مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2021-10-03

الانسحاب الأمريكـــي من افغانستان: التداعيات والانعكاسات المحتملة

يرى كثير من المراقبين والمتخصصين أن مشهد انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان يمثل نقطة تحول نوعي فارقة ليس فقط في تاريخ أفغانستان والمنطقة بل في مسيرة الولايات المتحدة ذاتها كقوة عظمى تتربع على قمة النظام العالمي القائم، وفي هذا العدد تسلط مجلة «درع الوطن» الضوء على الجوانب والانعكاسات الاستراتيجية المختلفة لهذا التطور، وتحاول الاجابة على الكثير من التساؤلات التي تدور في الأذهان حول تأثيرات هذا الانسحاب وتداعياته المحتملة.
 
إعداد: هيئة التحرير
في الحادي والثلاثين من أغسطس الماضي، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) انتهاء عملية انسحاب القوات من أفغانستان نهائياً وانتهاء مهمة عسكرية استغرقت نحو عقدين من الزمن، وذلك بعد عملية إجلاء جوي ممتدة استغرقت أكثر من أسبوعين، تم خلالها إجلاء نحو 123 ألف مدني من الأمريكيين والأفغان الذين عملوا مع القوات الأمريكية خلال تلك الفترة، في مشهد طغت عليه الفوضى في بعض الأحيان وقوبل بانتقادات دولية وأمريكية واسعة.  وقد تم الانسحاب بموجب اتفاق تم توقيعه في الدوحة خلال سبتمبر 2020 بين الولايات المتحدة وحركة «طالبان» الأفغانية، التي سيطرت على العاصمة كابل في 14 أغسطس الماضي من دون قتال، لتطوي الولايات المتحدة صفحة هذه العملية التي شهدت مقتل نحو 2461 جندياً ومدنياً أمريكياً وإصابة أكثر من 20 ألف آخرين، كما شارك في العمليات العسكرية بأفغانستان نحو 800 ألف جندي أمريكي و25 ألف مدني.
 
حكومة طالبان: هل تعكس تغييراً حقيقياً؟
بعد إعلان حركة «طالبان» عن عزمها تشكيل حكومة شاملة، أعلنت الحركة تشكيل حكومة تصريف أعمال مؤقتة، من دون الكشف عن سبب هذا التغيير، لاسيما أن التشكيل الجديد يثير العديد من علامات الاستفهام، وفي مقدمتها سيطرة الحرس القديم للحركة من المؤسسين والمعتقلين السابقين في «جوانتانامو» على الحكومة، وغياب التمثيل النسائي فضلاً عن عدم وجود أي قيادات تنتمي لعرقيات أخرى بخلاف تلك التي تنخرط تحت لواء «طالبان» من قوميتي «الطاجيك» أو غيرها، أي أن طالبان لم تلتزم بتشكيل حكومة موسعة كما أعلنت، بل رسخت وجودها المهيمن على التشكيل الحكومي مع الاكتفاء بالايحاء ظاهرياً بمراعاة التنوع العرقي من خلال وجود وزراء من قوميات أخرى غير «الباشتون» ولكنهم بالأساس أعضاء في «طالبان» وينتمون لها سياسياً وفكرياً ما يعكس عدم التزام الحركة بوعودها في هذه الجزئية بما يشير ـ من وجهة نظر الكثيرين ـ إلى غياب الرغبة الصادقة في تفادي أخطاء الماضي. كما أعلنت الحركة أفغانستان «إمارة إسلامية» من دون أن تسمى أو تحدد طبيعة المنصب الذي يتولى قمة هرم السلطة بموجب هذا النظام، والذي كان في تجربة الحكم السابقة لها (1996 ـ2001) مخصصاً لزعيمها الأسبق الملا محمد عمر والذي كان يطلق عليه «أمير المؤمنين». وقد انطوي التشكيل الجديد على العديد من الأبعاد والدلالات التي تفسر إلى حد كبير نوايا الحركة وسياساتها، حيث يلاحظ إصرار الحركة على التمسك بجوهر نظام وفلسفة حكمها القائمة على أيديولوجية الحركة، ما يشير إلى عدم حدوث تحولات جذرية في الثوابت والأساسيات الفكرية التي ينطلق منها قادة الحركة في سلوكهم السياسي. ويبدو أن الحركة تتجه  إلى نظام حكم ثيوقراطي بالمعنى التقليدي على غرار النظام الايراني، بغض النظر عن محاولات الحركة تجميل وجهها وتسويق سياساتها عبر الاعلان عن ممارسات جديدة؛ فرئيس الوزراء هو أكبر قيادات «طالبان» سناً (65 عاماً) ويكتسب قدراً كبيراً من مكانته من علاقته القديمة بالزعيم المؤسس للحركة الملا عمر وكذلك بالزعيم الحالي للحركة، وكان وزيراً لخارجية الحركة في فترة حكمها الأولى ثم نائباً لرئيس الوزراء ويخضع لعقوبات أممية شأنه شأن كل مسؤولي وقيادات طالبان في تلك الفترة، ولكن اختياره كدبلوماسي وسياسي ربما ينطوي على إشارة بشأن الرغبة في تفادي عسكرة الحكم أو عدم إضفاء طابع عسكري على القيادة الحكومية للبلاد، ولكن ذلك كله لا ينفي أن رئيس الحكومة الجديد يحظى بمكانة دينية تفوق خبرته السياسية. ويلاحظ كذلك أن رئيس الوزراء ونائبه الملا عبدالغني برادار من القادة المؤسسين للحركة، وهناك نحو أربعة وزراء من وفد حركة طالبان الذي شارك في مفاوضات الدوحة مع الولايات المتحدة، والتي توجت في فبراير 2020 بتوقيع اتفاق انسحاب القوات الأمريكية من افغانستان، وهو الوفد الذي قاده الملا عبد الغني برادار وشارك فيه آخرون منهم الملا عبد السلام حنفي والملا محمد حنيف والملا عبد اللطيف منصور، فضلاً عن وجود معتقلين سابقين في «جوانتانامو» ضمن التشكيل الوزاري المعلن، وهو مايوحي بالرغبة في مكافأة بعض القيادات التاريخية للحركة عن دورها خلال المرحلة السابقة، فضلاً عن افتقار الحركة لعناصر شابة مؤهلة قادرة على تحمل مسؤولية العمل السياسي بالنظر إلى غياب أي رؤية مستقبلية لدى الحركة منذ تأسيسها وتركيزها على العمل العسكري من دون الاستعداد لتولي مسؤوليات الحكم، ما تسبب في افتقارها للخبرات والكوادر السياسية والدبلوماسية المدربة.
 
وتشير قراءة التشكيل الحكومي بخلفياته إلى أن حركة “طالبان” تتجه إلى استنساخ نظام حكم الملالي في إيران أو اقامة نظام حكم مشابه من خلال وجود زعيم روحي يتولى المسؤوليتين الدينية والسياسية، ويعتلي قمة هرم السلطة، لاسيما أن رئيس الحكومة يرأس مجلس حكم طالبان، وهي هيئة قوية لصنع القرار وتعرف باسم مجلس القيادة، ولكن الملاحظ أن الحركة لم تشر إلى هذا المنصب حتى الآن  ويتم الاكتفاء بالاشارة إلى زعيم الحركة هبة الله أخوند زاده من دون منصب سياسي بخلاف زعامة الحركة، ويعتقد أن الأمر يرتبط بمحاولة صياغة شكل نظام الحكم الجديد وتسلسه الهرمي بحيث يكون مقبولاً من المجتمع الدولي.
 
واللافت أن التشكيل الحكومي الجديد تطغى عليه الشخصيات الخاضعة لعقوبات دولية وأمريكية ابتداء من رئيس الحكومة حتى الوزراء، ما يضعف فرص هذه الحكومة في كسب ود العالم أو على الأقل قد يطيل مدة الحصول على الشرعية الدولية، وهنا يلاحظ انعدام أي رغبة لدى الحركة في الاستفادة من الكوادر الحكومية في الحكومة السابقة حتى ولو في الوزارات ذات الطابع الفني أو المتخصص مثل الزراعة والتعدين وغير ذلك، وتلك مسألة لافتة تشير إلى ارتفاع مستويات الاقصاء والتهميش التي ستطغى على المشهد الأفغاني في تجربة الحكم الثانية لطالبان، والتي لا تعكس التجارب التي مرت بها أفغانستان منذ سقوط حكم الحركة عام 2001، حيث تجاهلت الحركة تماماً حدوث تطور مجتمعي أياً كانت درجاتها وتأثيراته ودوافعه ومحركاته، وأبرزها وجود عناصر نسائية قادرة على تحمل مسؤولية الحكم وتمثيل الشعب الأفغاني، فتم تغييب الشباب والكوادر المؤهلة وعادت طالبان بنسخة أقرب إلى 2001، فيما يعكس عدم قدرة الحركة على تجاوز مرحلة الحروب والانتقال إلى مرحلة العمل السياسي والتحول من فكر التنظيم إلى فكر الدولة، الأشمل والأكثر استيعاباً للتعددية والتنوع العرقي والمذهبي والقومي، وهي كلها معضلات متوقعة ستواجه طالبان التي تتحدث بشكل جيد ولكنها لا تزال تتباطىء في ترجمة أقوالها إلى أفعال.
 
هل تنتقل حركة طالبان إلى فكر الدولة؟
تقول حركة طالبان أنها تعلمت من تجارب الماضي، وأعلنت عن تغييرات في نهجها وسلوكها السياسي، ولكن الشواهد ـ حتى الآن ـ تقول أن التغييرات لا تزال تتمحور حول أمور تكتيكية وليست استراتيجية، بمعنى أن الحركة لم تتنازل عن ثوابتها الشرعية وقناعاتها الفكرية، حتى بالنسبة لعلاقاتها مع تنظيمات الارهاب وفي مقدمتها القاعدة، يعتقد الكثيرون أن الحركة تعهدت بعدم السماح بإيذاء أي دول أخرى انطلاقاً من الأراضي الأفغانية، وهذا أمر يمكن تنفيذه بالفعل، ولكن يبقى فك الارتباط تماماً مع تنظيمات الارهاب مسألة رهن التحقق الفعلي، خصوصاً أن الحركة تستعين طيلة السنوات السابقة بعناصر تنتمي إلى تنظيمات الارهاب في السيطرة على مناطق نفوذها داخل أفغانستان، فضلاً عن أن تشابك العلاقات وتداخلها بين قيادات طالبان والقاعدة قد لا يسمح بفك الارتباط بشكل نهائي وقاطع. وتشير التجارب إلى التنظيمات يصعب عليها الانتقال إلى فكر الدولة بالسهولة التي يتوقعها البعض لأسباب عدة بعضها يتعلق بالموروث الفكري والثقافي والتنظيمي، وبعضها الآخر يتعلق بارتهان شرعية هذه التنظيمات بأفكار محددة تتعارض في أغلبها مع فكر الدولة والتزاماتها في القانون الدولي، وهنا يلاحظ أن زعيم طالبان قد تحدث في بيان رسمي عن الالتزام بالقوانين والمواثيق الدولية في حدود الضوابط الشرعية والتقاليد الأفغانية، وهذه مسألة تعني الالتصاق بفكر التنظيم الضيق. وهنا يمكن الاشارة إلى تجربة إيران على سبيل المثال، حيث لا يزال الفكر الثوري يسيطر على السياسة الخارجية الايرانية ولا تزال الأذرع التي انتجتها الثورة الايرانية منذ عام 1979، مثل الحرس الثوري والهيئات الأخرى التي ترتبط بفكر مجموعة محددة تطغى على مؤسسات وهيئات الدولة الايرانية بحيث أصبح هناك ما يمكن تسميته بدولة موازية تهيمن على النظام السياسي الايراني.
 
كيف سارت الأمور قبل الانسحاب الأمريكي؟
الشواهد على أرض الواقع تؤكد أن الاتفاق الذي تم توقيعه في الدوحة في سبتمبر 2020 بين الولايات المتحدة وحركة طالبان كان ينص على تعهدات طالبانية صريحة بعدم ايواء أي تنظيمات ارهابية، وكانت الخطة الأمريكية تقوم على أن يكون هناك تفاوض لاحق بين طالبان والحكومة الأفغانية للتباحث حول نظام الحكم ومن سيحكم البلاد في مرحلة مابعد الانسحاب الأمريكي، وكانت واشنطن تثق في قدرة الجيش الافغاني الذي كان يقدر بنحو 300 ألف فرد على الصمود في مواجهة أي هجوم لحركة طالبان ولو لمدة أشهر، وهي الخطة التي اعتبرها المسؤولين الأمريكيين «صفقة رائعة» كما قال الرئيس السابق دونالد ترامب، لم تتحقق بأي شكل، فالحكومة الأفغانية التي قال عنها أشرف غني قبل أشهر إنها «ليست حكومة في طور الانهيار» وأن أفغانستان ليست كفيتنام، سقطت بعد أيام قلائل للغاية من بدء خطوات الانسحاب النهائي للقوات الأمريكية، حيث واصل الرئيس بايدن تنفيذ اتفاق سلفه ترامب مع طالبان، ولكن خطأه الفادح قد تمثل في سوء تقدير بالغ لسيطرة طالبان على الحكم حيث قال قبلها بأسابيع قلائل «احتمال قيام طالبان باجتياح كافة المناطق والسيطرة على الدولة بأكملها أمر مستبعد للغاية»، ولكن ماحدث أن طالبان دخلت العاصمة كابل من دون إطلاق طلقة رصاص واحدة في 15 أغسطس 2021، وهرب الرئيس السابق أشرف غني الذي تولى منصبه لدورتين متتالين استهلهما في سبتمبر 2014، وخلف حامد كرزاي الذي تولى رئاسة أفغانستان لمدة 12 عاماً. وتشير مكالمة هاتفية ونشرت محتواها وكالة «رويترز» بين الرئيس بايدن وأشرف غني قبل سقوط كابل بأيام، إلى سوء التقدير الذي سيطر على الموقف الأمريكي حيث قال الرئيس بايدن خلال المكالمة «لديك أفضل جيش .. 300 الف مقاتل مقابل 70 أو 80 ألف»، ما يعني أن تقديرات البيت الأبيض على الأقل كانت تستبعد بالفعل فكرة انهيار وتفكك وهروب المقاتلين الأفغان من دون قتالن وهو ما أشار إليه لاحقاً الرئيس بايدن حين أبدى أسفه عن عدم إيمان هؤلاء بالدفاع عن بلادهم.
 
اتجاهات الدول المجاورة لأفغانستان
يمثل الوضع في أفغانستان مسألة بالغة الحيوية بالنسبة لجميع جوارها الجغرافي بالنظر إلى اعتبارات عدة متشابكة، دينية وعرقية وأمنية وسياسية واستراتيجية؛ فباكستان تبدو كأكثر الأطراف الاقليمية حاجة لاستقرار باكستان كي تتخفف من عبء نحو 4ر1 مليون أفغاني يقيمون فيها منذ سنوات طويلة، فضلاً عن أن باكستان تنظر منذ عقود إلى أفغانستان كأحد أبرز ملفات امنها القومي بالنظر إلى التداخلات العرقية والدينية والأيديولوجية التي تجعل هذا الملف رقماً صعباً في معادلات الأمن الاقليمي في قلب آسيا، حيث تنظر إسلام آباد إلى سيطرة حركة طالبان على الحكم من منظور صراع النفوذ والتنافس الاقليمي التقليدي بين القطبين النوويين في الجنوب الآسيوي، الهند وباكستان، بمعنى أن وجود طالبان يصب في مصلحة باكستان الاستراتيجية، كما أن هناك مصالح اقتصادية ضخمن يمكن أن تحققها باكستان في حال استقرار أفغانستان وبالأخص حال وجود طالبان في الحكم، حيث يمكن لأفغانستان أن تكون سوقاً ضخمة للصادرات الباكستانية، وتتحول كذلك إلى جسر تجاري حيوي بين باكستان وجمهوريات آسيا الوسطى.
 
أما روسيا التي تتذكر جيداً كيف لعبت الحرب في أفغانستان دوراً ما في انهيار وتفكك الاتحاد السوفيتي السابق، فتنظر إلى وجود حركة طالبان في حكم أفغانستان بعين الارتياب بالتأكيد ولكن السياسة الخارجية الروسية لم تعد كما كانت في الماضي قائمة على المشتركات الأيديولوجية بل باتت تعتمد كلياً على المصالح الاستراتيجية بغض النظر عن الاعتبارات الأخرى، لذا فإن علاقات روسيا مع النظام الثيوقراطي في إيران تبدو أحد أهم تحالفات روسيا الآسيوية، وهذا المعيار يمكن أن ينطبق على حركة طالبان في حال اثبتت قدرتها على حكم أفغانستان والتخلص من علاقاتها مع تنظيمات التطرف والارهاب واثبات جدارتها كشريك موثوق بالنسبة لروسيا، التي تضع أمن دول آسيا الوسطى الواقعة شمال أفغانستان في قلب اهتماماتها الاستراتيجية، وترى في الوقت ذاته أن انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان يعد مكسباً استراتيجياً مهما لموسكو كونه يحد من نفوذ واشنطن في منطقة تعتبرها روسيا مجالاً تقليدياً لنفوذها الحيوي، والقلق الرئيسي لروسيا هو ما إذا كانت أفغانستان قد تصبح ملاذاً آمناً للجهاديين من منطقة القوقاز، لا سيما عناصر تنظيم «داعش»، أعداء كل من روسيا وطالبان؛ لذلك، أدركت موسكو قوة طالبان وسارعت إلى التعامل معها حتى قبل بدء القوات الغربية بالانسحاب من أفغانستان. وفي ضوء الاشارات الايجابية المتبادلة بين روسيا وقيادات طالبان يمكن القول أن الطرفين قد طويا صفحة الماضي بل يمكن أن تتحول روسيا إلى أحد حلفاء طالبان الاستراتيجيين شريطة اطمئنان موسكو إلى قدرة طالبان على منع المتطرفين من تهديد حلفاء روسيا في آسيا الوسطى.
 
أما الصين فتبدو ـ حتى الآن ـ في وضعية الرابح الأكبر من انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، فابتعاد القوات الأمريكية عن الحدود الصينية هو بالتأكيد مكسب استراتيجي لبكين، التي تؤكد الشواهد أنها نجحت في التقارب مع حركة طالبان على قاعدة المصالح المشتركة، فالصين تريد من أفغانستان الاقتصاد والتجارة والأمن والشركات الصينية تدرك أهمية الثروات التعدينية في أفغانستان، بما في ذلك المعادن النادرة التي تدخل في صناعة الشرائح الدقيقة وغيرها من التقنيات المتطورة، حيث تُقدر احتياطات أفغانستان من هذه المعادن بنحو تريليون دولار، ولكن الواقع يؤكد أن انفتاح الشركات الصينية على أفغانستان سيكون مرهوناً بموقف الولايات المتحدة تجاه حركة طالبان، بمعنى أن تأزم العلاقات ووقوع طالبان تحت طائلة العقوبات الدولية أو الأمريكية لن يوفر للشركات الصينية أي مجال لتحقيق خططها بشأن الاستفادة من التعاون مع حركة طالبان، والفوز بنصيب الأسد من كعكة إعادة الإعمار في هذا البلد الذي يعاني نقصاً في جميع قطاعات البنى التحتية، فضلاً عن كون افغانستان يمكن أن تعزز الشراكة الصينية مع إيران وباكستان ضمن مبادرة الحزام والطريق.
 
إيران بدورها تنظر إلى انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان باعتباره انتصار استراتيجي لها، لاسيما ان إيران تقيم علاقات تعاون مع قادة طالبان منذ سنوات، حيث تحرص طهران على التفاهم مع طالبان في إطار الحرص على الجسور القائمة بين إيران واقلية الهزارة الأفغانية الشيعية، كما أن إيران ستبذل اقصى جهودها للوصول إلى المعدات العسكرية التي تركتها القوات الأمريكية في أفغانستان من أجل الاستفادة من التقنيات والتكنولوجيا الأمريكية المتقدمة بغض النظر عما إذا كانت هذه المعدات تعمل بالفعل أم تم اعطابها وشل قدرتها على العمل قبل الانسحاب . ولكن استشراف مستقبل علاقات إيران مع طالبان يبدو رهن علاقات الأخيرة مع القوى الغربية الكبرى، بمعنى عزلة طالبان دولياً تصب في مصلحة إيران والعكس صحيح، ناهيك عن أن إيران أيضاً لديها هاجس اللاجئين الأفغان الذين يبلغ عددهم نحو 780 ألأف لاجىء يقيمون على الحدود الايرانية الأفغانية.
 
أما موقف العواصم الغربية تجاه طالبان، فلا يبدو المشهد قاتماً ولكن هناك إجماع على انتظار أفعال طالبان وتصرفاتها خلال المرحلة المقبلة، لذا فإن الكرة في ملعب الحركة ورهن قدرتها على طمأنة العالم بشأن طي صفحة الماضي والتصرف وفق نهج جديد يحظى بقبول دولي، وهنا يمكن الاشارة إلى أن العالم يراقب سلوكيات طالبان تجاه ملفات محددة أبرزها حقوق الانسان، والمرأة والاقليات على وجه التحديد، والحفاظ على الإنجازات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمواطنين الأفغان، وكذلك مدى التزام طالبان بتنفيذ التزاماتها ولا سيما الأمن ومكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات.
 
الأرباح والخسائر في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية
تعهد الرئيس جو بايدن بسحب القوات الأمريكية من أفغانستان بحلول 11 سبتمبر من هذا العام، وكان هذا الميعاد بمنزلة تأجيل للموعد النهائي الذي كان قد وافق عليه سلفه الرئيس السابق دونالد ترامب، والذي كان من المقرر أن يكون في الاول من مايو، واعتبر الرئيس بايدن أنه قد حان الوقت لانهاء «أطول حرب خاضتها أمريكيا»، حيث بدأت هذه الحرب في أكتوبر 2001 واستهدفت الاطاحة بحركة «طالبان» من الحكم عقب اعتداءات 11 سبتمبر، حيث آوت الحركة قيادات وعناصر تنظيم «القاعدة» المسؤول عن تلك الاعتداءات الارهابية،  
وبحسب بيانات أمريكية، فإن ذروة عدد القوات الأمريكية المشاركة في أفغانستان قد تحققت في عامي 2010، 2011، حيث زادت أعداد القوات عن مائة ألف جندي، شاركوا سواء في محاربة طالبان أو عمليات إعادة الإعمار، بخلاف اعداد القوات الخاصة والمتعاقدين الأمنيين، وانخفض العدد حتى بلغ 4 آلاف جندي في ديسمبر 2020، وتشير أرقام رسمية إلى أنه بين عامي عندما كان هناك أكثر من 100 ألف جندي أمريكي في أفغانستان، ارتفعت تكلفة الحرب إلى ما يقرب من 100 مليار دولار سنويا، وفقا لأرقام الحكومة الأمريكية. وبحلول عام 2018 بلغ الإنفاق السنوي نحو 45 مليار دولار، بحسب ما قاله مسؤول كبير في البنتاغون للكونغرس الأمريكي في ذلك العام. ووفقا لوزارة الدفاع الأمريكية بلغ إجمالي الإنفاق العسكري في أفغانستان (من أكتوبر عام 2001 وحتى سبتمبر عام 2019) 778 مليار دولار. وبالإضافة إلى ذلك، أنفقت وزارة الخارجية الأمريكية، إلى جانب الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (US AID) ووكالات حكومية أخرى نحو 44 مليار دولار على مشاريع إعادة الإعمار.   وبذلك تبلغ تكلفة التدخل الأمريكي في أفغانستان خلال الفترة من 2001 حتى 2019، طبقاً لتقديرات رسمية، نحو 822 مليار دولار، لكن تلك الأرقام لا تشمل بطبيعة الحال تكلفة العمليات العسكرية المساندة أي التي نفذها الجيش الأمريكي من قواعد تقع في دول أخرى خارج أفغانستان، وقدرت دراسة أجرتها جامعة براون عام 2019 حجم الانفاق الأمريكي على العمليات العسكرية في أفغانستان وباكستان بنحو 978 مليار دولار. والمؤكد أن هناك تقديرات مختلفة للتكلفة الاجمالية لهذه الحرب، سواء لاختلاف الأساليب المحاسبية كما تشير دراسات أمريكية، أو بسبب صعوبة التحقق من الأرقام الخاصة بحجم الانفاق العسكري نظراً لطبيعة العمليات العسكرية في هذا البلد. وتظهر البيانات الرسمية أنه منذ عام 2002 انفقت الولايات المتحدة حوالي 143 مليار دولار على أنشطة إعادة الإعمار في أفغانستان، منها نحو 88 مليار دولار انفقت على بناء قوات الأمن الأفغانية بما فيها الجيش وقوات الشرطة، وخُصص مبلغ 36 مليار دولار لغرس مبادىء الحكم الرشيد والتنمية بمختلف أشكالها، وخُصصت مبالغ أخرى أقل لجهود مكافحة المخدرات والمساعدات الانسانية. والإشكالية أن الكثير من هذه الأموال قد اهدرت بسبب الفساد وغياب المحاسبة، حيث يشير للكونغرس الأمريكي في أكتوبر عام 2020، إلى أن هيئة الرقابة المسؤولة عن الإشراف على جهود إعادة الإعمار في أفغانستان قدرت أن حوالي 19 مليار دولار قد ضاعت بهذه الطريقة بين مايو من عام 2009 و 31 ديسمبر من عام 2019.
 
وبخلاف الخسائر المادية الباهظة وأعداد الضحايا من العسكريين والمدنيين الأمريكيين والاصابات، والتي سبقت الاشارة إليها هناك خسائر بشرية أفغانية بين العسكريين والمدنيين، حيث أشار الرئيس الأفغاني السابق أشرف غني في عام 2019 إلى أن أكثر من 45 ألأف عنصر من قوات الأمن الأفغانية قد قتلوا خلال الفترة من 2014 ـ2019،  بينما قدر بحث لجامعة براون في عام 2019 الخسائر في الأرواح بين الجيش الوطني والشرطة في أفغانستان بأكثر من 64100 عنصر منذ أكتوبر عام 2001. وبالاضافة إلى ماسبق قدرت بعثة الأمم المتحدة الانسانية في أفغانستان الخسائر بين المدنيين الأفغان بنحو 111 ألف بين قتيل وجريح منذ عام 2009. 
 
هذه الخسائر والتكلفة الباهظة، بشرياً ومادياً، دفعت الكثيرين للتساؤل عن جدوى هذه الحرب وحسابات المصالح الاستراتيجية الأمريكية فيها، وطرحت النقاشات البحثية العديد من التساؤلات حول تأخر قرار الادارات الأمريكية المتعاقبة (أربع رؤساء) بشأن سحب القوات من أفغانستان رغم عدم وجود أهداف يمكن تحقيقها وغياب الرؤية الاستراتيجية الداعمة لهذه العملية التي تحولت بمرور السنوات إلى استنزاف للخزانة الأمريكية بعدما بلغت تكلفة الحرب مايقرب من تريليون دولار، وانتهت إلى مشهد فوضوي اعتبره الكثيرون هزيمة للولايات المتحدة ومؤشر على انحسار نفوذها الاستراتيجي العالمي!
ويرى فريق من الخبراء أن التدخل العسكري الأمريكي في أفغانستان كان مبرراً وقتذاك في ضوء ايواء حركة “طالبان” قيادة تنظيم “القاعدة” ورفضها تسليمهم للولايات المتحدة رغم تورطهم في تدبير وتنفيذ اعتدارات 11 سبتمبر 2001، فضلاً عن أن الواقع يقول أن هذا التدخل قد دمر نقاط تمركز تنظيم “القاعدة” في أفغانستان وقضى على قدرة التنظيم على شن عمليات ارهابية كبرى وتكرار مأساة 11 سبتمبر، ولكن هذا النجاح لا يخفي حجم التكلفة الباهظة التي تحملتها الولايات المتحدة وحلفاء الناتو، حيث فقدت بريطانيا ـ على سبيل المثال ـ نحو 450 جندياً من قواتها ناهيك عن الخسائر المادية، كما يمكن القول أن هذا التدخل لم ينجح في تحقيق الأمن والاستقرار في أفغانستان، حيث تواصل العنف بوتائر مختلفة طيلة العقدين السابقين، وانتهى الأمر إلى عودة حركة طالبان إلى تصدر المشهد مجدداً إثر خروج القوات الأمريكية. ولكن لابد من الاشارة إلى أن عودة طالبان للسيطرة على الحكم في أفغانستان لم يكن لهزيمة عسكرية كارثية كما تقول بعض الآراء، ولكن الانسحاب قد تم بموجب اتفاق تم التوصل إليه في الدوحة بين الولايات المتحدة وممثلي حركة طالبان، والخطأ الاستراتجي الذي وقعت فيه الإدارة الأمريكية قد تمثل بالأساس في مشهد الانسحاب الذي طغت عليه الفوضى في مطار كابل، حيث أصابت الصور التي التقطت لتساقط بعض الأفغان العالقين بطائرة أمريكية تقل المدنيين الراغبين من الخروج من البلاد خوفاً من حركة “طالبان”، أصابت هذه الصور سمعة الولايات المتحدة في مقتل وأثرت بالسلب كثيراً عليها حتى أنها قوبلت بانتقادات حادة للغاية من أقرب حلفاء الولايات المتحدة الأطلسيين. والمؤكد أن هناك سوء تقدير استراتيجي لمآلات الوضع في أفغانستان عقب الانسحاب الأمريكي، حيث كانت التوقعات تتجه لسيطرة طالبان على العاصمة بعد أشهر عدة، أي بنهاية العام الجاري، وكانت هناك ثقة نسبية بقدرة الجيش الأفغاني على عرقلة تقدم طالبان لبضعة أشهر، ولكن ما حدث أن القوات الأفغانية قد انهارت تماماً في غضون ساعات قلائل، واستسلمت أمام زحف طالبان وانتهي الأمر بهروب الرئيس السابق أشرف غني ورحيله عن البلاد متخفياً.  
 
الحاصل الآن أن هناك انقسام بين الخبراء والمتخصصين حول مآلات الوضع في أفغانستان على المديين القريب والمتوسط، حيث يرى البعض أن هناك الآن مجتمعاً مدنياً يستطيع لعب دور أكثر فاعلية في حياة الأفغان، وأن الثقافة الجديدة التي اكتسبها الأفغان قد دفعت “طالبان” للانفتاح من أجل ضمان السيطرة على الحكم، بينما يرى آخرون أن أفغانستان قد عادت أرضاً خصبة للعنف والتطرف وأن احياء العلاقة بين طالبان وتنظيمات الارهاب تبدو مسألة وقت وأن كل ما تعلنه الحركة من تغييرات ليس سوى عبارات تسويق سياسي وعلاقات عامة لن تجد طريقها للواقع إلا قليلاً، وبين هذا وذاك يمكن الاستناد إلى الواقع في القطع بأن ثمة تغيير قد حدث بالفعل في ثقافة الأفغان، ولكن المعضلة لا تزال تكمن في الأيديولوجيا التي تعتنقها حركة “طالبان” والتي تؤكد الشواهد ـ حتى الآن ـ أنها تتمسك بالثوابت وما تتحدث عنه من تغييرات يبقى حول أمور شكلية للغاية لا تزال هي الأخرى رهن الاختبار ويمكن التراجع عنها في أي وقت ، حيث يعتقد أن تطورات العلاقة بين حركة طالبان والمجتمع الدولي يمكن أن تحدد دفة الحكم الطالباني خلال الفترة المقبلة، بمعنى أن الحركة تصدّر للعالم خطاب قائم على حدوث تغيير في القناعات والأفكار عما كانت تعتنقه إبان فترة حكمها الأولى (1996 ـ2001) ولكن المؤكد أن هذا التغيير، رغم ما يؤخذ عليه من تحفظات جوهرية، يبدو مرهون إلى حد كبير بحصولها على الاعتراف والشرعية الدولية.
 
وفي هذا الإطار يمكن الاشارة إلى أن البيان التفصيلي الأول الصادر على لسان زعيم حركة “طالبان” الأفغانية هبة الله أخوند زادة بشأن الخطوط العريضة للسياستين الخارجية والداخلية للحركة، قد تضمن إعلان الالتزام بجميع تلك القوانين والقرارات والمواثيق الدولية التي “لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية، ولا تناقض قيمنا الوطنية”،  فالمعروف أن القوانين التي تخص إدارة علاقات الدول ببعضها ببعض لا تتعارض مع الأديان بشكل عام وليس فقط الشريعة الاسلامية، حيث يتحدث ميثاق الأمم المتحدة بمختلف بنوده وكذلك القوانين الدولية، عن أطر شمولية عامة تضمن علاقات ايجابية تهدف لتحقيق الأمن والاستقرار الدوليين،ومجمل القوانين الدولية لا تخرج عن نطاق الأحكام الشرعية، وبالتالي فالنص على مثل هذه الاستثناءات، ولاسيما مسألة القيم الوطنية، يعكس غالباً رغبة في زرع الافخاخ واستباق الأحداث والمواقف وهذه جميعها أمور لا تستقيم مع حالة من يسعى لطمأنة المجتمع الدولي والحصول على شرعية واعتراف دوليين. وكذلك الحال بالنسبة للسياسات الداخلية، تضمن بيان زعيم حركة “طالبان” ارتهان التزام الحركة بحقوق الانسان وأمن الاقليات بالضوابط الشرعية حيث تعهد باتخاذ خطوات وصفها بالجادة والمؤثرة فيما يتعلق بحقوق الانسان وبالأخص الاقليات والأطياف المحرومة “في ضوء ضوابط ومتطلبات الدين الإسلامي المبين”.
 
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2021-11-03 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2016-07-13
2013-01-01
2014-06-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره