مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2018-01-01

حصاد عام الخير 2017 .. إنجازات تنموية شاملة ودبلوماسية فاعلة

مع نهاية 2017 عام الخير تؤكد دولة الإمارات العربية المتحدة ريادتها ليس فقط في العمل الخيري والإنساني، وإنما كتجربة تنموية في محيطيها الإقليمي والدولي، بالنظر لما حققته من إنجازات ونجاحات في مؤشرات التنمية الاقتصادية والبشرية، ما يؤكد أنها تمضي بخطى ثابتة وواثقة نحو تنفيذ أهداف “رؤية 2021” التي تسعى لجعل الإمارات ضمن أفضل دول العالم بحلول مئوية الإمارات 2071، وفي هذا العدد تسلط “درع الوطن” الضوء على أبرز الإنجازات المحققة في عام الخير.
 
 لقد أعلن صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة -حفظه الله- عام 2017 عاماً الخير في دولة الإمارات العربية المتحدة، بهدف تعزيز ثقافة العطاء في المجتمع الإماراتي، وتنشئة الأجيال الحالية من أبناء الوطن على منظومة القيم والموروث الحضاري والشعبي الذي يشجع على العطاء والتضامن والتطوع من أجل الخير، وخلال هذا العام تم إطلاق العديد من المبادرات الإنسانية والخيرية التي كرست من ريادة الإمارات في العمل الإنساني، واستمراراً لمسيرة الخير والعطاء أعلن سموه 2018 ليكون عام زايد لإبراز السيرة العطرة لمؤسس دولة الاتحاد القوية الشيخ زايد طيب الله ثراه، والاقتداء بما تركة من قيم ومبادئ وطنية وإنسانية في مختلف مواقع العمل الوطني، كي تواصل الإمارات تقدمها في مختلف المجالات. ولأن تجربة التنمية في الإمارات تتسم بالاستمرارية، فقد تم خلال عام 2017 إطلاق «مئوية 2071»، والتي تشكل برنامج عمل حكومي طويل الأمد، للوصول بالإمارات كي تكون أفضل دولة في العالم وأكثرها تقدماً بحلول الذكرى المئوية لقيام دولة الإمارات العربية المتحدة وذلك في العام 2071.
 
أولاً: عام الخير .. تعزيز لريادة الإمارات في العمل الإنساني والإنمائي
لطالما مثلت الإمارات إحدى أهم ركائز العمل الخيري والإنساني على الصعيد العالمي، ليس فقط لمبادراتها المتعدِّدة التي تستجيب للتحديات الإنسانية التي تشهدها الكثير من مناطق العالم، سواء بسبب الأزمات والكوارث الطبيعية، أو بسبب الصراعات والنزاعات التي تخلِّف وراءها ملايين اللاجئين والنازحين وإنما أيضاً لمبادراتها الرائدة التي تستهدف تعظيم مردودات العمل الخيري والإنساني على الصعيد كافة، المحلية والإقليمية والدولية. ولا شك في أن مبادرة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، بإعلان 2017 (عام الخير) في دولة الإمارات العربية المتحدة، شكلت نقلة نوعية في مسار العمل الخيري والإنساني والإنمائي، خاصة أن هذه المبادرة تضمنت العديد من الأهداف النبيلة، كترسيخ ثقافة العطاء المجتمعي، لدى الأفراد والمؤسسات على حد سواء، كي تكون هذه الثقافة بمنزلة النهج الذي يحكم التفاعلات المجتمعية بوجه عام، وعلى النحو الذي يواكب رؤية القيادة الرشيدة التي تسعى إلى تشجيع أفراد المجتمع على فعل الخير في أي مجال، وتعزيز المسؤولية لدى الأفراد تجاه محيطهم الاجتماعي وتجاه الإنسانية بشكلٍ عام. 
 
وخلال عام الخير تم إطلاق العديد من المبادرات التي تعكس الوجه الخيري والإنساني للإمارات، كمبادرة(بنك الإمارات للطعام) التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، والتي تستهدف ترسيخ ثقافة العطاء والمسؤولية الاجتماعية والعمل التطوعي، إضافة إلى تحقيق معايير الاستدامة الدولية، وإرساء قيم الالتزام والمسؤولية المجتمعية فردياً ومؤسسياً؛ بل وستكون فرصة حقيقية من أجل توظيف الجهود باختلاف مستوياتها وأنواعها للإبداع في ما يتعلق بالمسؤولية الاجتماعية تجاه الآخرين، خاصة في هذا الوقت الذي يشهد صراعات وتوترات في مناطق عدة حول العالم.
 
وخلال عام الخير، واصلت دولة الإمارات دورها الريادي وجهودها الحثيثة من أجل إغاثة ومساعدة الشعوب المنكوبة، التي تتعرَّض لأزمات ومجاعات وظروف اقتصادية صعبة؛ فقد انخرطت كل مؤسسات الدولة وهيئاتها المعنية بالمساعدات التنموية والإنسانية، في أنشطة ومبادرات مستمرة من أجل تقديم المساعدات العاجلة إلى شعوب الدول الشقيقة التي تضرَّرت بفعل عوامل الصراعات المسلحة والأعاصير والكوارث الطبيعية أو موجات الجفاف، ففي اليمن عملت الإمارات على تخفيف معاناة الشعب اليمني الشقيق ومساعدته على تجاوز التحديات الإنسانية التي واجهته ولا تزال، من خلال  تيسير وصول المساعدات الإنسانية على نحو آمن ومن دون عوائق لتجنب تدهور الأوضاع الإنسانية هناك. وكانت الامارات على الدوام السباقة في تلبية النداءات العاجلة التي أطلقتها السلطات والشخصيات الاجتماعية في العديد من المناطق المحررة باليمن للتدخل الإنساني العاجل ونجدة الأسر المعوزة فيها، حيث سيرت مئات القوافل التي تحمل ألاف الاطنان من المواد الغذائية والإغاثية والتي كان لها بالغ الأثر في التخفيف من معاناة الاهالي الإنسانية. 
 
وبذلت الامارات جهود حثيثة في إعادة الإعمار في المناطق المحررة باليمن مقدمة دعما سخيا لمشاريع تأهيل قطاع البنية التحتية الاساسية التي شملت إمدادات التيار الكهربائي ومياه الشرب والصرف الصحي وغيرها من المرافق الخدمية المتنوعة. 
 
كما كان لها دورا رائدا في ترميم وإعادة بناء مراكز الشرطة والدفاع المدني في عدن وما حولها وتجهيزها بكل ما تحتاجه من آليات ومعدات حتى تقوم بدورها في حفظ الأمن والاستقرار على أكمل وجه. وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن مساعدات الإمارات للجمهورية اليمنية خلال الفترة من ابريل 2015 حتى نوفمبر 2017 قد بلغت نحو 9 مليارات و400 مليون درهم ما يعادل مليارين و560 مليون دولار أمريكي، واشتملت هذه المساعدات على مختلف القطاعات والجوانب الحياتية وهو ما يعكس حرص الإمارات وقيادتها الرشيدة على مستقبل الشعب اليمني والتخفيف من معاناته جراء السياسة التدميرية للمليشيات الحوثية والعمل على توفير كافة المقومات الأساسية لإعادة دورة الحياة الطبيعية في هذا البلد الشقيق. ونال دعم البرامج العامة الحصة الأكبر من قيمة المساعدات بمبلغ 4 مليارات و370 مليون درهم ما يعادل مليار و190 مليون دولار أمريكي فيما جاءت المساعدات السلعية في المرتبة الثانية بقيمة مليار و600 مليون درهم ما يعادل 436 مليونا و100 ألف دولار أمريكي.
 
كما تحركت الإمارات لتقديم المساعدات للشعب الصومالي الذي يواجه أوضاعاً إنسانية وإنمائية صعبة، وبتوجبهات من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وبدعم من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، أطلقت حملة (لأجلك يا صومال) لإغاثة ملايين المتضررين من الشعب الصومالي الشقيق، وقد شهدت هذه الحملة استجابة سريعة وكبيرة من جانب جميع فئات المجتمع، 
وواصلت دولة الإمارات العربية المتحدة خلال عام 2017 نهجها الإنساني في تخفيف معاناة اللاجئين ودعم الجهود الدولية والإقليمية لتوفير الحماية لهم والعمل على تحسين ظروفهم الإنسانية والصحية من خلال تقديم المساعدات الإنسانية والتنموية المختلفة، فكانت من أوائل الدول التي تحركت لإنقاذ لاجئي الروهينجا المسلمين، فقد قامت هيئة الهلال الأحمر الإماراتية، بتقديم مساعدات عاجلة للنازحين من الروهينجا الفارين من الأحداث المأساوية وأعمال العنف التي لحقت بهم في ميانمار، وعبروا إلى بنجلاديش نتيجة تطورات الأحداث في بلادهم. وطالبت الإمارات بضرورة اتخاذ موقف أممي ودولي عاجل وحازم لإيجاد حل إنساني وسياسي يحمي الأقلية المسلمة «الروهينجا» في ميانمار، من أعمال العنف والتشريد والعقاب الجماعي، التي تتعرض لها، معتبرة أن استمرار مأساتهم والمعاناة الإنسانية التي يعيشونها أمر غير مقبول على الإطلاق. 
 
الإمارات في صدارة الدول المانحة للمساعدات الإنمائية الرسمية 
تصدرت الإمارات دول العالم كأكبر المانحين الدوليين في مجال المساعدات التنموية الرسمية قياساً بدخلها القومي، وفقاً لتقرير لجنة المساعدات الإنمائية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، الذي صدر في شهر إبريل 2017، فقد جاءت الإمارات في صدارة الدول المانحة للمساعدات الإنمائية الرسمية قياساً بدخلها القومي الإجمالي، وبلغ حجم المساعدات الإنمائية الرسمية خلال عام 2016 نحو 15.23 مليار درهم بنسبة %1.12 من الدخل القومي الإجمالي، وأكثر من %54 من تلك المساعدات تم تقديمها على شكل منح. ولا شك في أن مجيء الإمارات في صدارة الدول المانحة للمساعدات الإنمائية لم يأتِ من فراغ، وإنما يمثل تتويجاً للمبادرات الإنسامية والإنمائية للقيادة الرشيدة، وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، التي لا تألو جهداً في الارتقاء بمردودات العمل الخيري والإنساني والإنمائي، بما يواكب مبادرة «عام الخير»، التي تستهدف نشر الخير ليس لأبناء وطننا الغالي فقط، وإنما في مختلف ربوع المعمورة أيضاً.
 
وقد تبوأت دولة الإمارات العربية المتحدة؛ بفضل نهجها الإنساني وعطائها السخي في مجال الدبلوماسية الإنسانية، مكانة مرموقة في العالم؛ ما أكسبها حضوراً إيجابياً فاعلاً إقليمياً ودولياً، فهي تقوم بدور متميز في تقديم المعونات والمساعدات المالية إلى الكثير من الدول النامية، إضافة إلى إسهامها في صناديق التنمية الإقليمية والدولية المختلفة؛ بما يحقق الأهداف الإنمائية للألفية، ومعالجة مشكلات الفقر في تلك الدول، ورفع مستوى المعيشة فيها من خلال تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة؛ ولهذا يحظى نهجها الإنساني والإنمائي بالإشادة والتقدير على النحو الذي أكده بيتر ماورير، رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر خلال زيارته للدولة في شهر نوفمبر 2017، حيث أشاد بالدور الحيوي الذي تقوم به الإمارات عبر تقديم الدعم الإنساني وسرعة استجابتها لنداءات الإغاثة في الأماكن المتضرِّرة، إضافة إلى برامجها التنموية المتواصلة في عدد من الدول، وخاصة فيما يتعلق بالصحة والتعليم.
 
ولا شكَّ في أن الفلسفة التي تنطلق منها الإمارات في ممارسة العمل الإنساني والإنمائي تعزز من مكانتها الدولية في هذا المجال؛ فهي تقدم مساعداتها الخارجية من منطلق إيمان تام بوحدة المصير الإنساني ومسؤولياتها الأخلاقية تجاه الشعوب التي تحتاج إلى الدعم والمساعدة، بعيداً عن أي اعتبارات سياسية، أو اعتبارات تتعلق بالعرق أو الدين أو المنطقة الجغرافية، حيث تقدم دعمها الإنساني إلى كل محتاج إليه بتجرد تام؛ وهذا ما يكسب نهجها في هذا الشأن مصداقية، ويجعلها عنواناً للخير والنجدة على المستوى العالمي تتوجه إليها الأنظار في كل مرة تتعرض فيها منطقة من مناطق العالم لأزمة أو كارثة تحتاج فيها إلى الدعم والمساندة، كما أنها تُعَدُّ أكثر الدول المانحة على الصعيد الدولي. 
 
ثانياً: دبلوماسية فاعلة ونشيطة تحافظ على مصالح الإمارات، وتدعم جهود الأمن والاستقرار 
واصلت الإمارات خلال العام 2017 دبلوماسيتها الفاعلة والحيوية، منطلقة من الثوابت والأسس التي أرساها المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ، طيب الله ثراه، فعززت هذه الدبلوماسية من مصالح الإمارات الخارجية، ودعمت أمنها الوطني الشامل وأسهمت في تنمية مقدراتها من القوة، وعززت مكانة الدولة على الساحة الدولية، إضافة إلى تحقيق الأمن والسلام والاستقرار في العالم، ويمكن الإشارة إلى أهم الإنجازات التي حققتها الدبلوماسية الإماراتية في العام 2017 على النحو التالي: 
 
1 - تعزيز علاقات الامارات العربية والإقلمية والدولية، وترسيخ شراكاتها مع القوى الكبرى الإقليمية والدولية، وهذا ما يتضح من التحرك الفاعل نحو القوى الكبرى إضافة إلى القوى الإقليمية المؤثرة والناشئة والاهتمام الكبير بتعزيز العلاقات مع الدول الآسيوية ودول إفريقيا وأمريكا اللاتينية وغيرها، حيث قام صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، خلال العام 2017 بالعديد من الجولات الخارجية التي أسفرت عن تعزيز علاقات الإمارات الخارجية، ففي شهر مايو 2017 قام سموه بزيارة مهمة للولايات المتحدة الأمريكية، وأجرى مباحثات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عززت من مسيرة العلاقات بين الدولتين، وأكد سموه في هذا الشأن: «إن العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، علاقات تحالف وشراكة استراتيجية قديمة، تستند إلى تاريخ طويل من الروابط العميقة في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، وغيرها، وتقوم على قاعدة صلبة من الاحترام المتبادَل والمصالح والقيم المشتركة». كما استقبل سموه في شهر مايو المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وأجريا مباحثات مهمة، تم الاتفاق خلالها على تطوير العلاقات الثنائية بين الدولتين في المجالات المختلفة، وفي شهر يونيو 2017 قام صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، بزيارة إلى فرنسا، وأجرى مباحثات مع الرئيس إيمانويل ماكرون حول العلاقات الثنائية، والقضايا الإقليمية والدولية الأخرى. 
 
هذا إضافة إلى الكثير من الجولات الخارجية التي قام بها سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي إلى العديد من دول العالم والتي أسهمت في تعزيز شراكات الإمارات الخارجية مع هذه الدول في المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية. في السياق ذاته فإن الإمارات استقبلت العديد من قادة وزعماء العالم خلال العام 2017، الذين أشادوا بنموذج الإمارات التنموي والسياسي، وأكدوا حرصهم على تعزيز العلاقات معها في المجالات كافة.
 
ولا شك في أن تنافس دول العالم على إقامة علاقات مع الإمارات في المجالات المختلفة، وحرص القوى الكبرى على تعرف رؤاها تجاه القضايا الإقليمية والعالمية إنما هو تأكيد على الثقة في توجهاتها السياسية الحكيمة ومواقفها الهادئة والمتوازنة، وهذا ما عبر عنه بوضوح صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة حفظه الله في كلمته بمناسبة اليوم الوطني السادس والأربعين بقوله:» لقد أثبتت التجربة سلامة النهج الذي اتخذته سياستنا الخارجية منذ تأسيس هذه الدولة، وهو نهج تميز بالنشاط والحضور القوي على الساحتين الإقليمية والدولية، بما يخدم مصالحنا الوطنية، ويصون سيادة دولتنا، ويفعل منظومة التعاون الخليجي؛ ويوثق مساعي التكامل العربي؛ ويسهم في تطوير نظام دولي أكثر عدلا وإنصافا، إلى جانب المشاركة الإيجابية في كل ما من شأنه دعم التعاون الدولي في مواجهة التحديات المشتركة».
 
2 - المشاركة الفاعلة في مختلف الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى تعزيز أسس الأمن والاستقرار الاقليمي، وإيجاد حلول للأزمات والقضايا المختلفة، حيث تدرك الإمارات أهمية التعاون بين دول المنطقة من أجل التصدي للمخاطر والتهديدات المشتركة، ومساعدة الدول التي تواجه أزمات مختلفة في تجاوزها كي تتفرغ لعملية البناء وإعادة التعمير وبما يلبي مصالح شعوبها وحقها في الأمن والازدهار. ولأجل هذا نشطت الدبلوماسية الإماراتية خلال العام 2017 ودعمت جهود الحل السياسي لأزمات وقضايا المنطقة المختلفة، في ليبيا وسوريا واليمن والصومال، لأنها تؤمن أن التوصل إلى حلول سياسية شاملة وإعادة الاستقرار إلى هذه الدول سيكون ممكناً إذا ما تم التصدي للتدخلات الإقليمية في الشأن العربي وقطع الدعم بكافة أشكاله عن الجماعات المتطرفة والإرهابية. وواصلت الإمارات دورها الفاعل ضمن التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية الحكيمة على المسارين السياسي والإنساني دون كلل أو تقصير من خلال تلبية الاحتياجات الإنسانية والتنموية للشعب اليمني خاصة النساء والأطفال وإعادة الاستقرار إلى اليمن.
 
3 - الانخراط الفاعل في جهود مكافحة الإرهاب على الصعيدين الإقليمي والدولي، من خلال استراتيجية شاملة ترتكز على تعزيز قيم التسامح والوسطية والاعتدال وقبول الآخر والعمل على تجديد الخطاب الديني وإبراز الصورة الحضارية لديننا الإسلامي الحنيف والمشاركة الفاعلة في أي جهود إقليمية ودولية لمواجهة قوى التطرف والإرهاب لأننا نؤمن بأن الحرب على التطرف والإرهاب هي المعركة التي يجب الانتصار فيها؛ لأنها تتعلق بأمن شعوب المنطقة والعالم أجمع وسلامها وتنميتها واستقرارها كما أنها معركة العالم أجمع لأن الإرهاب خطر عالمي داهم لا يستثني أحدا ولذلك فإن مواجهته يجب أن تكون مشتركة وشاملة.
 
واتخذت الإمارات إجراءات وتدابير مشتركة تهدف إلى كشف ومحاسبة الدول الداعمة والممولة للإرهاب، لذلك اتخذت دولة الإمارات مع كل من الأشقاء في المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية ومملكة البحرين تدابير تهدف إلى وقف دعم دولة قطر للتطرف والإرهاب ودفعها لتغيير سلوكها الذي يسعى إلى زعزعة استقرار المنطقة. هذا فضلاً عن مبادرات الإمارات البناءة لمواجهة التطرف والإرهاب، والتي تتصدى للأيديولوجيات الهدامة وتعمل على تعزيز قيم الوسطية والاعتدال وقبول الآخر. ولهذا تحظى مواقف وسياسات الإمارات بالتقدير من جانب الدول العربية، شعوباً وحكومات، ومن جانب المجتمع الدولي، باعتبارها عاملاً رئيسياً في تعزيز مرتكزات الأمن والاستقرار في المنطقة. 
 
4 - تعزيز قوة الإمارات الناعمة: تحظى دولة الإمارات العربية المتحدة بتقدير إقليمي ودولي متزايد نتيجة التقدير الإقليمي والدولي المتزايد لدبلوماسيتها الهادئة والمتزنة التي تعزز الأمن والسلم في المنطقة والعالم، وبما تقدمه من مبادرات تتعاطى بشكل فاعل ومؤثر مع القضايا التي تستحوذ على الاهتمام العالمي في المجالات كافة، الاقتصادية والأمنية والثقافية والاجتماعية، بل إن النموذج الإماراتي في التعايش بات مصدر إلهام للعديد من دول المنطقة والعالم، ليس فقط لأنه يضمن لما يزيد على مائتي جنسية العيش بأمان وسلام على أراضيها، وإنما أيضاً لأنه يجسد منظومة القيم الإيجابية التي تؤمن بها الإمارات وتطبقها في سياستها الخارجية، وهي الانفتاح على الثقافات العالمية المختلفة، من منطلق إدراكها بأن هذه الثقافات تتشارك جميعها في المساهمة في التقدم الحضاري والإنساني على المستويات كافة. 
 
ولا شك في أن الصورة المشرقة التي تكونت عن الإمارات في الخارج، باعتبارها طرفاً فاعلاً ومؤثراً في السياسات الإقليمية والدولية التي تستهدف تعزيز أسس الأمن والاستقرار والتنمية والسلام، لم تأت من فراغ وإنما بفضل ما تمتلكه قيادتها الرشيدة من رؤية واضحة بعيدة النظر، تركز على التنمية وتحقيق الرفاهية الاجتماعية والإنسانية ليس للمواطن الإماراتي على المستوى الداخلي وحسب، بل لجميع شعوب بلدان العالم، وبخاصة تلك التي تعاني ويلات الحروب والكوارث الطبيعية، إضافة إلى دعواتها المستمرة للحوار والسلام والتعاون في مواجهة التحديات المشتركة على الصعيدين الاقليمي والدولي، وكذلك بفضل دبلوماسيتها الفاعلة والنشطة التي تعكس الوجه الحضاري والإنساني للإمارات، وتبرز قوتها الناعمة وما تتميز به من موروث ثقافي وحضاري وقيمي، وهذا ما أشار إليه بوضوح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، لدى أداء عدد من سفراء الدولة الجدد المعينين لدى عدد من الدول الشقيقة والصديقة، اليمين القانونية أمام سموه خلال العام 2017 فقد وجّه سموه السفراء “أن يكونوا رسل محبة وخير وسلام لدولة الإمارات العربية المتحدة في الدول التي سيمثلون فيها الإمارات، وأن يعملوا بجد وتفانٍ على توطيد العلاقات السياحية والثقافية والتجارية بين دولة الإمارات العربية المتحدة وهذه الدول الشقيقة والصديقة، مع مراعاة الحفاظ على المصالح الوطنية العليا لشعبنا، وترسيخ السمعة الطيبة للإمارات في الأوساط الرسمية والشعبية في الدول المعنية”.
 
ولا شك في أن علان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، في شهر أبريل 2017، عن تشكيل “مجلس القوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة”، الذي يختص برسم السياسة العامة، واستراتيجية القوة الناعمة للدولة، سيشكل نقلة نوعية على طريق إبراز الصورة الحضارية للإمارات وما تمثله من نموذج فريد في التنمية الشاملة والمستدامة بمكوناتها المختلفة، السياسية والاقتصادية والثقافية والمجتمعية، خاصة أن هذا المجلس يعبر عن رؤية استشرافية وواقعية لما يجب أن تكون عليه سياسة الدولة الخارجية والوسائل المتنوعة التي يمكن استخدامها في ممارسة هذه السياسة، وضرورة استخدام القدرات التي تملكها الدولة بحدها الأقصى خدمة لمصالحها وترسيخ مكانتها العالمية. ولعل أحد أهداف مجلس الإمارات للقوة الناعمة هي العمل على تطوير أدوات جديدة لإيصال قصة دولة الإمارات وتفردها إلى شعوب العالم كافة، بما يليق بمنجزات الدولة، ويحقق مصالحها ورؤية قيادتها الرشيدة في أن تكون أفضل دولة في العالم سمعةً ومكانةً واحتراماً.
 
وقد تم تكليف مكتب الدبلوماسية العامة في وزارة شؤون مجلس الوزراء والمستقبل بمهام إعداد استراتيجية القوة الناعمة، بالتنسيق مع الجهات المعنية، وتقديم الدعم الفني والإداري لمجلس القوة الناعمة لدولة الإمارات. وسيكون مجلس القوة الناعمة لدولة الإمارات مرجعية رسمية لتقديم الرأي والمشورة حول التوجهات والمبادرات المقترحة، ضمت منظومة الدبلوماسية العامة لدولة الإمارات، بما يضمن ترسيخ منجزات الإمارات وطموحاتها ودورها المركزي، إقليمياً ودولياً، في العلوم والثقافة والفنون والسياحة والتجارة والمبادرات الإنسانية، أو غيرها من المجالات، وإبرازها للرأي العام الرسمي والشعبي في العالم، لتكون مرآة لمسيرة الإمارات وإرثها الحضاري ودورها الحيوي. 
 
ثالثاً: التأسيس لبناء اقتصاد مستدام يواكب الانتقال لمرحلة ما بعد عصر النفط
قطعت دولة الإمارات خلال العام 2017 مرحلة متقدمة على طريق التأسيس لبناء اقتصاد يتصف بالاستدامة والتطور لمواكبة مرحلة ما بعد عصر النفط، فواصلت جهودها الرامية إلى  تقليص اعتماد الاقتصاد الوطني على النفط إلى الحدود الدنيا، وتوسيع نسبة مساهمة القطاعات غير النفطية إلى الحدود القصوى، وإبعاد الاقتصاد الوطني عن شبح التعرض لأي اهتزازات غير مأمونة العواقب في حال تعرضت تلك الموارد إلى النضوب في المستقبل؛ وذلك من أجل تمكين الاقتصاد الوطني من بناء قدراته الذاتية، وتوسيع قاعدته الإنتاجية بعيداً عن النفط أو أي مورد غير مستدام، وتضمن جهود الإمارات في هذا الشأن:
 
1 - الاهتمام بتطوير الصناعة الوطنية: لا شك في أن اهتمام دولة الإمارات العربية المتحدة المتزايد بالصناعة ينطلق من منظور استراتيجي إلى المستقبل وفي إطار سياسة التنويع الاقتصادي التي تعتبر المفتاح الرئيسي في استعدادات الدولة لمرحلة ما بعد النفط، ولهذا فإن دولة الإمارات منحت الصناعة أولوية قصوى في إطار خططها لتصحيح الهيكل الإنتاجي وتقليص الاعتماد على قطاع النفط والغاز وإرساء الأسس السليمة لاقتصاد قوي باعتبار أن الصناعة طبقا للمقاييس الاقتصادية الدولية هي القطاع المؤهل الذي يشكل رافعة لجهود التنمية الشاملة لما يتوفر عليه من عوامل تساعده على ذلك مثل توفر رؤوس الأموال وتواجد المواد الأولية والطاقة واليد العاملة وغيرها من العوامل الأساسية. وقد جاء اهتمام الدولة بالتنمية الصناعية في إطار رؤية شاملة تهدف إلى إيجاد قطاع صناعي قادر على قيادة مسيرة التنمية الوطنية وتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال السلع الضرورية وبالتالي زيادة مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي.
 
2 - الاستثمار في قطاع الطاقة المتجددة والنظيفة: تولي دولة الإمارات العربية المتحدة أهميّة بالغة لموضوع الطاقة النظيفة، وقد تنبّهت منذ قيام الاتحاد على يد المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، إلى أهميّته، ولذلك فقد تبنّت في وقت باكر رؤية تنموية استراتيجية محورها تنويع مصادر الطاقة والتحوّل إلى الطاقة النظيفة بالاعتماد على مصادر الطاقة المتجدّدة. وقد بذلت الدولة جهوداً غير مسبوقة على مستوى المنطقة، وربما العالم، من أجل تحقيق هذه الرؤية والانتقال بها إلى أرض الواقع، فتبنّت الخطط وأطلقت البرامج والمبادرات التي تهدف إلى تحقيق الاستدامة وتوفير حياة آمنة ونظيفة ومستدامة للأجيال الحالية والقادمة والمحافظة في الوقت نفسه على البيئة المحلية والمحيطة. 
 
ولعلّ إعلان الحكومة، مطلع العام 2017، استراتيجية الدولة للطاقة خلال العقود الثلاثة المقبلة، التي تهدف فيما تهدف إلى رفع مساهمة الطاقة النظيفة في إجمالي مزيج الطاقة المنتجة في الدولة إلى %50، بحلول عام 2050، من خلال تبني مخرجات استراتيجية الطاقة 2050، والتي ستضع دولة الإمارات العربية المتحدة في مصاف العالم المتقدّم، وبما يضمن استدامة النمو في المجالات كافة، هو خير دليل على هذا الاهتمام الكبير والإصرار على التحول إلى الطاقة النظيفة. وقد تحققت نجاحات مشهود لها في هذا المجال أظهرتها العديد من المؤشرات الإقليمية والدولية المتخصّصة، وتعزز موقع الإمارات كدولة رائدة وقائدة على مستوى عربي وإقليمي في هذا الشأن؛ وهي تتصدر الوطن العربي، ومنطقة الشرق الأوسط بأكملها، كما أنها تتبوأ موقعاً متقدّماً أيضاً على مستوى عالمي ضمن قائمة أكبر الدول التي تقود العالم في التحول إلى الطاقة النظيفة، وهناك توسّع ونمو كبيران في الاعتماد على الطاقة المتجدّدة من أجل الوصول إلى الهدف النهائي وهو الاعتماد بشكل رئيسي على مصادر الطاقة النظيفة ومن بينها الطاقة الشمسية التي تمتلك الإمارات قدرات وإمكانات كامنة ومتميزة لأن تكون بالفعل رائدة؛ وقائدة في هذا المجال. وفي هذا السياق جاء افتتاح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، في شهر سبتمبر 2017، أكبر مشروع للطاقة الشمسية المركَّزة في العالم بنظام المنتج المستقل في موقع واحد، بقدرة 700 ميجاوات وبتكلفة تصل إلى 14.2 مليار درهم، ضمن المرحلة الرابعة في «مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية» في دبي، ودعماً لأهداف استراتيجية دبي للطاقة النظيفة 2050. ويأتي إعلان هذا المشروع الضخم في إطار الرؤية الاستراتيجية للقيادة الرشيدة وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، في أن تكون الإمارات نموذجاً للاقتصاد الأخضر الذي يقوم على الاستدامة البيئية والطاقة النظيفة.
 
3 - الانخراط في مجال صناعة الفضاء: تعتبر استراتيجية “البرنامج الوطني للفضاء”، التي اعتمدها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، في عام 2017 أكبر خطة علمية متكاملة من نوعها في المنطقة، وتمثل من دون أدنى شك إسهاماً إماراتياً رائداً، كمًّا ونوعاً، في مجال تطوير علوم الفضاء وصناعاته؛ فهو برنامج ضخم من حيث العدد اللافت الذي يتضمنه من مشروعات ومبادرات تمثل في الوقت نفسه إضافة غير مسبوقة لقطاع الفضاء العربي، بل حتى العالمي، لعلَّ أبرزها إعداد رواد فضاء إماراتيين، وخطة طويلة الأمد حتى عام 2117 لبناء أول مستوطنة بشرية على كوكب المريخ، والوصول بـ”مسبار الأمل” خلال السنوات الأربع المقبلة إلى الكوكب الأحمر، وإنشاء أول مدينة علمية لمحاكاة الحياة على كوكب المريخ، والبرنامج العربي لاستكشاف الفضاء، وإطلاق أكبر منتدى لعلماء المريخ في العالم، فضلاً عن مجمع تصنيع الأقمار الصناعية الذي أطلقه سموهما ضمن “مركز محمد بن راشد للفضاء”.
 
وضمن هذا الإطار جاء تأكيد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم -رعاه الله- أن “مشروع الإمارات للفضاء رسالة لعالمنا العربي بقدرة أبناء المنطقة على المنافسة عالمياً”. مضيفاً سموه “هدفنا أن نقول للعالم نحن قادرون على أن نسـهم في سباق الحضارات، وتقديم إسهامات علمية ومعرفية جديدة للبشرية”. في حين أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان “نريد الإسهام بدور فاعل في رحلة البشرية إلى الفضاء، وستكون الإمارات أول دولة عربية تصل إلى المريخ، وستشكل مرجعاً متكاملاً لعلوم الفضاء وتقنياته وصناعاته في المنطقة أيضاً”.
 
ولا شكَّ في أن البرنامج الوطني للفضاء، الذي سيصب في جهود تنويع الاقتصاد والتحول إلى مجتمع المعرفة، هو ترجمة جليَّة وصريحة لمضيِّ الإمارات في نهج مؤسسيها القائم على أن الاستثمار في أبناء الوطن هو خير استثمار في حاضر الوطن ومستقبله. وفي هذا السياق جاء قول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إن “برنامجنا الوطني للفضاء يشكل أرضية صلبة لبناء كوادر إماراتية تخصصية في علوم الفضاء، ويهدف إلى تأهيل أجيال قادرة على عمل إضافات نوعية للمعرفة الإنسانية”، وتأكيد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان على أن “الاستثمار في الفضاء هو استثمار في عقول إماراتية وكوادر عربية وعلوم تخصُّصية تصل بدولة الإمارات لنجاحات جديدة”، مضيفاً سموه “إن دولة الإمارات مقبلة على مرحلة جديدة من الإنجازات العلمية، وسندعم أبناءنا للوصول إلى العالمية”.
 
4 - إطلاق استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي، في شهر أكتوبر 2017، من قبل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وهي الاستراتيجية التي تستهدف قطاعات حيوية عدة في الدولة، منها قطاع النقل من خلال تقليل الحوادث والتكاليف التشغيلية، وقطاع الصحة من خلال تقليل نسبة الأمراض المزمنة والخطرة، وقطاع الفضاء بإجراء التجارب الدقيقة وتقليل نسب الأخطاء المكلفة، وقطاع الطاقة المتجددة عبر إدارة المرافق والاستهلاك الذكي، وقطاع المياه عبر إجراء التحليل والدراسات الدقيقة لتوفير الموارد، وقطاع التكنولوجيا من خلال رفع نسبة الإنتاج والصرف العام، وقطاع التعليم من خلال التقليل من التكاليف وزيادة الرغبة في التعلم، وقطاع البيئة عبر زيادة نسبة التشجير وزراعة النباتات المناسبة. 
 
وتعد استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي الأولى من نوعها في المنطقة، من حيث القطاعات التي تغطيها، ونطاق الخدمات التي تشملها، وتكاملية الرؤية المستقبلية التي تستشرفها، حيث تسعى في الأساس إلى تطوير وتنظيم أدوات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بحيث تكون جزءاً لا يتجزأ من منظومة العمل الحكومي في الدولة، بما يسهم في مواجهة المتغيرات المتسارعة وتحقيق تطور نوعي في الأداء العام على المستويات كافة، عبر بناء منظومة رقمية ذكية كاملة ومتصلة تتصدى للتحديات أولاً بأول، وتقدم حلولاً عملية وسريعة، تتسم بالجودة والكفاءة. 
 
وتهدف استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي إلى أن تكون حكومة الإمارات الأولى في العالم، في استثمار الذكاء الاصطناعي بمختلف قطاعاتها الحيوية، وخلق سوق جديدة واعدة في المنطقة ذات قيمة اقتصادية عالية، ودعم مبادرات القطاع الخاص وزيادة الإنتاجية، بالإضافة إلى بناء قاعدة قوية في مجال البحث والتطوير، وأن يتم الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الخدمات وتحليل البيانات بمعدل 100% بحلول عام 2031، بحيث يتعين على جميع الجهات الحكومية في الدولة اعتماد الذكاء الاصطناعي، وذلك بما ينسجم ومئوية الإمارات 2071، الساعية إلى أن تكون دولة الإمارات الأفضل بالعالم في المجالات كافة. ومن شأن التطبيق الأمثل للذكاء الاصطناعي، في العمل الحكومي، أن يساعد في وضع استراتيجية تنبؤية تساعد في تطوير آليات وقائية، على سبيل المثال التنبؤ بالحوادث والازدحامات المرورية، بحيث يتم على ضوء ذلك وضع سياسات مرورية أكثر فاعلية.
 
ويمكن للحكومة مع الذكاء الاصطناعي أن توفر %50 من التكاليف السنوية للعمل الحكومي، سواء في ما يتعلق بخفض الهدر في عدد المعاملات الورقية، أو توفير ملايين الساعات التي يتم إهدارها سنوياً في إنجاز هذه المعاملات، كما يعمل الاستثمار الكفؤ في الذكاء الاصطناعي على توفير تكاليف النقل، وخفض كلفة إنجاز المشروعات، وتحقيق ارتفاع ملحوظ في الناتج المحلي الإجمالي.
 
5 - الاستثمار في تطوير التعليم لإعداد أجيال المستقبل التي تقود اقتصاد المعرفة: واصلت دولة الإمارات العربية المتحدة خلال العام 2017 اهتمامها الكبير بقضية التعليم، باعتباره الاستثمار الأمثل في المستقبل، والرهان الحقيقي للانتقال إلى مرحلة ما بعد عصر النفط، التي تستهدف بناء اقتصاد يقوم على المعارف والعلوم العصرية، ولهذا عملت الدولة على توفير البيئة المواتية لعملية تعليمية تأخذ بأرقى المعايير العالمية فيما يخص مرتكزات العملية التعليمية، سواء على مستوى تأسيس مدارس عصرية، أو فيما يتعلق بتأهيل المعلمين بشكل مستمر، أو فيما يتصل بتطوير مناهج التعليم. 
 
وتمضي دولة الإمارات العربية المتحدة بخطى ثابتة نحو بناء منظومة تعليم عصرية بمعايير عالمية، ولعل من الخطوات المهمة التي تم إعلانها خلال العام 2017 في هذا الشأن توحيد النظام التعليمي على مستوى الدولة ، الذي يمثل نقلة نوعية في مسار التطوير والتحديث نحو تقديم تعليم عصري لأبنائنا الطلاب بمعايير عالمية، يسهم في بناء مجتمع الإبداع والابتكار ويخدم توجه الإمارات نحو اقتصاد المعرفة، كما أن (الاستراتيجية الوطنية للتعليم العالي 2030) التي تم إعلانها في ختام الاجتماعات السنوية لحكومة دولة الإمارات في أبوظبي في شهر سبتمبر الماضي، تمثل إضافة مهمة نحو بناء منظومة تعليم عصرية، حيث تستهدف إعداد جيل المستقبل، وفق أفضل المستويات العلمية والمهنية، وتسعى إلى إعداد جيل إماراتي يحمل راية المستقبل، ويتمتع بأعلى المستويات العلمية والقيم الأخلاقية والإيجابية، بما يضمن الاستمرارية، وتأمين مستقبل سعيد، وحياة أفضل للأجيال القادمة، وتعزيز مكانة الدولة عالمياً في مجال التعليم.
 
رابعاً: الميزانية الاتحادية 2018 ... التركيز على الاستثمار في البشر
كان الاستثمار في بناء الإنسان، ولا يزال، أحد أهداف فلسفة التنمية الشاملة والمستدامة منذ عهد المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي كان يؤمن بأن الإنسان هو أساس أي عملية حضارية، لأنه محور كل تقدم حقيقي مستمر، وهو النهج نفسه الذي يسير عليه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، في مرحلة التمكين التي تستهدف تهيئة البيئة المبدعة اللازمة لتمكين الفرد المواطن من عناصر القوة اللازمة ليصبح أكثر إسهاماً ومشاركةً في مختلف مجريات الحياة الاجتماعية والسياسية والإنتاجية والمعرفية، ضمن رؤية واضحة ثابتة تنطلق من حقيقة أن الثروة البشرية هي الثروة الأغلى والاستثمار الأمثل نحو تحقيق أهداف الإمارات التنموية الطموحة خلال السنوات المقبلة.
 
ولقد جسدت الميزانية الاتحادية للوزارات والجهات الاتحادية المستقلة للأعوام (2021-2018)، التي اعتمدها مجلس الوزراء برئاسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في شهر نوفمبر 2017 خلال جلسة استثنائية للمجلس في معرض الشارقة الدولي للكتاب، هذه الفلسفة التنموية التي تعلي من قيمة الاستثمار في البشر، فميزانية العام 2018  التي تقدر بـ51 مليار درهم تم تخصيص %43.5 منها للتعليم والصحة وتنمية المجتمع، وهي القطاعات التي ترتبط بشكل مباشر بالمواطنين، ما يؤكد أن هذه الميزانية، كسابقاتها، تستثمر في بناء الإنسان الإماراتي في مختلف المجالات، وتركز بشكل رئيسي على توفير خدمات راقية مستدامة في مجالات الرعاية التعليمية والصحية والاجتماعية للمواطنين، وهذا ما عبر عنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بقوله: «إن الميزانية الاتحادية بكل خططها وبرامجها تأتي ترجمة لتوجيهات صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بتوفير الحياة الكريمة للمواطنين والمقيمين في دولة الإمارات، وصولاً إلى رؤية الإمارات 2021، وأهداف مئوية الإمارات 2071». 
 
مؤكداً سموه أن «سعادة شعبنا ورفاهيته في المقام الأول لأولوياتنا وسنعمل على توفير المتطلبات والميزانيات والخطط كافة لمصلحته فهم مستقبل هذه الدولة ورأس مالها، والمحافظة على المركز الأول لدولتنا وتقديم أفضل الخدمات وبأعلى المعايير ومن خلال تطبيق أفضل الممارسات المالية وحسن تقديمها لخدمة الوطن وأبنائه».
 
ولا شك في أن تخصيص نسبة كبيرة من الميزانية الاتحادية لعام 2018 لبرامج التنمية الاجتماعية إنما يؤكد بوضوح أن الهدف الأسمى الذي تحرص عليه القيادة الرشيدة في الإمارات، هو تحقيق تنمية مجتمعية مستدامة، تسهم في تعزيز سعادة أفراد المجتمع ورفاهيتهم، وترسيخ الموقع المتميز للدولة في مجال التنمية البشرية إقليمياً وعالمياً، وبما يحقق أهداف رؤية الإمارات 2021، التي تستهدف جعل الإماراتيين» يتمتعون برغد العيش، ويهنؤون بحياة مديدة وبصحة موفورة ويحظون بنظام تعليمي من الطراز الأول ونمط حياة متكامل تعززه خدمات حكومية متميزة، وتثريه أنشطة اجتماعية وثقافية متنوعة في محيط سليم وبيئة طبيعية غنية».
 
وواصلت الإمارات خلال العام 2017 سياستها الرامية إلى الاستثمار في تمكين المواطنين، باعتبارهم ثروة الوطن الحقيقية، وهذا ترجم في العديد من المبادرات التي تعم بالخير والفائدة على جميع أبناء الوطن ومختلف شرائح المجتمع الإماراتي، وهي مبادرات لا تقتصر على الخدمات الحكومية المتطوِّرة في المجالات الصحية والتعليمية والإسكان فقط، وإنما تمتد كذلك لتشمل تطوير سياسات التمكين للمواطنين وفتح آفاق الإبداع والابتكار كافة أمامهم. وهذا ما أكد عليه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله،  في كلمته بمناسبة اليوم الوطني السادس والأربعين في الثاني من ديسمبر 2017، حينما ثمن سموه الجهود المخلصة المبذولة من “ لجنة متابعة تنفيذ مبادرات رئيس الدولة “ وما حققته من نتائج ملموسة في تنفيذ أهدافها بتطوير البنى التحتية والخدمية والسكنية والمعيشية في إمارات الدولة كاف”، مؤكداً سموه أن الاستثمار في الإنسان هو جوهر الرؤية التنموية لدولتنا منذ تأسيسها وأن التركيز موجه بقوة لدعم التميز والابتكار والارتقاء بقدرات القوى البشرية المواطنة ومهاراتها.
 
إن اهتمام الإمارات بالاستثمار في العنصر البشري ينطلق من قناعة راسخة بأن الثروة البشرية هي الأغلى، لأنها هي التي تقود مسيرة التنمية والتطور في مختلف مواقع العمل الوطني، وهذا ما عبر عنه بوضوح صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في كلمته بمناسبة اليوم الوطني السادس والأربعين في الثاني من ديسمبر 2017، بقوله:” إننا نراهن على أبناء الوطن وشبابه في تنفيذ أهداف “مئوية الإمارات 2071” ونعدهم الثروة الحقيقية والدائمة لدولة الإمارات العربية المتحدة فهم عماد النهضة وركيزة التنمية وقادة المستقبل وقد أثبتوا بالفعل أنهم يمتلكون من العلم والفكر والثقة بالنفس ما يؤهلهم لحمل الأمانة وتحمل المسؤولية في مختلف مواقع العمل الوطني وسنواصل العمل على تمكينهم من خلال توفير التعليم العصري الذي ينمي لديهم ملكات الإبداع والابتكار ورعاية الموهوبين والمتفوقين وتبني أفكارهم ومخترعاتهم في المجالات المختلفة والعمل على تأهيلهم بشكل علمي سليم كي يكونوا قادرين على مواكبة متطلبات مرحلة ما بعد عصر النفط التي نسعي من خلالها إلى بناء اقتصاد وطني قوي ومستدام يعتمد على العلوم والمعرفة وعلى كوادر وطنية مؤهلة ومنفتحة على العالم وعلومه الحديثة لمواكبة مشروعات دولة الإمارات العربية المتحدة التنموية الطموحة في مختلف المجالات”.
 
خامساً: ريادة في مؤشرات التنمية البشرية والاقتصادية
استطاعت دولة الإمارات خلال العام 2017  أن ترسخ من مكانتها في التقارير الدولية الصادرة عن مؤشرات دولية ، فقد حصلت على المركز الأول عربياً والـ17 عالمياً في تقرير التنافسية العالمية 2017-2018، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس) في سويسرا، والذي يعد من أهم تقارير التنافسية العالمية التي ترصد بشكل سنوي أداء وتنافسية اقتصادات دول العالم، وضمن هذا التقرير جاءت الإمارات في المركز الأول عالميا في مؤشر “كفاءة الإنفاق الحكومي” وذلك بعد ان حافظت الدولة على المركز الثاني عالميا لثلاثة أعوام على التوالي، كما حافظت على تصنيفها ضمن أهم الاقتصادات العالمية، المبنية على الابتكار للسنة الـحادية عشر على التوالي، وحلت في المرتبة الأولى عربياً وإقليمياً في ترتيب مؤشر رأس المال البشري العالمي الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، بمعدل تطوير يصل إلى %65.48، ما يؤكد أنها تمضى بخطة ثابتة نحو بناء اقتصاد معرفي يعتمد على الإبداع والابتكار ، وأنها قادرة على تعزيز موقعها على خارطة الدول المتقدمة في غضون السنوات المقبلة.
 
 واحتلت الإمارات المرتبة الأولى عربياً، والعاشرة عالمياً للعيش والعمل، وفق استبيان عالمي أجراه بنك أتش أس بي سي، وشمل 46 دولة، وتصدرت مدينتا أبوظبي ودبي قائمة المدن الأفضل للعيش والعمل في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وفقاً لاستبيان أجراه موقع”بيت.كو” للتوظيف بالتعاون مع «يوجوف» لأبحاث السوق، وذلك استناداً إلى عوامل متعددة من بينها الاقتصادية والبيئية والاجتماعية والثقافية. كما تصدرت الإمارات خلال العام 2017 للمرة الرابعة قائمة الدول المفضلة للعيش لدى الشباب العربي، كما تصدرت قائمة الدول التي يرغبون لدولهم أن تحذو حذوها، وينظرون إليها باعتبارها “نموذجاً يُحتذى”، وكذلك بكونها “الوجهة المفضلة لتأسيس الأعمال”، وذلك بحسب نتائج العديد من استطلاعات الرأي المعتبرة. وما كان كل هذا ليكون لولا الإنجازات الباهرة التي حققتها الإمارات العربية المتحدة في مختلف المجالات، وخاصة المجالات التي تمثل أعمدة لتطور المستقبل، بما فيها التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. 
 
وحققت الامارات المركز الأول عربيا والـ 21 عالميا في مؤشر السعادة بحسب تقرير السعادة العالمي لعام 2017 الصادر عن معهد الأرض في جامعة كولومبيا بإشراف الأمم المتحدة ، وتربعت على المركز الأول كأكثر الدول ازدهارا في العالم العربي، بحسب مؤشر الازدهار العالمي الصادر عن مؤسسة ليجاتوم البريطانية، العريقة في مجال رصد رخاء الدول وازدهارها، وهي مؤشرات تشير في مجملها إلى أن الإمارات أصبحت من أكثر دول العالم جاذبية للعيش والإقامة، بالنظر لبيئة العمل المثالية التي توفرها للعمال وأصحاب الأعمال، وجهودها لتعزيز الحرية الاقتصادية، وتوفير أفضل ظروف العمل وممارسة النشاط الاقتصادي، كما تتيح للمستثمرين ورجال الأعمال إمكانية ممارسة أعمالهم من دون قيود أو إجراءات روتينية معقّدة، بما لا يضطرهم إلى بذل المزيد من الجهد والوقت، ولا يجبرهم على تحمّل أعباء مالية مرهقة.
 
إضافة إلى ما سبق، فقد تصدرت الإمارات بقية الدول العربية في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، واستحوذت على نسبة %23 من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى الدول العربية، في التقرير الصادر عن صندوق النقد العربي حول محددات الاستثمار الأجنبي في الدول العربية. كما احتلت الإمارات المرتبة الأولى عالمياً في ثمانية مؤشرات تنافسية، من بينها الكتاب السنوي للتنافسية العالمي، ومؤشر الابتكار العالمي، وتقرير السياحة والسفر العالمي، ومؤشر تنافسية المواهب العالمية، وهي مؤشرات تعكس في مجملها قوة الاقتصاد الإماراتي من ناحية، وسلامة السياسات والخطط الاقتصادية التي تتبناها الدولة من ناحية ثانية، ونجاحها في توظيف مواردها الاقتصادية بكفاءة عالية من ناحية ثالثة، حيث يحسب لدولة الإمارات العربية المتحدة أنها قدمت نموذجاً ناجحاً لدول المنطقة في كيفية تنويع مصادر الدخل بعيداً عن تقلبات أسعار النفط، لتأمين الديمومة لتقدُّمها الحضاري في كل مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتمضي الآن بخطى ثابتة وواثقة للانتقال إلى مرحلة ما بعد النفط التي عبر عنها بوضوح صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة قبل سنوات، خلال كلمته أمام الدورة الثالثة للقمة الحكومية في دبي، والتي قال فيها سموه: “إننا سنحتفل في عام 2050 بتصدير آخر برميل نفط”.
 
ولا شك في أن هذه المراتب المتقدمة التي حققتها الإمارات في هذه المؤشرات المختلفة إنما تمثل شهادة دولية دامغة على سلامة الرؤية التنموية التي تتبناها دولة الإمارات في ظل قيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، والتي تهدف إلى رفع مستويات المعيشة وتحقيق الرخاء والازدهار لمواطني دولة الإمارات والمقيمين على أرضها الطيبة.
 
سادساً: متحف اللوفر أبوظبي ... رسالة تسامح وأمل من الإمارات للعالم
جاء افتتاح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وفخامة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في شهر نوفمبر 2017 متحف اللوفر أبوظبي، ليشكل جسراً لتلاقي الثقافات والحضارات المختلفة، وهذا ما عبر عنه بوضوح صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، بقوله “أن متحف اللوفر أبوظبي علامة بارزة في مسار العلاقات المتميزة بين دولة الإمارات العربية المتحدة والجمهورية الفرنسية، خصوصاً على المستوى الثقافي”، وأشار سموه إلى أن” المتحف لا يكتسب أهميته في إطار العلاقات الإماراتية - الفرنسية فحسب.. وإنما تمتد دلالاته ومعانيه باعتباره جسراً ثقافياً بين الحضارات والشعوب”.
 
وأكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، أن الإمارات، بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، تعطي أهمية خاصة للثقافة في رؤيتها التنموية وعلاقاتها الخارجية، ما جعل منها مركزاً ثقافياً متميزاً في محيطها الإقليمي، ونموذجاً لتشجيع الحوار بين الحضارات والانفتاح على الثقافات، ومقراً للكثير من المعالم العلمية والثقافية العالمية. وقال سموه إن “رسالتنا التي نوجهها اليوم للعالم كله من خلال افتتاح هذا الصرح الثقافي والعالمي في دولة الإمارات العربية المتحدة، هي أن الثقافة كانت ولاتزال جسراً للتواصل والتعارف والحوار بين الشعوب والحضارات، وليست مصدراً للصدام أو الصراع كما يتوهم المتطرفون والمتشددون”. وأضاف سموه إن “افتتاح متحف اللوفر أبوظبي يوجه رسالة إيجابية من هنا.. من دولة الإمارات العربية المتحدة إلى العالم كله بأننا قادرون على صنع الأمل لشعوب هذه المنطقة، رغم ما تعانيه من حروب ونزاعات، وما نزفته على مدى السنوات الماضية من دماء وثروات”.
 
ولا شك في أن هذا المشروع الثقافي الحضاري، إن لم يكن الأضخم على مستوى المنطقة وربما العالم منذ عقود، يمثل رسالة أمل وتفاؤل وتسامح من أبوظبي إلى العالم، مفادها بأننا في دولة الإمارات العربية المتحدة، وفي الوطن العربي والعالم الإسلامي، مصرّون على استكمال ما بدأه أجدادنا في إنارة العالم علماً وحضارة بأرقى الأساليب. فهذه التحفة المعمارية الثقافية الجديدة التي قدّمتها أبوظبي إلى العالم هي رسالة إماراتية إلى العالم بأن ما يجمعنا أكثر مما يفرّقنا، وأن الفرصة ما زالت قائمة لنوحّد الرؤى والجهود ليلفظ العالم كل من يحاول أن يجرّد المعمورة وشعوبها من هذا التلاقي الحضاري الفطري الراقي الذي يصبّ في خير البشرية، علماً وثقافة وفناً ومحبّة وسلاماً وتعايشاً، ويسهم بقوة في رسم ملامح مستقبل أفضل للجميع، بل إن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، قد اعتبر أن متحف اللوفر أبوظبي سيشكل علامة فارقة في تاريخ المنطقة، قائلاً:” متحف اللوفر أبوظبي تحفة معمارية ومفخرة ثقافية ومحطة فنية ستجمع الشرق والغرب.. إنه يمثل قدرتنا على بناء جسور تواصل بين الحضارات في عالم يريدون له أن يكون صراعاً بين الحضارات، كما يمثل قدرتنا على محاربة الظلام بالنور ومحاربة الجهل بالفنون ومحاربة الانغلاق بالإبداع ومحاربة التطرف الفكري بالجمال الفني الذي أبدعته العقول البشرية منذ آلاف السنين”.
 
إن هذه الخطوة الحضارية الضخمة التي خطتها أبوظبي باحتضان هذا الصرح العالمي العريق، هي خطوة أخرى تعكس مدى عبقرية الإمارات في صناعة المستقبل، فهذا الصرح الباهر شكلاً ومضموناً، سيمثل أداة مهمة لفتح آفاق المجتمع الإماراتي على مناهل معرفية جديدة لن تسهم فقط في صقل التوجه الإماراتي لبناء مجتمع المعرفة القائم على الإبداع والابتكار، بل كذلك في تكريس النموذج الإماراتي المتفرّد في تقديس التسامح والتعايش كأسلوب حياة، كما سيمثل بلا شك رافداً مهماً للقوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة، لما سيؤديه من دور في تعزيز العلاقات الخارجية للدولة، والمكانة المرموقة التي تحظى بها على المستويين الإقليمي والدولي، خصوصاً أن هذا الإنجاز هو أحد أبرز أوجه جهود الإمارات المشهود لها في مجال حفظ التراث الإنساني من جهة، وتكريس ثقافة حوار الأديان والثقافات والحضارات حول العالم من جهة أخرى.
 
سابعاً: مئوية الإمارات 2071 ... الطموح نحو المركز الأول في المجالات كافة
جاء إطلاق “مئوية الإمارات 2071” خلال العام 2017  ليشكل مرحلة متقدمة في مسيرة التنمية والتطور التي تسعى من خلالها دولة الإمارات العربية المتحدة إلى تعزيز ريادتها العالمية، كي تكون أفضل دولة في العالم وأكثرها تقدماً بحلول الذكرى المئوية لقيام دولة الإمارات العربية المتحدة وذلك في العام 2071. ففي شهر سبتمبر 2017 ، وفي ختام الاجتماعات السنوية لحكومة الإمارات اعتمد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، آليات تحقيق “مئوية الإمارات 2071” . وتمتد “مئوية الإمارات 2071” تمتد لخمسة عقود، وتشكّل خريطة واضحة للعمل الحكومي طويل المدى ورؤية لأجيال المستقبل، وسيتم تنفيذها على خمس مراحل، كل منها عشر سنوات، وستراجع بشكل سنوي، وفقاً لمتغيرات المستقبل ونتائج الإنجاز. 
 
وتتضمن هذه المئوية العديد من الآليات والخطط التي تضمن بناء اقتصاد معرفي متنوع من خلال آليات عدة من بينها(رفع مستوى الإنتاجية في الاقتصاد الوطني، ودعم الشركات الوطنية للوصول إلى العالمية، والاستثمار في البحث والتطوير في القطاعات الواعدة، والتركيز على القطاعات التي تعتمد على الابتكار والريادة والصناعات المتقدمة، وتطوير استراتيجية اقتصادية وصناعية وطنية تستشرف قطاعات المستقبل ، وتنمية جيل من المخترعين والعلماء الإماراتيين ودعم مساهمتهم في تطور العلوم والتكنولوجيا، وتعزيز الاحترافية والمهنية لدى الإماراتيين، وتعزيز التكامل مع الدول المتقدمة في مجال العلوم والتكنولوجيا، وتشجيع تصدير المنتجات والخدمات الوطنية المتقدمة لمختلف أنحاء العالم عن طريق برامج متخصصة ومكثفة، ودعم وتشجيع زيادة نماذج الشركات الإماراتية الرائدة عالمياً).
وتتضمن مئوية الإمارات 2071 أربعة محاور رئيسية، الأول يركز على تطوير حكومة مرنة بقيادة واعية ذات رؤية واضحة تسعى إلى إسعاد شعبها وتقدم رسائل إيجابية للعالم. والثاني يتمثل في الاستثمار في التعليم بحيث يركّز على العلوم والتكنولوجيا المتقدمة ويرسّخ القيم الأخلاقية والاحترافية والمهنية في المؤسسات التعليمية ويخرّج عقولاً منفتحة على تجارب الدول المتقدمة. والثالث يستهدف الوصول إلى اقتصاد متنوع قائم على المعرفة ينافس أفضل اقتصاديات العالم، أما المحور الرابع فيتعلق بترسيخ قيم التسامح والتماسك والاحترام في المجتمع، كل ذلك ضمن محصلة تنموية وتطويرية شاملة كي تكون الإمارات أفضل دولة في العالم بحلول العام 2071. ولأجل تحقيق هذه الأهداف تم إطلاق مجموعة من الاستراتيجيات المستقبلية، في ختام الاجتماعات السنوية لحكومة الإمارات، لعل أبرزها في هذا السياق، استراتيجية الإمارات للثورة الصناعية الرابعة، التي تهدف إلى تعزيز مكانة دولة الإمارات كمركز عالمي للثورة الصناعية الرابعة، والمساهمة في تحقيق اقتصاد وطني تنافسي قائم على المعرفة والابتكار والتطبيقات المستقبلية التي تدمج التقنيات المادية والرقمية والحيوية، والاستراتيجية الوطنية للتعليم العالي 2030 التي تستهدف إعداد جيل المستقبل وفق أفضل المستويات العلمية والمهنية.
 
ومن المعروف أن مئوية الإمارات 2071 مستمدة من المحاضرة المهمة التي ألقاها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ،في ختام فعاليات”مجلس محمد بن زايد لأجيال المستقبل” الذي أقيم في مركز أبوظبي الوطني للمعارض، في مارس 2017، والتي حدد فيها الخطوط العريضة لبناء إمارات المستقبل وتجهيز دولة الإمارات للأجيال القادمة، والتي أعرب فيها سموه عن تطلع دولة الإمارات إلى منافسة دول العالم المتقدمة التي حققت نجاحات في التنمية البشرية والتعليم والاقتصاد، من خلال بناء أجيال المستقبل التي تتسلح بالعلم والمعرفة والإلمام بالتكنولوجيا الحديثة، حيث قال سموه مخاطباً الطلاب وقتها:”إننا نريد من أبنائنا وطلابنا أن يتعلموا أفضل التقنيات في العالم، فليس أمامنا خيار إلا الاعتماد على النوعية ، وسلاحنا الحقيقي هو العلم، ونريد أن ننافس بكم دول العالم”.
 
خاتمة
لقد كان 2017 عام حصاد الخير، فالإمارات أكدت ريادتها بامتياز في مجال العمل الخيري والإنساني والإنمائي، وعززت مكانتها على خارطة الدول المتقدمة بشهادة العديد من الجهات الدولية التي وضعتها في مراتب متميزة ضمن الدول المتقدمة التي تعتمد على المعرفة والابتكار والإبداع كمرتكزات لبناء اقتصاد وطني يتسم بالشمولية والاستدامة. وإذا كان 2017 هو عام الخير، فإن 2018 هو عام زايد الذي سيكون تقديراً لعطاء المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الإنساني واستلهاماً لموروثه من القيم والمبادئ التي شكلت، ولا تزال، الأساس الصلب الذي نهضت عليه دولة الإمارات العربية المتحدة، فالشيخ زايد كما يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، “يمثل نموذجاً للقيادة الحكيمة والطموحة، ونحن نقتدي بقيمه النبيلة من خلال المواقف التي تجلّى فيها زايد الإنسان والقائد، ونتّبع مبادئه لنستمد منها كل ما يحتاج إليه المجتمع والدولة للمحافظة على مكانتنا الريادية على مستوى العالم”.
 
إن عام 2018، الذي يصادف ذكرى مرور 100 عام على ميلاد المغفور له الشيخ زايد طيب الله ثراه، سيكون مناسبة وطنية غالية تحمل كل رسائل التقدير والاعتزاز والوفاء والعرفان لهذا القائد العظيم الذي استطاع أن يترك بصمة مؤثرة وخالدة، بمواقفه العظيمة ومبادراته الإنسانية النبيلة التي ما تزال مردوداتها الخيرة حاضرة في أماكن كثيرة حول العالم. ولا شك في أن أفضل احتفال بهذا العام يكون باستلهام قيم الشيخ زايد والسير على نهجه في مختلف مواقع العمل الوطني، لمواصلة مسيرة التنمية والتطور التي تشهدها الإمارات في مختلف المجالات، وكي تكون الإمارات عنوان الخير ونجدة المحتاجين في كل مكان، وكما قال صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، فإن “عام زايد عام يحافظ فيه الوطن على إرث زايد، ويعيش أبناء الوطن قيم زايد، ونعمل معاً وفق رؤية زايد، كي نعزِّز من مكانة إماراتنا الحبيبة كواحدة من أفضل دول العالم في كل المجالات خلال السنوات المقبلة”. 
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-01-29 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2016-11-03
2012-05-01
2015-12-01
2015-11-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1367

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره