي عوامل الضغط الناجمة عن السياسات الأحادية، وتعزيز الانتشار والتأثير والنفوذ والمكانة الدولية.
 
 دعم دور الدولة ومكانتها في الحوار حول إشكاليات وقضايا التعاون الدولي ومشروعاته وآلياته، وكذلك تعزيز مقدرتها على التأثير في صناعة القرار الدولي الخاص بالتجارة والاقتصاد وغير ذلك.
 الإسراع بفرص التطوير التقني والعلمي ونقل التكنولوجيا وتوطينها عبر التعاون المكثف مع الشركاء الاستراتيجيين للدول في المجالات والقطاعات المعنية.
 
تتسم الشراكة الاستراتيجية بكونها تحتفظ للأطراف الموقعة عليها بخصائص عدة منها الندية والاحترام المتبادل والفهم العميق من جانب كل طرف لخيارات وأهداف الطرف الاخر، والمرونة والاعتراف بالمصالح العليا للدول وعلاقات التكافؤ مع الشركاء الاستراتيجيين، والتوجه نحو ضمان تحقيق الأهداف المشتركة بما لا يخل بالأهداف الذاتية لكل طرف، بل وزيادة فرص تحقق هذه الأهداف، والحصول على مزايا تفضيلية في العلاقات لاسيما في المجالات التجارية والاستثمارية، والسيطرة على المخاطر في هذه المجالات أو المشاركة في تحملها.
 
الرؤية الاستراتيجية الروسية في منطقة الخليج العربي
هناك رغبة روسية متنامية في تعزيز نفوذها في الشرق الأوسط عامة وفي منطقة الخليج العربي بصفة خاصة، وهي رغبة تنعكس من خلال الدور الروسي في سوريا، وهو دور لا يأتي من زاوية استعادة مناطق النفوذ التقليدية القديمة فقط، بل يأتي في إطار مكانة سوريا ضمن حسابات الأمن القومي الروسي، وفي إطار إعادة تشكيل التوجهات الروسية في المنطقة، وفقًا لمقاربة الجغرافيا السياسية للطاقة ودبلوماسية الطاقة التي من شأنها تعزيز مصالح روسيا الإقليمية والدولية، ودورها العالمي، وقد اعتمدت الاستراتيجية الروسية في المنطقة على بناء تحالفات مع دول مثل إيران ومحاولة جذب دول حليفة تقليدياً للولايات المتحدة مثل تركيا، بل إن روسيا باتت تطمح إلى جذب أوروبا نفسها للدوران بعيداً عن فلك النفوذ الأمريكي، حيث عرض الرئيس بوتين على نظيره الفرنسي ماكرون توفير الحماية لأوروبا التي تخشى سحب تعهدات الأمن الأمريكي. 
 
من هنا تبدو أهمية بناء شراكة استراتيجية مع قوة دولية فاعلة لضمان تحقق مصالح دولة الامارات والدول الخليجية والعربية وعدم ترك الساحة فارغة لقوى مناوئة للانفراد بالتعاون الاستراتيجي مع روسيا، لاسيما أن روسيا مهتمة بالتعاون مع دول مجلس التعاون وتسعى بقوة إلى بناء شبكة علاقات استراتيجية قوية مع الامارات والسعودية وغيرهما من دول المجلس. حيث تدرك روسيا أن بناء هذه العلاقات سيعزز مكانة الدور الروسي في المعادلات الإقليمية للمنطقة العربية وجوارها الجغرافي.
 
منطقة الخليج العربي بشكل عام هي منطقة اهتمام حيوية من وجهة نظر صانعي السياسة الخارجية الروسية، ولاسيما فيما يتعلق بأسواق الطاقة العالمية، ولذا نلحظ أن روسيا تقدم نفسها في المنطقة كوسيط سلام والتسويق لمشروعها الخاص بنزع السلاح النووي وخفض سباقات التسلح التقليدي وتوفير الأمن والاستقرار في منطقة الخليج العربي، والأرجح أن بناء علاقات استراتيجية بين دول مجلس التعاون وروسيا سيضمن دفع موسكو إلى بناء حالة توازن في علاقاتها عبر ضفتي الخليج العربي، بما ينسحب سلباً على الدور والنفوذ الإيراني الذي يراهن بشكل كبير على الدعم والتعاون الروسي مع طهران. وهناك آلية قائمة بالفعل للتعاون تتمثل في الحوار الروسي الخليجي الذي يعقد سنوياً.
 
تتمثل جاذبية الاماراتي الراهن حيال روسيا في كونه لا يعتمد بالدرجة الأولى على شراء الأسلحة وعقد صفقات تكتيكية محدودة المدى والتأثير، بل يرتكز على بناء شبكة مصالح استراتيجية ممتدة ترفد العلاقات الإماراتية الروسية بعوامل الاستمرار وتوفر لها المنعة والحصانة في مواجهة أي ضغوط او اهتزازات، ومن هنا تبرز أهمية التنوع العريض في مجالات التعاون وقطاعاته عبر الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.
 
يكتسب التطور الخاص بإعادة ترسيم أطر العلاقات الثنائية مع روسيا وتحقيق هذه النقلة النوعية أهميته كذلك في ضوء التوقيت، الذي يضفي على هذا التطور أهمية إضافية، حيث يتزامن مع تحولات تاريخية كبيرة تشهدها منطقة الشرق الأوسط، لاسيما فيما يتعلق بتغير الرؤية الاستراتيجية الأمريكية تجاه الملف النووي الإيراني، وانسحاب إدارة الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق الموقع بين إيران ومجموعة “5+1”، وما يعنيه ذلك بالنسبة للدور الإيراني ورغبة الولايات المتحدة، باعتبارها القوة العظمي المهيمنة على مفاصل النظام العالمي الراهن ـ في الحد من انتهاكات إيران واختراقاتها للقانون الدولي، واستمرارها في تجاربها الصاروخية وتدخلاتها في العديد من دول الجوار العربية، بما تسبب في نشر الفوضى والاضطرابات في المنطقة بشكل عام.  وهنا يبدو الحوار مع روسيا في غاية الأهمية ليس لكونها حليفاً لإيران، كما تشيع طهران دائماً، ولكن لأنها قوة كبرى مسؤولة عن الأمن والاستقرار العالمي ومن مصلحتها بلورة رؤية واضحة حول امن المنطقة، لاسيما أن روسيا لها مصالح متنامية مع دول المنطقة جميعها وليس مع إيران فقط، بل إن مصالحها مع دول مجلس التعاون تفوق المصالح الروسية مع إيران بمراحل. 
 
ومن المؤكد أن مجمل هذه الحسابات تبدو حاضرة في قرارات الكرملين، الذي لا يريد المجازفة بعلاقاته مع الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون إسرائيل وغيرها من أجل إرضاء إيران، التي تمتلك مشروعاً توسعياً في سوريا يختلف تماماً، بل ويتعارض مع الأهداف والدوافع الروسية للتواجد في سوريا، حتى أن بعض المراقبين الغربيين أطلقوا على تعاون الجانبين في سوريا مصطلح “زواج المصلحة”، أي أنه تعاون مرحلي تكتيكي قابل للانتهاء بمجرد تحقق أهدافه قصيرة المدى حيث سرعان ماسيطفو على الطفح تضارب الأهداف والمصالح الإيرانية والروسية في سوريا، وهذا ما يحدث الآن تحديداً ويتجلى في الاتفاق على إخلاء منطقة جنوب سوريا من الميلشيات الإيرانية.
 
وثمة جزئية أخرى تتعلق بأن روسيا تدرك تماماً أنها تتعامل مع واقع استراتيجي مغاير لما سبق، وأن هناك أدوار وقوى عربية باتت تمتلك زمام القرار، وفي هذا الإطار يبرز دور التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية وبدعم قوي من دولة الامارات العربية المتحدة، في الدفاع عن ثوابت الأمن القومي العربي وبناء توازنات القوى الجديدة في المنطقة، عبر القوتين الناعمة والخشنة. كما تدرك روسيا أن هناك شبكة متعاظمة من المصالح تربطها بالسعودية والامارات تحديداً، لاسيما على صعيد استقرار أسواق النفط العالمية، التي تمتلك تأثيراً هائلاً على الاقتصاد الروسي، حيث أثمر التعاون الروسي مع أبرز الدول المنتجة للنفط في منظمة “أوبك” خلال الفترة الأخيرة في استعادة استقرار الأسواق، ولا شك أنه من الضروري استمرار هذه المصالح الاستراتيجية الضامنة لاستقرار الاقتصاد الروسي، ومن ثم تحقيق تطلعات القيادة الروسية في بناء توازن عالمي تستعيد فيه روسيا مكانتها وهيبتها.
 
امتلك ماكان يعرف بالاتحاد السوفيتي السابق بعلاقات استراتيجية قوية مع بعض دول المنطقة العربية مثل العراق واليمن وسوريا وبدرجة أقل وفي مرحلة تاريخية معينة مصر، وتسعى روسيا، باعتبارها وريثة الاتحاد السوفيتي، استدعاء هذه العلاقات وتقويتها من خلال مواثيق وتفاهمات واتفاقات استراتيجية تتماشى مع التغيرات الحاصلة في العلاقات الدولية من ناحية، وما طرأ على هذه الدول من تحولات في التوجهات الاستراتيجية وعلى مستوى الهياكل القيادية وغيرها، ولاشك أن اختفاء البعد الأيديولوجي عن السياسة الخارجية الروسية لمصلحة إعلاء الواقعية والمصالح الاستراتيجية، يسهم بشكل قوي في جلب حلفاء وأصدقاء جدد لروسيا،  لاسيما أن روسيا لاعب يمتلك ثقلاً متزايداً على الساحة الدولية، واثبت مقدرته على التمايز عن بقية القوى الكبرى في بناء علاقات مختلفة مع الدول الصديقة، ونشير في هذا الإطار إلى أن الاستراتيجية الروسية في منطقة الخليج العربي ترتبط بمبادئ الاستراتيجية الشاملة للسياسة الخارجية الروسية (2013 ـ2020) حيث تعتبر العلاقات مع دول مجلس التعاون بمنزلة إضافة نوعية كبيرة للسياسة الخارجية الروسية التي لم تكن تمتلك سوى علاقات “الحد الأدنى” مع معظم دول مجلس التعاون، وبالتالي فإن ما يتحقق في المرحلة الراهنة يضيف كثيراً للمصالح الاستراتيجية الروسية وأهدافها التي تنطلق من ثلاثة ثوابت أساسية هي أن روسيا قوة نووية، وقوة كبرى في العلاقات الدولية، وقوة مؤثرة في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية؛ ومن ثم تنطلق من سياسة براجماتية تستهدف تحقيق مصالحها القومية دون حسابات أيديولوجية أو رغبة في الهيمنة وبسط النفوذ.
 
في ضوء توازنات القوى وشبكة التحالفات الاستراتيجية خلال معظم فترات النصف الثاني من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، كانت روسيا تنظر قديماً إلى العلاقات مع إيران باعتبارها منفذاً لموضع قدم في منطقة الخليج العربي، كما تعتبر إيران حائط صد في مواجهة التغلغل الأمريكي الهادف إلى تطويق النفوذ الروسي، كما تدرك أن الجدل حول الملف النووي الإيراني هو بالأساس جدل حو حدود القوة والهيمنة في النظام العالمي، حيث تسعى روسيا إلى الحد من التأثير الأمريكي لمصلحة وجود نظام عالمي تعددي بموازاة فرض القانون والمبادئ التي أقرتها الأمم المتحدة، وليس دفاعاً روسياً مطلقاً عن إيران، خصوصاً أن روسيا، بحكم علاقاتها القوية مع طهران، تدرك حجم التأثير السلبي الإيراني في الأمن والاستقرار الإقليمي، وتدرك أيضاً مجافاة الممارسات الإيرانية للأعراف والمواثيق الدولية وانتهاكها لمجمل قواعد الأمن والاستقرار العالميين. 
 
وتدرك روسيا أن بناء علاقات قوية مع الامارات والسعودية لا يتطلب انسحاباً من الالتزامات القائمة في العلاقات الروسية ـ الإيرانية، فروسيا نجحت في بناء علاقات استراتيجية قوية مع باكستان، من دون المساس بعلاقاتها التاريخية التقليدية مع الهند، غريم باكستان التقليدي. وبالنسبة لدول مجلس التعاون، فإن تعزيز العلاقات مع روسيا سيضع الكرملين في مواجهة مسؤولياته الدولية، كقوة كبرى ضامنة للاستقرار، ولن يكون ذلك بالضرورة بمنزلة اختيار نظري بين الشركاء الاستراتيجيين عبر ضفتي الخليج العربي، بل بموازنة مصالح روسيا ووضعها نصب الأعين في كفتي العلاقات وترجيح أياً منهما تحقيقاً لمصالح الدولة والشعب الروسي، لاسيما أن روسيا تدرك تماماً أن الأيديولوجية الضيقة التي تحكم سياسات النظام الإيراني قد تضعهما على طرفي مواجهة في مرحلة زمنية لاحقة، وأن انتهاج النظام الإيراني مبدأ “التقيه” السياسية في التعامل مع روسيا لن يستمر بل سيأتي على وقت تصبح فيه روسيا مهددة بصواريخ إيران الباليستية وما تطمح إلى امتلاكه من قدرات تسليحية نووية.
 
المؤكد أن هناك اهتمام متزايد من جانب الرئيس بوتين بتعزيز العلاقات مع الدول الخليجية والعربية، التي يصنف الكثير من كحلفاء تقليديين للولايات المتحدة الأمريكية،  ومن ثم فإن لغة المصالح التي تسوقها الدبلوماسية الروسية في نهجها الجديد لابد وأن يشتمل على مغريات قوية أهمها بناء علاقات متوازنة والحد من الدعم الروسي لدول معادية للمصالح الخليجية والعربية، فضلاً عما تمتلكه روسيا من مغريات اقتصادية على صعيد مواكبة التقدم العلمي في مجالات مثل إطلاق الأقمار الاصطناعية المخصصة للاتصالات، ونقل المعلومات، والاستشعار عن بعد، وكذلك نقل الخبرة الروسية في مجال التنقيب عن الغاز، وتعزيز الاستثمارات، والتبادل التجاري وغير ذلك.

كما يمكن لروسيا أن تلعب دوراً حيوياً في انهاء الصراعات الطائفية في منطقة الشرق الأوسط  بما تمتلك من خبرة طويلة في مجال تعزيز التعايش بين مختلف القوميات والأديان، حيث أشار الرئيس بوتين ذاته إلى عزم بلاده ممارسة هذا النهج في منطقتي الشرق الأوسط والخليج العربي، وكان لافتاً أن يرافقه خلال إحدى جولاته الشرق أوسطية، منتيمير شريبوفيتش شايمييف، رئيس جمهورية تترستان الروسية ذات الأغلبية المسلمة.
 
يتمثل أحد محركات السياسة الروسية تجاه دول مجلس التعاون في العمل على إيجاد معادل موضوعي مؤثر للسياسات الأمريكية ـ الأطلسية في منطقة أوروبا الشرقية، حيث تلجأ موسكو إلى محاولة ترجمة قوتها الاقتصادية المتنامية إلى نفوذ دبلوماسي على الساحة الدولية، وذلك عبر توظيف عائدات النفط الضخمة، وتنويع قنوات التعاون مع دول العالم، ابتداءً من صادرات السلاح الروسية التي تبلغ نحو ستة مليارات دولار، وانتهاءً بدبلوماسية خطوط نقل أنابيب النفط والغاز التي توفر لروسيا علاقات قوية مع قوى دولية وإقليمية عديدة. ولكن يجب مراعاة نقطة مهمة أن روسيا هنا تأخذ باعتبارها ثوابت دول مجلس التعاون ولا تريد تحدي النفوذ الأمريكي في هذه المنطقة بالغة الحيوية بالنسبة للاستراتيجيات الأمريكية المتعاقبة، حيث أكد الرئيس بوتين عدة من قبل، أن روسيا لا تعتزم “الدخول في منافسة مع أي كان” في الخليج العربي. بينما كان رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الاتحاد (مجلس الشيوخ الروسي)، أكثر وضوحاً حين قال إن “فكرة التنافس بين واشنطن وموسكو في الشرق الأوسط، واجهة موروثة (من الحرب الباردة)، ولكن يمكننا بالتأكيد الدخول في منافسة حادّة في المجال الاقتصادي، أما على الصعيد الجيوسياسي، فلدينا المصالح نفسها”.

وهذا الأمر يعني انتفاء فكرة استقطاب النفوذ والصراع على المصالح بين الولايات المتحدة وروسيا في منطقة الخليج العربي، خصوصاً أن هناك قوى كبرى أخرى مثل الصين وبريطانيا وألمانيا وفرنسا اتجهت لتعزيز علاقات التعاون الاستراتيجي مع السعودية والامارات وبقية ودول مجلس التعاون من دون أن يجلب ذلك نقاشات حول الاستقطاب وصراع المصالح والنفوذ في هذه المنطقة.
 
هناك ضرورة ملحّة للتعاون الاستراتيجي في مجال تخطيط سياسات الطاقة بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، التي تضم كبرى الدول المنتجة للنفط والغاز من ناحية، وروسيا أكبر دولة منتجة للنفط من خارج “أوبك” وأكبر منتج للغاز الطبيعي في العالم من ناحية ثانية، كما أن فرص التعاون الاقتصادي بين الجانبين لا تقتصر على الطاقة، بل تمتد لتشمل قطاعات التكنولوجيا وتنويع مصادر التسلح وغير ذلك؛ والمبرّر الثالث، أن روسيا لاعب رئيسي في إدارة ملف الأزمة النووية الإيرانية، سواء من خلال عضويتها الدائمة في مجلس الأمن الدولي، أو عبر دورها الرئيسي في بناء القدرات النووية الإيرانية، وفي الحالتين يبدو من المفيد أن تطلع روسيا على وجهة النظر الخليجية حيال البرنامج النووي الإيراني. وإلى جانب ذلك يمكن ملاحظة وجود نوع من التقارب بين الرؤيتين الخليجية والروسية، بشأن تسوية مشكلات المنطقة على أساس مقاربة شاملة.
 
بالنسبة لاستراتيجيات دول مجلس التعاون، لا بد من قراءة واعية لمحركات التعاون الاستراتيجي الروسي ـ الإيراني، إذ لا يمكن وصفه بالاستراتيجي من الناحية المنهجية، بل هو أقرب إلى تحالف الضرورة التي اقتضتها ظروف العلاقات الإقليمية والدولية، وتدرك روسيا تماماً أن إيران تحاول حثيثاً الانفتاح على الغرب وان الشعب الإيراني يتوق إلى استعادة علاقاته التاريخية الطبيعية مع العالم الغربي، وأن يتجاوز اجندة النظام الثيوقراطي الذي يرفع شعارات معادية للولايات المتحدة، ولكنه في حقيقة الأمر يرغب في هذه العلاقة ويمكن ان يضحى بروسيا في حال تحقق له التقارب مع الغرب، علاوة على أن هذا التعاون حافل بالخلافات والتباينات العميقة، بل والتصادم في المصالح على المديين المتوسط والبعيد، ومن ثم فإن هناك تفاهم ضمني على تجاوز الخلافات وغض الطرف عنها بحثاً عن المشتركات وتحقيقاً لمصالح الطرفين، علماً بأن الواقع يعكس غياب الثقة المطلقة في هذه العلاقات ولعل صفقة صواريخ “إس300” التي ماطلت روسيا في تسليمها طويلاً لإيران برهان قوى على غياب الثقة بين الجانبين. وبشكل عام فإن الصدام بين المصالح الروسية والإيرانية وارد تماماً ومتوقع على أرض سوريا، التي ربما تشهد نهاية لهذه العلاقات، فروسيا لن تدعم سياسة قائمة على أن “حلب هي خط الدفاع الأول عن الثورة الإسلامية”، كما قال قائد الحرس الثوري الإيراني اللواء محمد علي جعفري، ولن توافق على خطط إيرانية تستهدف تحريض “حزب الله” اللبناني وميلشياته على المساس بأمن إسرائيل.
 
واقع العلاقات الإماراتية ـ الروسية ومستقبلها
تطورت العلاقة بين الإمارات وروسيا بشكل متسارع خلال العقدين الأخيرين، وغدت الإمارات أول بلد عربي يطور التعاون الواسع مع روسيا في مجالات الاستثمارات المتبادلة والتبادل التجاري والتصنيع المشترك لعدد من التقنيات بينها تقنيات عسكرية. ومنذ سبتمبر 2007 ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين من مليار دولار عام 2010 إلى أكثر من 3.7 مليار دولار في العام 2015. وتم الإعلان في 2013 عن إنشاء صندوق استثماري مشترك بين حكومة أبوظبي وصندوق الاستثمار الروسي المباشر في مختلف قطاعات الاقتصاد الروسي. وتم منذ عام 1994 تأسيس لجنة حكومية للتعاون الدولي بين الإمارات روسيا في مجال التجارة والتعاون الاقتصادي والفني، ومنذ سبتمبر 2005، بدأ مجلس الأعمال الروسي الإماراتي عمله.
كما شهد التعاون العسكري التقني زيادة ملحوظة، ففي خلال الفترة من عام 2000 إلى 2014، اشترت دولة الإمارات العربية المتحدة أسلحة ومعدات عسكرية روسية بقيمة 714 مليون دولار.
 
وهناك نحو 600 ألف سائح روسي يزورون الإمارات سنويا، ونحو 100 رحلة طيران بين البلدين أسبوعياً، كما تبلغ استثمارات الإمارات في الاقتصاد الروسي حوالي 6 مليارات دولار، وهو رقم مرشح للزيادة خلال الفترة القليلة المقبلة، حيث أكد معالي الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية أن جهازي الاستثمار في البلدين في حوار متواصل لتحديد مشروعات جديدة للاستثمار، مشيرا إلى أن الدراسة تتم في مختلف المجالات.
 
واستثمرت الإمارات أكثر من مليار دولار في عدة مشاريع في روسيا خلال السنوات القليلة الماضية، عبر الصندوق الروسي للاستثمارات المباشرة.  وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 2.1 مليار دولار في العام الماضي، ومن المتوقع أن يشهد العام الحالي المزيد من التعاون خاصة مع زيادة السياحة الروسية في الإمارات، وتستحوذ الامارات على أكثر من 3 آلاف شركة روسية تنشط في أسواق الإمارات في كافة القطاعات، وعلى رأسها التجارة والصناعة والنفط والغاز (يقدر احتياطي النفط الاماراتي بـ98 مليار برميل، وتنتج الامارات 2,8 مليون برميل من النفط يومياً، وهي رابع أكبر منتجي منظمة الدول المصدرة “اوبك”، والثامنة على مستوى العالم) وقطاعات أخرى عديدة، حيث تعتبر الإمارات بشكل عام، إحدى الوجهات المفضلة للسياح الروس، حيث زار الإمارات في العام 2016 أكثر من 350 ألف سائح روسي عبر 124 رحلة طيران أسبوعياً من روسيا للإمارات، بناقلات وطنية إماراتية مثل طيران الإمارات، وطيران الاتحاد، وفلاي دبي، وطيران العربية، وكذلك عبر شركات الطيران الروسية الوطنية، إضافة إلى أكثر من 16 ألف مقيم روسي في الدولة، وذلك بفضل النمو الكبير والاستقرار الذي تنعم به الدولة، وبفضل البيئة المحفزة والمشجعة التي توفرها الإمارات للمستثمرين وللشركات الأجنبية وعلى رأسها الروسية، ما أسهم في استمرار تدفق الشركات الروسية على الإمارات، وفي توسع الشركات الروسية في أعمالها وأنشطتها التجارية في أسواق المنطقة، انطلاقاً من الإمارات.
 
وتشهد العلاقات بين البلدين نمواً كبيراً في التجارة، حيث هناك مساحة كبيرة جداً لتوسيع إحصائيات التجارة بين البلدين في كلا الاتجاهين، خاصة أن المعادن الثمينة والألماس تمثل الحصة الأكبر من صادرات روسيا للإمارات، إلى جانب معدات التصنيع من الصادرات الأخر.
 
ويدشن إعلان الشراكة الاستراتيجية مرحلة جديدة في العلاقات المتنامية بين دولة الامارات العربية المتحدة وجمهورية روسيا الاتحادية، حيث قال صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد ابوظبي للرئيس بوتين “نحن سعداء بأن التبادل التجاري قد تضاعف ونحن على ثقة أنه سيتضاعف مرة أخرى في ظل توقيعنا للإعلان عن الاستراتيجية المشتركة بين الإمارات وروسيا”. 
 
وهناك رهان كبير من الجانبين على تطوير العلاقات في جميع المجالات، بما في ذلك الاتصالات السياسية، والتعاون في المجال الأمني، وفي مجال الاقتصاد والمجالات الأخرى، لاسيما مجال الطاقة الذي أشار إليه الرئيس بوتين على وجه الخصوص حيث تحدث خلال زيارة صاحب السمو ولي عهد أبوظبي إلى موسكو، عن التعاون في قطاع الطاقة وأشار إلى أن جهود روسيا والإمارات والسعودية وأوبك ككل ساعدت على استقرار سوق البترول، مؤكداً أن هذا العمل سيستمر. وتمتلك العلاقات الإماراتية ـ الروسية مقومات عدة للتطور والنمو خلال المدى المنظور، وهو مايمكن رصده فيما يلي:
هناك احترام وتقدير متبادل بين قيادتي البلدين، وهذا بحد ذاته يعد من أهم مقومات بناء توقعات إيجابية بشأن مستقبل هذه الشراكة، وقد تجلى هذا الاحترام خلال لقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حيث عبر سموه عن تقديره لدعم الرئيس الروسي «لكل الجهود الرامية إلى الانتقال بالعلاقات الإماراتية - الروسية إلى مستويات أكثر تطورا وقوة».وأضاف: “روسيا دولة كبرى لها دورها المهم والمحوري في تحقيق الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والعالمي، وإن استمرار التنسيق والتشاور معها بشأن قضايا المنطقة أمر ضروري لضمان تحقيق الأمن والاستقرار اللذين ننشدهما».
 
وشدد الشيخ محمد بن زايد آل نهيان على أن هناك العديد من المصالح المشتركة التي تربط بين دولة الإمارات وروسيا، على رأسها “موقف البلدين الثابت والحاسم بشأن مواجهة ظاهرة الإرهاب والتطرف، باعتبارها تشكل تهديدا عالميا يستهدف الكل دون استثناء، مما يتطلب مزيدا من التنسيق والتعاون الدولي والإقليمي لمواجهة خطرها على الأمن والاستقرار العالميين”. ولا شك أن هذه الدقة في تحديد الأولويات والأهداف تعني أن الشراكة قائمة على دراسات استباقية دقيقة وأن هناك جدية وعزم على تنفيذ بنودها والاستفادة مما توفره من فرص للبلدين الصديقين.
 
هناك أهمية متزايدة للتعاون في مجال الاتصالات، لما له من أثر إيجابي على تدفق السياح الروس للإمارات، والذي ارتفع بالفعل بعد أن أقرت تسهيلات للحصول على تأشيرة الدخول في فبراير من العام الماضي، وهو ما انعكس على عدد السياح الروس والذي ارتفع بنسبة 90 % عن العام السابق عليه.
 
هناك اهتمام كبير بالتعاون بين الدولتين في مجال مكافحة الإرهاب سواء بشكل ثنائي أو من خلال الدعوة لتأسيس تحالف دولي واسع، حيث تم الاتفاق خلال زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان على على تنسيق الجهود في مكافحة الإرهاب والتطرف، وتبادل المعلومات والخبرات، بما في ذلك التدريب ودعوة قادة الدول إلى إنشاء تحالف دولي واسع ضد الإرهاب على “أساس احترام سيادة الدول».
 
هناك اهتمام كبير بالاستثمارات، حيث يعتزم الجانبان تطوير مشاريع مشتركة جديدة، بما في ذلك على أساس منصات الاستثمار التي تم إنشاؤها بالفعل، وتطوير شراكات مباشرة بين المؤسسات التعليمية والعلمية. وفي هذا الإطار تحدثت صحف روسية عن خطط لشركة “روسكوزموس” الروسية للتوقيع على اتفاقية إطار حول تحليق أول رائد فضاء من الإمارات إلى محطة الفضاء الدولية على متن مركبة الفضاء الروسية “سويوز” في نهاية عام 2019، ووفقا لمصادر في الشركة فإن المفاوضات ستجرى على هامش المؤتمر الدولي للملاحة الفضائية في أستراليا في سبتمبر المقبل.
أكدت صحيفة «Финмаркет» المتخصصة بالشؤون الاقتصادية أن الإمارات وروسيا اتفقتا على الشراكة الاستراتيجية، والتعاون في البحث والعمل العلمي والتقني المشترك وكذلك في مجالات التكنولوجيا والطاقة النووية السلمية، وكذلك توسيع التعاون في مجال الطاقة المتجددة.
 
هناك توافق حول العمل على ضمان التوازن والاستقرار في أسواق النفط العالمية مع الأخذ في الاعتبار مصالح المنتجين والمستهلكين، والعمل على تعزيز الاستخدام الواسع للغاز الطبيعي كوقود اقتصادي وصديق للبيئة من أجل التنمية المستدامة، وكذلك تقليل الانبعاثات وفقا لمقررات اتفاقية المناخ في باريس.
 
تحدث معالي الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية عن رغبة الامارات في تعزيز التعاون العسكري مع روسيا، بينما ذكرت تقارير إعلامية روسية أن هناك توجه مشترك لتعزيز التعاون في مجال الأمن والدفاع، وتكثيف المشاورات بين البلدين وتنسيق الجهود لتحويل منطقة الشرق الأوسط إلى منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، بالإضافة إلى التعاون في مجالات مكافحة غسل العائدات المتأتية من الجريمة ومكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات والهجرة غير القانونية، واعتزام البلدين تطوير التعاون في مجال صناعة الطيران والهندسة والتعدين وصناعة الأنابيب وإنتاج الأدوية.
الاتفاق على تطوير التعاون السياسي حول القضايا الثنائية والإقليمية والدولية الرئيسية، بما في ذلك في إطار الحوار الاستراتيجي روسيا - مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ومنتدى التعاون الروسي العربي وغيرها من الأشكال متعددة الأطراف.
 
الاتفاق على التعاون في الحيلولة دون استخدام الفضاء السيبراني من أجل نشر الفكر المتطرف، وموافقة البلدين على تطوير التعاون في مجال إنفاذ القانون، ومكافحة غسل الأموال، ومكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات، والجريمة المنظمة العابرة للحدود، ومكافحة الهجرة غير القانونية.
 
إعلان الشراكة الاستراتيجية الإماراتية ـ الروسية: أبعاد ودلالات
ينطوي إعلان الشراكة الاستراتيجية بين دولة الامارات العربية المتحدة وجمهورية روسيا الاتحادية، والذي تم توقيعه خلال زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلى روسيا، في الأول من يونيو عام 2018، على أبعاد ودلالات حيوية يمكن تناولها من خلال الأبعاد التالية:
يمثل إعلان الشراكة الاستراتيجية إطارً مؤسسياً لتطوير العلاقات الثنائية المشتركة بين البلدين الصديقين في مجالات مختلفة للعلاقات التجارية والاقتصادية والمالية والاستثمارية والثقافية والإنسانية والعلمية التقنية والطاقة والسياسة والتعاون في مجال الأمن وغيرها. كما يفتح الباب واسعاً أمام أي فرص مستقبلية محتملة من شأنها دعم العلاقات، حيث نص على “الطرفان يؤكدان السعي للتعاون في مجالات أخرى بما فيها المجال الصناعي”، مشيرة إلى أن أحد آليات التعاون في هذا المجال “استمرار التنسيق فيما يخص وضع سوق الألمنيوم، في إطار مجموعة العمل للتعاون في مجال صناعة الألمنيوم».
 
يكتسب الإعلان أهميته من صيغته بالأساس فهو يشمل مجالات متنوعة ومختلفة للتعاون بين البلدين، مع التركيز على القطاعات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية والتقنية، ما يعني أنه يمتلك ركائز  النجاح والفاعلية والاستمرارية، باعتبار أن احد أهم مقومات نجاح الشراكات الاستراتيجية تتمثل في التعاطي مع تحدي تحديد الأهداف والمجالات وتنفيذها، وما يضفي على الأمر السابق أهمية استثنائية أن العلاقات الإماراتية ـ الروسية قد حققت طفرات نوعية متوالية خلال السنوات السابقة، وأن هذا الإعلان يدعم ويعزز ويؤطر الفرص المستقبلية للتعاون المشترك.
 
لاشك أن بناء علاقة شراكة استراتيجية مع دولة بحجم ومكانة روسيا مكسب نوعي يضاف لإنجازات السياسة الخارجية الإماراتية النشطة، فروسيا - أكبر الدول مساحة – تمكنت من أن تستعيد دورها كقوة عالمية يحسب لها حساب بعد عقد من الفوضى السياسية والاقتصادية التي اعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي السابق. ومكنت عوائد الموارد الطبيعية التي تزخر بها روسيا، وأهمها النفط والغاز، البلاد على التغلب على الانهيار الاقتصادي الذي واجهته في عام 1998. 
 
وقد نجح الرئيس بوتين في قيادة بلاده منذ عام 2000، بما يجعل منها رقماً صعباً في حسابات العلاقات الدولية. وقد حققت روسيا في عهده نجاحات وانجازات هائلة على الصعد الاقتصادية والسياسية، فضلاً عن استعادة هيبتها ومكانتها على الصعيد العسكري، حيث تتسابق الكثير من الدول على شراء منظومات التسلح الروسي الحديثة، ولاسيما منظومة الدفاع الصاروخي، وأهمها “s400” التي القادرة على الوصول لأهداف على ارتفاع 30 كم والتصدي للطائرات والصواريخ الباليستية والصواريخ متوسطة المدى والطائرات المسيرة وغيرها من أنظمة الاستطلاع الجوية، وحسب بعض المصادر الغربية فإن بعض الأنواع من هذه الصواريخ قادرة على التصدي لأهداف على بعد 400 كم، كما أن هذا النظام قادر على إطلاق ثلاثة أنواع من الصواريخ أرض - جو بقدرات مختلفة.
 
وبحسب مسؤول عسكري أمريكي رفيع فإن نظامي إس 400 وإس 300 فعالان جداً في التصدي لكل الطائرات والمقاتلات من الجيل الرابع مثل اف 15 اف 16 واف 18. والطائرات الوحيدة القادرة على العمل في مجال عمليات اس 400 واس 300 هي طائرات الجيل المقبل مثل طائرة الشبح إف 35 وإف 22 والقاذفة بي 2 التي لا تكشفها أجهزة الرادار. ويرى الخبراء أنه حتى هذه الطائرات قد تكون عرضة للخطر في حال وجود نظام دفاع جوي متكامل يتضمن ما يكفي من صواريخ نظامي الدفاع الجوي أس 400 وإس 300.
 
هناك عوامل إضافية بالغة الأهمية توفر للشراكة الإماراتية ـ الروسية فرص نجاح أقوى منها العلاقات الشخصية القوية بين قيادتي البلدين، حيث أكد معالي الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية في تصريحات صحفية له “إن الشيخ محمد بن زايد يمتلك علاقة شخصية طيبة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين”، لافتاً إلى أن “العلاقات مع روسيا يجب أن تكون متنوعة وليست فقط علاقات سياسية”، وقد كانت حفاوة الاستقبال الرسمي لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان خلال زيارته الأخيرة إلى موسكو برهاناً ساطعاً على قوة العلاقات، الرسمية والشخصية على حد سواء، وعلى عمق رهان روسيا على تعزيز هذه العلاقات. وأشار معالي أنور قرقاش في التصريحات ذاتها إلى رغبة الامارات في تعزيز التعاون العسكري مع روسيا، قائلاً “نطمح لتعاون عسكري أكبر مع روسيا ونتفق معها في مكافحة الإرهاب”.
 
يعزز هذا الإعلان فاعلية السياسة الخارجية الإماراتية، ويضمن لها هوامش حركة جديدة تضاف إلى ما سبق وراكمته هذه السياسة من اطر تحرك فعّالة على الصعيد الدولي، فالإمارات تمتلك علاقات قوية متميزة مع الفاعلين الدوليين المؤثرين وفي مقدمتهم الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي، كتكتل مؤسسي ودول منفردة، وروسيا فضلاً عن كوريا الجنوبية واليابان والهند  والاقتصادات الصاعدة جميعها، ما يعزز ويعكس مبادئ الامارات القائمة على الانفتاح والعمل على ترسيخ السلام والمصالح المشتركة للدول والشعوب بما يسهم في تحقيق الأمن والسلم الدوليين.
 
لاشك أن إعلان الشراكة الاستراتيجية بين دولة الامارات العربية المتحدة وجمهورية روسيا الاتحادية، يكتسب أهميته أيضاً من مكانة وحجم الطرفين الموقعين عليه اقليمياً ودولياً، فالإمارات ثاني اكبر اقتصاد عربي، وأحد أهم الاقتصادات العالمية وتتطلع لتعزيز مكانتها ضمن منظومة الاقتصاد العالمي في ظل استضافتها لمعرض “اكسبو 2020”، وريادتها في قطاعات اقتصادية واستثمارية مهمة، فضلاً عن كونها باتت مركز عالمي للأعمال والاستثمار، بما توفره من مزايا وحوافز رائدة للمستثمرين من مختلف الدول، وما تتمتع به من بنى تحتية وتكنولوجية متطورة وموقع استراتيجي يصل بين الشرق والغرب، وقطاعات نقل جوي وبحري وخدمات لوجستية عالمية المستوى تساهم في تعزيز الأنشطة التجارية والاستثمارية على المستويين الإقليمي والعالمي، فضلاً عما توفره من خيارات واسعة للمستثمرين سواء داخل الدولة أو في إطار المناطق الحرة بما يشمل مختلف القطاعات الحيوية، وما توفره سياسة التنويع الاقتصادي وترسيخ الابتكار والمعرفة واستشراف المستقبل وتوظيف التكنولوجيا والبحث والتطوير في جذب الاستثمارات النوعية، انسجاماً مع رؤية الإمارات 2021، واستعداداً لمئوية الامارات 2071. 
 
بينما يمتلك الطرف الثاني للشراكة الاستراتيجية، روسيا، مقومات عالمية بالغة الأهمية، فروسيا دولة كبرى ذات تاريخ عريق وحاضر ذا تأثير بالغ في صناعة القرار الدولي، وادخل جميع المنظمات والمؤسسات الدولية، فضلاً عن قدراتها الذاتية العالمية في أسواق الطاقة والتسلح والاستثمار والصناعة والتجارة وعلى الصعيد التكنولوجي والتقني، ما يوفر فرص هائلة وواعدة لتحقيق المنافع المشتركة للشريكين الاستراتيجيين، وقد أشار إلى ذلك صاحب السمو ولي عهد أبوظبي، عندما تحدثاً أثناء الزيارة إلى الرئيس الروسي قائلاً “إن العلاقات بين البلدين تستند إلى أسس قوية وراسخة من التفاهم والمصالح المشتركة، وتشهد تطوراً متنامياً بفضل حرص قيادتي البلدين على تطويرها ودفعها إلى الأمام، بما يعود بالنفع على الشعبين الصديقين”، بينما وصف الرئيس بوتين الامارات بأنها “شريك وثيق لنا منذ سنوات في منطقة الشرق الأوسط”، مؤكداً أن هذه الزيارة ستعزز مواصلة تطوير العلاقات، ومنوهاً إلى أن “معدل التبادل التجاري بين البلدين قد ارتفع بنسبة 31 في المئة عن العام الماضي، وفي الربع الأول من هذا العام وصل إلى 70 في المئة، وحجم الاستثمارات يتزايد باستمرار، ونحن نشكركم على هذه الثقة”.
 
من الواضح للمراقبين والمحللين أن الإعلان عن هذه الشراكة الاستراتيجية قد جاء عقب دراسات وافية تضمن نجاحها وفاعليتها، حيث تؤكد الإشارات الإحصائية والرقمية المتبادلة خلال الزيارة على وجود توجه واقعي واضح لتعزيز العلاقات عبر إطار مؤسسي يتمثل في إعلان الشراكة الاستراتيجية.
 
من المؤكد أن التركيز على العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية والطاقة سينعكس إيجابا على فرص التعاون التي ستتاح للبلدين في دعم الشراكة الاستراتيجية في المجال السياسي، بما يعنيه من توافر دور روسي قوي ومؤثر يسهم في حلحلة الكثير من القضايا والأزمات التي يعانيها إقليم الخليج العربي والشرق الأوسط، بحكم ما تمتلكه روسيا من دور راهن مؤثر في بعض هذه الأزمات مثل سوريا، وما تمتلكه من حضور تاريخي في دول مثل اليمن، فضلاً عن علاقاتها القوية المؤثرة مع أطراف إقليمية تسهم في تعقيد الأزمات وتشابكها مثل إيران.
 
لا شك أن بلورة وجهات نظر حيال مجمل القضايا والأزمات سينعكس ايجاباً أيضاً على صعيد التصدي لمصادر تهديد عالمية مشتركة مثل الإرهاب، حيث اتفق الجانبان، الاماراتي والروسي، على تشكيل تحالف دولي واسع لمكافحة الإرهاب، كما اتفقا على تعزيز التعاون السياسي والدفاعي والعمل على تحويل الشرق الأوسط إلى منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل. حيث جاء في إعلان الشراكة الاستراتيجية الصادر عن محادثات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة والرئيس الروسي فلاديمير بوتين: “إن الجانبين مقتنعان بأن الانتشار غير المسبوق للإرهاب والتطرف وكذلك الهياكل والتنظيمات، التي تهدد أمن الدول وسيادتها، يتطلب من المجتمع العالمي كله اتخاذ تدابير حازمة وجماعية بعيدا عن ممارسة المعايير المزدوجة ومبدأ الانتقائية وبالتوافق مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة».
 
وشددت الوثيقة على أن الامارات وروسيا تدعوان إلى “تشكيل تحالف دولي واسع لمكافحة الإرهاب والتطرف يقوم على احترام سيادة الدول، التي عانت مباشرة من العمليات الإرهابية». وأكدت الإمارات وروسيا أن الدول والمؤسسات المختصة يجب أن تلعب دورا رائدا في التصدي للإرهاب والتطرف ومنع انتشارهما إقليميا ودوليا، وذلك مع الالتزام بمبدأ المساواة السيادية لجميع الدول. كما تعهد الجانبان بأنهما “ستسهمان في ضمان أمن الفضاء الإلكتروني وسلامته ومنع استغلاله لأغراض نشر إيديولوجية التطرف».
 
ينطوي إعلان الشراكة الاستراتيجية على تنشيط الدور الروسي في الحوار مع الدول العربية من أجل توفير فهم مشترك أفضل لمجمل القضايا والأزمات الإقليمية، جاء في إعلان الشراكة الاستراتيجية أن “الجانبين يعربان عن عزمهما على تعزيز وتطوير التعاون السياسي الخاص بالقضايا الثنائية والإقليمية والدولية، بما في ذلك في إطار الحوار الاستراتيجي روسيا – مجلس التعاون لدول الخليج العربية ومنتدى التعاون الروسي العربي والمنصات الأخرى». 
 
وأوضحت الوثيقة أن روسيا والإمارات ستشجعان لهذا الهدف تبادل الزيارات لرؤساء الدولتين وحكومتيهما وأعضاء البرلمانين ورؤساء الوزارات، بالإضافة إلى عقد مشاورات دورية بين وزارتي الخارجية للبلدين وترتيب الاتصالات والعلاقات بين أقاليمهما والتنسيق في إطار الأمم المتحدة، كما اتفق الجانبان، حسب الوثيقة، على دعم تقوية دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي في تعزيز السلم والأمن الدوليين وكذلك إكمال قدرات المنظمة الدولية على منع الأزمات والنزاعات الدولية وتسويته، وهذه كلها أمور تصب في مصلحة الدول العربية، التي تعاني البعض منها اختراقات وتهديدات مصيرية لوجودها بسبب مخططات الفوضى والمؤامرات الطافية والخطط التوسعية التي تنفذها قوى إقليمية لا تكن سوى الحقد والعداء للعرب وترغب في استغلال الظروف الراهنة من أجل تحقيق طموحات بائدة عفا عليها الزمن.
 
هناك ضمانات مهمة لتحقق أهداف الجانب الاماراتي في هذه الشراكة الاستراتيجية المهمة، فالإمارات ـ كما ورد سالفاًـ قوة اقتصادية إقليمية ودولية مؤثرة بما يعني أن الشريك الآخر سيعمل على كسبها من أجل تحقيق مصالحهما المشتركة، ولذا يمكن تلمس حرص روسي على تقوية العلاقات مع الامارات، انطلاقاً من المكاسب الاقتصادية المرتقبة لهذه الشراكة، فضلاً عن روسيا تدرك عمق فاعلية الدور الاماراتي على الصعيد الاستراتيجي، وتعتبرها شريك ضروري في إيجاد حلول للأزمات الإقليمية، بما تمتلكه الامارات من قوّة ناعمة تجسّدها دبلوماسيتها النشطة ومقدرتها على بناء قنوات التواصل والاتصال مع مختلف الفاعلين الإقليميين والدوليين.
 
هناك مقومات وركائز مهمة تجعل من توقع نجاح الشراكة الاستراتيجية الإماراتية ـ الروسية مسألة بديهية، وبعض هذه العوامل والمقومات ورد في تصريحات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حيث أكد سموه أن “التبادل التجاري بين البلدين الصديقين سيتضاعف مرة أخرى في ظل الشراكة الاستراتيجية، فضلاً عن  أن العلاقات بين الإمارات وروسيا تستند إلى أسس قوية وراسخة من التفاهم والمصالح المشتركة ولدى البلدين الصديقين رؤى مشتركة بشأن القضايا الدولية والإقليمية، ولديهما توجه واحد وتصميم على مواجهة الإرهاب بكل أشكاله ومسمياته، فالإمارات لديها قناعة بأن روسيا دولة كبرى لها دورها المحوري والمهم في تحقيق الأمن والاستقرار إقليمياً وعالمياً، والإمارات تسعى بكل قوتها وجهودها للإسهام في تحقيق الأمن والاستقرار بالمنطقة والعالم بالتعاون المثمر والبنّاء مع القوى الإقليمية والدولية».
 
من بين العوامل الداعمة لرغبة روسيا في كسب الامارات كشريك استراتيجي، فضلاً عن المصالح الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، أن السياسة الإماراتية تتسم بقدر عال من التوازن والديناميكية، وتقوم على الشفافية والوضوح وإعلاء شأن القانون الدولي واحترام سيادة الدول، ما عززت المكانة العالمية التي تحظى بها الامارات، والموقع الذي جعلها شريكاً رئيسياً “سياسياً واقتصادياً” للدول الكبرى، من منطلق الاحترام والتعاون، وما تمثله الدولة من قوة تعزز موقعها على الخارطة العالمية عبر قفزات نوعية تؤكدها جميع المؤشرات. وإذا كانت روسيا عادت بقوة إلى منطقة نفوذها التقليدية التاريخية القديمة في الشرق الأوسط، فإنها ستكون بحاجة إلى تعاون مع شركاء مخلصين وجادين مثل دولة الامارات.
 
لابد من التأكيد على نقطة بالغة الأهمية، وهي أن الشراكة الاستراتيجية الإماراتية مع روسيا لن تأتي خصماً من رصيد علاقات الامارات الاستراتيجية مع قوى دولية أخرى في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، فما يربط الامارات والجانب الأمريكي عميق وراسخ بدرجة لا يمكن التشكيك في قوته واستمراريته، ومن ثم فإن الشراكة الجديدة مع روسيا تترجم بالأساس مبدأ تنويع الخيارات وتفتح آفاق جديدة للتحرك والمناورة أمام الدبلوماسية الإماراتية من دون افتئات على التزامات الامارات حيال شركائها الاستراتيجيين الآخرين، والأهم من ذلك أن القيادة الإماراتية تمتلك رؤية استراتيجية واضحة في بناء علاقاتها الدولية، حيث أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة أن الإمارات حريصة على التعاون مع العالم بأسره من دون استثناء لضمان مستقبل مزدهر لمنطقة الشرق الأوسط، منوهاً في هذا الصدد إلى أهمية تعزيز العلاقات مع روسيا، وتطلعه إلى تنميتها.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-09-06 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2012-05-01
2016-11-03
2015-12-01
2015-11-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1484

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره