مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2021-12-05

دور إماراتي حيوي في تعزيز الأمن والاستقرار الاقليمي

زيارة سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان إلى سوريا:
 
تمثل الزيارة المهمة التي قام بها مؤخراً سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان إلى سوريا، استمراراً لدور الامارات الفاعل في التعاطي مع القضايا والأزمات التي تعانيها بعض الدول العربية، من خلال دبلوماسية قادرة على الأخذ بزمام المبادرة ورأب الصدع وتجنيب المنطقة دفع المزيد من التكاليف والأعباء والخسائر البشرية والمادية جراء استمرار الفوضى والاضطرابات والأزمات التي اشتعلت منذ عام 2011 وحتى الآن. وفي هذا العدد تسلط مجلة “ درع الوطن” الضوء على هذه الزيارة ونتائجها المحتملة، سواء فيما يخص سوريا أو الأمن والاستقرار الاقليمي.
 
 
إعداد: هيئة التحرير
بعد عشر سنوات من القطيعة بين دمشق وحاضنتها العربية، وفي زيارة حظيت باهتمام اقليمي ودولي واسع النطاق بالنظر إلى ما تنطوي عليه من دلالات استراتيجية كبرى لا تخطئها عين مراقب، كونها الزيارة الأولى لمسؤول اماراتي بهذا المستوى لسوريا منذ عقد كامل، قام سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي على رأس وفد اماراتي رفيع المستوى بزيارة رسمية إلى العاصمة السورية، دمشق في التاسع من شهر نوفمبر الماضي، حيث التقى الوفد الرئيس بشار الأسد. وقالت الرئاسة السورية، في بيان، “إن الرئيس بشار الأسد استقبل الشيخ عبدالله بن زايد والوفد المرافق له، وجرى خلال اللقاء بحث العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين، وتطوير التعاون الثنائي في مختلف المجالات ذات الاهتمام المشترك، وتكثيف الجهود لاستكشاف آفاق جديدة لهذا التعاون، وخصوصاً في القطاعات الحيوية من أجل تعزيز الشراكات الاستثمارية في هذه القطاعات». وبحسب بيان الرئاسة السورية، أكد الأسد على “العلاقات الأخوية الوثيقة التي تجمع بين سوريا والإمارات منذ أيام الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان”، وأشار إلى “المواقف الموضوعية والصائبة التي تتخذها الإمارات”، مشدداً على أن “الإمارات وقفت دائماً إلى جانب الشعب السوري»، وأضاف البيان: “أن النقاش تناول أيضاً الأوضاع على الساحتين العربية والإقليمية، وتمّ الاتفاق على استمرار التشاور والتنسيق حول مختلف القضايا والتحديات التي تواجه المنطقة العربية، من أجل تحقيق تطلعات شعوبها وبإرادتهم بعيداً عن أيّ تدخلاتٍ خارجية».
 
 
وجاءت الزيارة في إطار نهج اماراتي تدريجي، حيث اعقبت اتصال هاتفي جرى بين صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، والرئيس السوري بشار الأسد في العشرين من أكتوبر الماضي، حيث أشارت وكالة أنباء الامارات إلى أن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان والرئيس السوري بحثا خلال الاتصال «علاقات البلدين الشقيقين و سبل تعزيز التعاون المشترك في مختلف المجالات لما فيه مصالحهما المتبادلة»، كما تناول الاتصال «تطورات الأوضاع في سوريا ومنطقة الشرق الأوسط، إضافة إلى مجمل القضايا والملفات ذات الاهتمام المشترك». وقبل ذلك وتحديداً في 27 مارس 2020، جرى أول اتصال بين صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان والرئيس السوري منذ اندلاع الحرب الأهلية في سوريا في 2011، وبحثا حينها تداعيات تفشي فيروس «كورونا»، حيث أكد صاحب السمو ولي عهد أبوظبي للرئيس بشار الأسد حينها، دعم بلاده لسوريا «في هذه الظروف الاستثنائية» كما أشار صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، الذي أكد أيضاً أن «التضامن الإنساني في أوقات المحن يسمو فوق كل اعتبار»، وقال: «سوريا لن تبقى وحدها في هذه الظروف الحرجة»، ومطلع الشهر الجاري جرت مباحثات بين مسؤولين سوريين وإماراتيين على هامش أعمال معرض إكسبو 2020 دبي.
 
 
وكانت دولة الامارات قد  أعادت فتح سفارتها في العاصمة السورية دمشق في نهاية ديسمبر 2018. وجاءت تلك الخطوة عقب زيارة مفاجئة أجراها الرئيس السوداني السابق عمر البشير إلى سوريا، وكانت الأولى لرئيس عربي إلى دمشق منذ اندلاع الأزمة السورية في مارس 2011، كما جاءت أيضاً عقب زيارة قام بها رئيس مكتب الأمن الوطني السوري علي المملوك إلى القاهرة، ودعوة البرلمان العربي إلى «إعادة سوريا إلى العمل العربي المشترك»، وتصريحات السيد أحمد أبو الغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية في أبريل 2018، والتي قال فيها إن قرار تعليق عضوية سوريا كان متسرعاً، مايشير في مجمله إلى مراجعات عربية عربية للموقف حيال سوريا، الأمر الذي دفع الامارات للإمساك بزمام المبادرة والسعي لإعادة سوريا إلى حاضنتها العربية.
 
 
استكشاف آفاق جديدة
 لاشك أن مواقف الامارات المعلنة تجاه معاناة الشعب السوري طيلة العقد الماضي قد رسخت لدى الجميع موقف الامارات الثابت الذي تميز بالعقلانية والتركيز على مكافحة الارهاب أخطر التهديدات التي واجهت الدولة السورية، لذا فإن المواقف المعلنة للبلدين خلال الزيارة قد عكست وجود إرادة مشتركة لانهاء عزلة سوريا عربياً، حيث ذكرت الرئاسة السورية في بيان رسمي أن الجانبين بحثا «العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين وتطوير التعاون الثنائي في مختلف المجالات ذات الاهتمام المشترك، وتكثيف الجهود لاستشكاف آفاق جديد لهذا التعاون»، وأشار البيان إلى أن الرئيس السوري قد أكد خلال اللقاء على قوة العلاقات بين البلدين، ونوه إلى «المواقف الموضوعية والصائبة التي تتخذها الامارات، مشدداً على أن الامارات قد وقفت دائماً إلى جانب الشعب السوري». بينما أكد سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان على «دعم الامارات لجهود الاستقرار في سوريا، معتبراً أن ماحصل في سوريا قد أثر على كل الدول العربية، ومعرباً عن ثقته في أن «سوريا وبقيادة الرئيس الأسد وجهود شعبها قادرة على تجاوز التحديات التي فرضتها الحرب»، وأشارت الخارجية الإماراتية إلى أن سمو الشيخ عبد الله بن زايد أكد «حرص دولة الإمارات على أمن واستقرار ووحدة سوريا الشقيقة ودعمها لكل الجهود المبذولة لإنهاء الأزمة السورية وترسيخ دعائم الاستقرار بالبلاد وتلبية تطلعات الشعب السوري الشقيق في التنمية والتطور والرخاء»، وهذه المواقف تعبر في مجملها عن تلاقي إرادة الطرفين الاماراتي والسوري على النظر للإمام وفق رؤية الامارات الواقعية التي تستشرف المستقبل وتركز على تحدياته صوناً لمصالح الشعوب ووقفاً لنزيف الخسائر البشرية والمادية التي دفعتها سوريا طيلة سنوات الصراع وتأثرت بها المنطقة العربية ككل.
 
 
استشعار المسؤولية الاخلاقية والانسانية
تتحرك الامارات تجاه سوريا سعياً لتحقيق أهداف عدة، فالعواصم العربية التي تحركت من قبل لدعم رغبة شعوب عربية في الخلاص من قبضة حكم تنظيم «الإخوان المسلمين»، ومساندة دول أخرى في التصدي للأذرع الطائفية الممولة من أطراف خارجية، وتدخلات قوى اقليمية توسعية في شؤون دول عربية أخرى تعاني فراغاً سياسياً وأمنياً، والامارات التي يعتبرها العالم عاصمة للعمل الانساني والاغاثي، لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي في مواجهة استمرار عزلة سوريا، وما لذلك من تداعيات كارثية في ظل معاناة ملايين من الشعب السوري منذ بداية الأزمة، التي تسببت في إجبار نحو نصف سكان سوريا على مغادرة منازلهم في أكبر موجة نزوح جماعي منذ الحرب العالمية الثانية، حيث فر أكثر من خمسة ملايين ونصف مليون سوري خارج البلاد، ثلثهم تقريباً من الأطفال من عمر 11 عاماً ومادون بحسب احصاءات المفوضية السامية لسؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، كما نزح أكثر من 6 ملايين داخل سوريا. ويذكر هنا أن الامارات قد بادرت منذ بدايات الأزمة إلى تقديم المساعدات الانسانية اللازمة للاجئين السورين، ففي عام 2013 تم افتتاح المخيم الاماراتي الأردني في منطقة «مريجيب الفهود» بالقرب من مدينة الزرقاء الأردنية لغوث اللاجئين السوريين، كما تم افتتاح المستشفى الاماراتي الأردني الميداني في عام 2012 بمحافظة المفرق، التي تعتبر أكثر المحافظات الأردنية استقبالاً للاجئين السوريين.  وقد بلغت قيمة المساعدات التي قدمتها الامارات استجابة للأزمة السورية والمتضريين منها خلال الفترة من 2012 إلى يناير 2019 نحو 59ر3 مليار درهم (نحو 975 مليون دولار) وشملت مساعدات غذائية بقيمة 230ر1 مليار درهم، بينما بلغت المساعدات الخاصة بالايواء والمواد غير الغذائية 711 مليون درهم، في حين بلغت المساعدات الصحية 636 مليون درهم، وبلغت المساعدات على صعيد الخدمات اللوجستية والدعم والتنسيق 567 مليون درهم، وبلغت المساعدات في قطاع المياه والنظافة العامة نحو 233 مليون درهم، وفي قطاع التعليم 190 مليون درهم، وهناك مساعدات أخرى في قطاعات أخرى مثل الخدمات الاجتماعية،  وبرامج الاستقرار ومساعدات بقيمة 86 لصندوق الائتمان لإعادة إعمار سوريا.
 
 
نافذة مهمة للاقتصاد السوري
 لاشك أن زيارة سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان إلى سوريا وتدشين مرحلة جديدة من التعاون مع هذا البلد العربي يمثل نافذة فرص مهمة تأتي في توقيت بالغ الأهمية لسوريا، فالامارات تُعد أحد أهم الشركاء التجاريين لسوريا، وتأتي في المرتبة الأولى عربياً والثالثة عالمياً بالنسبة لحجم التجارة مع سوريا، إذ تستحوذ على ما يتجاوز 14 في المئة من حجم تجارة سوريا الخارجية. وفي هذا الإطار تشير بيانات وزارة الاقتصاد الإماراتية إلى أن مليار درهم (نحو 272 مليون دولار) هو حجم التبادل التجاري، غير النفطي، بين الإمارات وسوريا خلال النصف الأول من عام 2021، فيما بلغ حجم التبادل التجاري غير النفطي، بين الدولتين نحو 2.6 مليار درهم (نحو 707 مليون دولار) خلال عام 2020. والأمر لهنا لا يتعلق بضخ الأموال في شرايين اقتصاد بحاجة ماسة للتعافي واستعادة النشاط بقدر ما تستهدف إعادة الأمل للشعب السوري وتشجيع الجهود الرامية لتسريع وتيرة التعافي السوري.
 
 
ثوابت السياسة الخارجية الاماراتية
 تشير الارقام والاحصاءات الخاصة بالتعاون الاقتصادي والتبادل التجاري إلى أن الامارات تتواصل مع سوريا، شعبياً على الأقل، من دون انقطاع، والمحرك للمواقف الاماراتية في هذا الشأن يمكن فهمها من خلال متابعة  دور دولة الامارات في محيطها العربي  منذ عام 2011 على وجه التحديد، حيث تحملت الدولة أعباء ومسؤوليات كبيرة في سبيل الدفاع عن مرتكزات الأمن القومي العربي وصون مصالح الشعوب العربية في مواجهة أطماع القوى الاقليمية التوسعية التي ترى في اللحظة العربية الراهنة فرصة سانحة للتمدد استراتيجياً على حساب وحدة وسيادة وأمن بعض الدول العربية.
 
 
والمؤكد أن مواقف دولة الامارات وسياساتها الراهنة لا تنفك عن القيم والمبادىء التي تؤمن بها القيادة الرشيدة منذ تأسيس دولة الاتحاد. ولعل زيارة سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي لسوريا تعكس تماماً نهج السياسة الخارجية الاماراتية الذي بات أكثر تفاعلية مع الأحداث والأزمات الاقليمية، وهذا الأمر لا يعد تحولاً بقدر مايعد استجابة واقعية للمتغيرات الاقليمية الطارئة. فلا شك أن تسارع وتيرة الأحداث واتساع رقعة الأزمات في منطقتنا العربية منذ اضطرابات عام 2011 وانكشاف دوافع موجات الفوضى التي شملت دولاً عربية عدة، لم يجعل لدول عربية مثل الامارات أي خيار سوى ضرورة التصدي لهذه الفوضى والدفاع عما تبقى من ركائز الأمن الاقليمي في ظل تعرض دول عربية رئيسية لهزات استراتيجية غير مسبوقة تسبب في انزلاق بعضها لدائرة الفوضى والصراعات العسكرية الدامية كما حدث في سوريا، بينما تسبب في انشغال بعضها الآخر عن القيام بدورها الرئيسي في قيادة العمل العربي الجماعي كما كان الوضع في حالة جمهورية مصر العربية قبل التخلص من حكم تنظيم الاخوان المسلمين في يونيو عام 2013.
 
 
وتتحمل دولة الامارات منذ تأسيسها، مسؤوليات وواجبات قومية تجاه أمن ومصالح الأشقاء العرب، وتضطلع بدورها تجاه هذه المسؤوليات من دون تردد، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن أمن الامارات جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، لذا فالامارات لا تتردَّد مطلقاً في مساندة أشقائها بكل ما تستطيع من جهد وما تملك من إمكانيات؛ وقد عبَّر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة -حفظه الله- في كلمته بمناسبة اليوم الوطني الرابع والأربعين، عن هذا المبدأ الثابت، حينما أكد سموه أن “دولة الإمارات العربية المتحدة تؤمن بأن أمنها الوطني جزء من الأمن القومي العربي، وأن بناء موقف عربي قوي للتعامل مع متغيِّرات المنطقة وتحولاتها هو السبيل للحفاظ على المصالح العربية العليا، وتحصين المنطقة ضد التدخلات الخارجية” مشيراً سموه إلى أن هذه القناعة تفسر “حرص الإمارات على التنسيق والتعاون الكاملَين مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والدول العربية الأخرى؛ من أجل تعزيز قدرة العرب على حفظ أمنهم القومي في منطقة تعيش حالة من التحول الكبير، وتعاني مصادر خطر متعددة”.
 
 
ولاشك أن هناك جهود عربية عديدة لفتح قنوات التواصل مع سوريا، ولكن يبرز الجهد الاماراتي على هذا الصعيد سواء من حيث تواصله واستمراريته أو من حيث وضوح الرؤية، فالامارات ترفع وتيرة التواصل مع الدولة السورية منذ عام 2018 بشكل متدرج ومدروس وصولاً إلى الاتصال الذي تم بين صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة والرئيس السوري بشار الأسد، وتميزت الامارات على هذا الصعيد بترجمة تحركاتها السياسية إلى خطوات على الأرض في مختلف المجالات، سواء من حيث اعادة افتتاح سفارتها في دمشق أو من حيث استئناف الرحلات الجوية إلى دمشق عبر مطاري دبي والشارقة، أو من حيث مشاركة سوريا في إكسبو دبي 2020 والتي أثمرت اتفاقاً بين وزيري اقتصاد البلدين في أكتوبر الماضي بشأن تعزيز التعاون الاقتصادي واستكشاف قطاعات جديدة خلال المرحلة المقبلة بما يضمن لأبوظبي مساهمة كبيرة في إعادة الإعمار.
 
 
ولاشك أن زيارة سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان تمثل دعماً قوياً للرئيس بشار الأسد وصولاً لتحقيق استقرار سوريا بما يضمن معالجة الأزمة التي أثرت سلباً في جميع الدول العربية كما قال سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان. ولاشك أن الامارات كانت الدولة الأكثر فاعلية واقداماً على المطالبة بعودة سوريا لوضعها الجيوسياسي الطبيعي، حيث سبق أن أكد سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان خلال لقاء سموه مع وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في مارس الماضي بأبوظبي، على ضرورة التعاون الاقليمي لبدء مسار عودة سوريا إلى محطيها، قائلاً «إن هذا الأمر لابد منه»، وأكد سموه وقتذاك أن الأمر يتعلق بالمصلحة العامة أي مصلحة سوريا ومصلحة المنطقة، مضيفاً أن هناك «منغصات» بين الأطراف المختلفة لكن لا يمكن سوى العمل على عودة سوريا إلى محيطها. ودعا سموه إلى عودة سوريا لجامعة الدول العربية، قائلاً «هذا يتطلب جهداً من الجانب السوري كما يتطلب جهداً من الزملاء في الجامعة العربية»، وقد لفت انتباه المراقبين وقتذاك أن سمو وزير الخارجية قد اعتبر أن «قانون قيصر» الخاص بفرض عقوبات على من يتعامل مع سوريا «يجعل المسار (استعادة العلاقات والتنسيق والعمل المشترك مع سوريا) في غاية الصعوبة.
 
 
 
الرؤية الاستراتيجية الاماراتية للأمن القومي العربي
تنطلق القيادة الرشيدة لدولة الامارات، وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة ـ حفظه الله ـ وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في بناء رؤيتها الاستراتيجية تجاه ما يدور من حولها على الصعيد العربي من الجذور التي غرسها القائد المؤسس المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـ طيب الله ثراه ـ  والذي كان مدركاً منذ اللحظة الأولى لتأسيس دولة الاتحاد أن هناك ارتباطاً حتمياً بين أمن الامارات والأمن القومي العربي في إطاره الأوسع، باعتبار ذلك إحدى حتميات ومسلمات الرؤية الاستراتيجية للدولة، وباعتباره إحدى ضمانات الحفاظ على مصالح شعب الامارات في مواجهة التحديات والتهديدات الخارجية، ولذا فإن التاريخ يذكر موقف القائد المؤسس خلال حرب السادس من أكتوبر عام 1973، والتي نشبت قبل أقل من عامين من قيام دولة الامارات، حيث تغاضى ـ طيب الله ثراه ـ ما تتطلبه مراحل تأسيس وبناء الدول عادة من تجنب للانخراط في الأزمات والصراعات والحروب وتوفير الحد الأقصى من الاستقرار لتوفير الأجواء الملائمة لمراحل البناء الأولى، واتخذ موقفاً قومياً تاريخياً داعماً للدول العربية في صراعها العسكري مع إسرائيل، قائلاً عبارته التاريخية «النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي»، ولم يتوقف الدعم الإماراتي الذي قدمه المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد خلال حرب أكتوبر على الجانب الاقتصادي أو النفط، بل أرسل ولي عهده (وقتذاك) ونجله الأكبر صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان (رئيس الدولة)، ليشارك في المعارك الميدانية على الجبهة المصرية، في درس لا ينسى للتضامن والأخوة العربية في أوقات المحن والأزمات.
 
 
وقد كان موقف المغفور له بإذن الله تعالى القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في تلك الحرب بمنزلة درس مهم يوضح قيم الامارات ومبادئها في مساندة الأشقاء وتقديم يد العون لهم أثناء الأزمات، إدراكاً منه لدوافع موقفه القائم على نصرة الحق والدفاع عن الشرعية الدولية والقضايا العادلة، في مثال حي على أن الايمان بالدبلوماسية والحلول السلمية لا  غض البصر عن القيم والمبادىء والدفاع عن حقوق الشعوب في العيش الكريم؛ فرغم أن القائد المؤسس كان واعياً بحسه الاستراتيجي الفطري لطبيعة التحالفات الدولية الداعمة لإسرائيل في صراعها مع العرب، فقد وقف في مؤتمره الصحفي الشهير خلال زيارته للعاصمة البريطانية لندن، والتي تزامنت مع اندلاع حرب السادس من أكتوبر، ليؤكد دعم الامارات لمصر وسوريا في صراعهما من أجل استعادة الحقوق العربية المسلوبة، قائلاً «سنقف مع المقاتلين في مصر وسوريا بكل ما نملك، ليس المال أغلى من الدم العربي وليس النفط أغلى من الدماء العربية التي اختلطت على أرض جبهة القتال في مصر وسوريا»، معلناً في ثالث أيام المعارك عن تبرع الامارات بمبلغ مائة مليون جنيه استرليني لصالح دعم المجهود الحربي العربي، وللمفارقة وتاكيداً على عمق الايمان بالمبادىء والقيم والأخوة والتضامن العربي، فإن الوثائق تشير إلى قيمة هذا التبرع الضخمة ـ وقتذاك ـ لم تكن متاحة بالكامل في الخزانة الاماراتية، فقام ـ طيب الله ثراه ـ بتقديم ضمانات نفطية مقابل الحصول على المال لإرساله إلى الأشقاء، قائلاً « “إن الثروة لا معنى لها بدون حرية أو كرامة.. وأن على الأمة العربية وهي تواجه منعطفا خطيرا أن تختار بين البقاء والفناء، بين أن تكون أو لا تكون.. بين أن تنكس أعلامها إلى الأبد أو أن تعيش أبية عزيزة مرفوعة أعلامها مرددة أناشيدها منتصرة”.
 
 
ولعل من يقرأ هذه العبارة المؤثرة يدرك أيضاً التأثير القيمّي والمعنوي العميق لمدرسة القيادة السياسية التي نشأ في كنفها قادة الامارات، خير خلف لخير سلف، لذا لم يستغرب المطلعون على تاريخ الامارات وقادتها مقولة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة في حضور الوفد الشعبي المصري إبان فترة الاضطرابات التي شهدها هذا البلد العربي الكبير، حيث قال سموه خلال لقاء وفد شعبي مصري كان يقوم بزيارة للعاصمة الاماراتية في اوائل مايو 2014، إن دولة الامارات لن تتخلى عن مصر وأنها تقدر موقف الشعب المصري البطولي في القضاء على حكم الارهاب والظلام ومضيفاً “لو كانت هناك لقمة حاف لاقتسمتها الامارات مع مصر”. والمؤكد أن المواقف الاماراتية الاصيلة تتكرر وتتشابه، فنجد أن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان قد أكد عقب اتصال هاتفي مع الرئيس السوري بشار الأسد في مارس 2020 أن “التضامن الإنساني في أوقات المحن يسمو فوق كل اعتبار”، وأضاف سموه: “سوريا لن تبقى وحدها في هذه الظروف الحرجة”،
وقد نجح القائد المؤسس في بناء قاعدة راسخة لسياسة الدولة الخارجية اعتماداً على الحكمة والاعتدال والتوازن ومناصرة الحق والعدلة والعمل على تعزيز التعاون والتضامن الدولي واعلاء لغة الحوار والتفاهم سبيلاً لحل الخلافات وانهاء التوترات بين الدول، وهي القيم والمبادىء ذاتها التي تشبعت بها القيادة الاماراتية وتتمسك بها وتعمل على تطبيقها، حيث يصعب التفرقة بين مواقف القائد المؤسس ـ طيب الله ثراه ـ في أزمات عربية مختلفة، وبين مواقف صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حيث برز دور سموه الحاسم والحازم في التصدي لمخطط الفوضى والتخريب في المنطقة العربية، فلم يكتف سموه بدعم جهود الدول العربية في مواجهة مؤامرة تنظيم الإخوان الارهابي لاختطاف الدول والسيطرة على مقدراتها والتحكم في مواردها من أجل تنفيذ أجندة التنظيم الدولي وتحقيق أهداف “الجماعة” العابرة للجغرافيا الوطنية وسيادة الدول، بل سعى أيضاً إلى بناء نموذج عربي يحتذى به من أجل تحصين المجتمعات العربية ضد الفكر المتطرف ودعوات التحريض والكراهية الطائفية والدينية، وهو نموذج يقوم على التعايش الديني والمذهبي وترسيخ التسامح والانفتاح وقبول الآخر.
 
 
خاتمة 
تفتح الزيارة النوعية المهمة التي قام بها سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي لسوريا، صفحة جديدة في العلاقات بين دمشق وحاضنتها العربية، ويكتسب هذا التحرك الاماراتي المؤثر أهمية مضاعفة في ظل التحولات المتوقعة في البيئة الشرق أوسطية، التي تقف على أبواب تغيرات استراتيجية محتملة بشكل كبير سواء في حال التوصل إلى صفقة تضمن إحياء الاتفاق النووي مع إيران، أو حال فشل مفاوضات فيينا بشكل نهائي، أو حتى استمرار الجمود على هذا الصعيد، وما يرتبط بذلك كله من أهمية عودة سوريا واستعادة زخم العمل العربي المشترك لمواجهة التحديات المتوقعة خلال الفترة المقبلة. وكل ذلك يثبت عمق الرؤية الاستراتيجية الاماراتية التي تعاملت مع الأزمة السورية وفق نهج متزن ومنظور موضوعي يركز على مصالح الشعب السوري، حيث تثبت الامارات يوماً بعد آخر قدرتها على الفعل والتأثير وامتلاك زمام المبادرة الاستراتيجية والتحرك الدبلوماسي الاستباقي بما يعزز تأثيرها ونفوذها الاقليمي، ويصب في مصلحة الأمن والاستقرار الاقليمي.   
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2021-12-30 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2013-07-01
2014-11-03
2014-11-02
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره