مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2020-07-08

إستراتيجية الحرب النفسية بين الأهداف والمهام

تعتبر إستراتيجية الحرب النفسية أحد أدوات الفكر الاستراتيجي الذي تستخدمه الدول المعاصرة في خلق العلاقة المعنوية والفكرية الثابتة بين الفرد والدولة من خلال وسائلها وآلياتها الاتصالية لتعزيز فكرة ومفهوم الإعلام والدعاية والدعوة والحرب النفسية وإستخدام الاخيرة ضد القواعد والحواضن المضادة للدولة. 
 
 بقلم: اللواء الركن (م) / خالد محمد عابدين 
 
 إن إستراتيجية الحرب النفسية تعتبر أكثر خطورة من إستراتيجية الحرب العسكرية، والسبب في ذلك يعزي لإستخدامها  وسائل متعددة لتحقيق مهامها وأهدافها حيث توجه تأثيرها المباشر إلى أعصاب الناس ومعنوياتهم ووجدانهم، وفوق كل ذلك فإنها تكون مقنعة بحيث لا ينتبه الناس إلى أهدافها ومهامها ثم لا يحطاطون لها.
 
في مجال الصراع بين الأمم أو بين الجيوش. فان كل جانب يحرص على أن ينشئ في خصمه (الحالة العقلية) التي تحقق  له أهدافه والانتصار علىه، وهنا يأتي دور (الحرب النفسية) أو (الدعاية) التي يجمع الخبراء على أنها أقوى أسلحة الصراع أثراً في تحقيق النصر بسرعة وبأقل الخسائر في الأرواح والمعدات.
 
الحرب بالسلاح تستطيع أن تدمر القوات والمعدات، والحرب الاقتصادية تحرم الخصم من الموارد الحيوية، أما الحرب النفسية فهي تستطيع ما هو أخطر وأعمق أثراً، لأنها تجرده من أثمن ما لديه وهو إرادته القتالية، فهي تستهدف في المُقاتل أو المواطن عقله وتفكيره وقلبه وعواطفه لكي تحطم روحه المعنوية وتقوده إلي الهزيمة، وهذا ما دعا القائد الألماني (روميل) إلي القول : (بأن القائد الناجح هو الذي يسيطر على عقول أعدائه قبل أبدانهم)، ودعا (تشرشل) إلى أن يقول : ( كثيراً ما غيرت الحرب النفسية وجه التاريخ)، وقد بلغ من تأثير الحرب النفسية أن كثيراً من الأمم، كما يروى التاريخ استسلمت لأعدائها قبل أن تطلق جيوشها طلقة واحدة. 
 
من أعظم الدروس التي تستخلص من سنة رسول الله صلي الله علىه وسلم إدارته  للصراع مع الأعداء، فمن بين ثماني وعشرين غزوة قادها علىه الصلاة والسلام بنفسه نجد تسع عشرة غزوة حققت أهدافها بلا قتال إذ فر الأعداء تحسباً لنتائج مواجهه قوة المسلمين.
 
لقد قرر الرسول القائد صلي الله علىه وسلم أن الجهاد باللسان كالجهاد بالنفس والمال، فقال لحسان بن ثابت وكان من شعراء الإسلام : (يا حسان أهج المشركين ، اهجهم فان جبريل معك ، إذا حارب أصحابي بالسلاح فحارب أنت باللسان) رواه بخاري ومسلم وأحمد . ليس ذلك فحسب بل انه علىه الصلاة والسلام يقرر أن الحرب النفسية أشد وأسرع أثراً من حرب السلاح، فقد روى أن عبد الله بن رواحه كان يلقي شعراً في هجاء الأعداء في المسجد فاستنكر منه ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه قائلاً : (بين يدي رسول الله وفي حرم الله تقول الشعر) ، فقال الرسول صلي الله علىه وسلم :(خل عنه ياعمر، فلهي ويعني القصيدة أسرع فيهم من نضح النبل)
 
الحرب النفسية في صراعنا الحضاري 
ليس من شك في أن الأمة تواجه اليوم حرباً حضارية تستهدف تدمــير قـواهـا وفـــــــرض التبعيـــة علىها ومنعهــــا مـن القـــيام بالنهضــــــــــة الحضاريـــة التــي ترجوهـــا واســتعادة مكانتهـــا اللائقـــة بها، وإذا كانت الحرب بالسلاح والغزو العسكري والغارات الخاطفة هي التي تلفت النظر وتستأثر بالاهتمام والانتباه لما يصاحبها من قعقعة وضجيج على الصعيدين المحلى والعالمي ، إلا أنه ينبغي مطلقاً أن لا تغفل الأمة عن الدعاية والحرب النفسية أوتقلل من شأنها، لأن القتال له نهاية يوماً ما، أما الحرب النفسية فليس لها نهاية بل هي مستمرة ودائمة في السلم والحرب على حدٍ سواء.
 
 
أستطيع القول بأن الإنسان في هذا العصر يتنفس الدعاية كما يتنفس الهواء، لكنه في تنفسه للهواء يأخذ ما ينفعه من الأكسجين ويلفظ ما يضره ثاني أكسيد الكربون، أما في تنفسه للدعاية والحرب النفسية فهو لا يستطيع في أغلب الأحوال أن يفعل مثل ذلك، وهو معرض للإصابة بالعلة النفسية التي قد تدمر فيه الإرادة والايجابية وقوته المعنوية، ولكي ندرك حجم هذا الخطر علىنا أن نتفهم ما هية الحرب النفسية وأهدافها ووسائلها. 
 
مفهوم الحرب النفسية وأهدافها
تعرف الحرب النفسية بأنها هي الاستخدام المخطط للدعاية ، أو ما ينتمي إليها من الإجراءات الموجهة إلي الدول المعادية أو المحايدة أو الصديقة بهدف التأثير على عواطف وأفكار وسلوك شعوب هذه الدول بما يحقق للدولة التي توجهها أهدافها.
 
يلاحظ من هذا التعريف ما يلي : 
أن الحـــرب النفسية لا توجه فقط إلي الدول المعادية أولاً تنحصر فقط في نطاق الصراع بين الدول المتحاربة أو المتنافسة، بل هي تشمل أيضاً الدول الصديقة والدول المحايدة، ولعل هذا هو ما جعل الخبراء يفضلون لفظ الدعاية بدلاً من (الحرب النفسية) وكل دولة من دول العالم هي في حقيقتها جماع لتلك الأوصاف الثلاثة (معادية ومحايدة وصديقة) فذلك هو الأمر الغالب في العلاقات الدولية، فالدولة غالباً ما يكون لها أصدقاء وأعداء ودول تقف موقف الحياد في مواجهة بعض قضاياها.
إن أهداف الدعاية تختلف باختلاف وضع الدولة التي توجه إليها في العلاقات الدولية، فإذا كانت الدولة معادية كان الهدف تحطيم الروح المعنوية والإرادة القتالية وتوجيهها نحو الهزيمة، وإذا كانت الدولة محايدة كان الهدف توجيهها نحو الإنحياز للدولة الموجهة أو التعاطف مع قضيتها، أو على الأقل إبقاؤها في وضع الحياد ومنعها من الانحياز إلي الجانب الآخر .
إذا كانت الدولة صديقة كان الهدف توجيهها نحو تدعيم أواصر الصداقة مع الدولة الموجهة ونحو المزيد من  التعاون لتحقيق أهدافها.
 
مهام الحرب النفسية
إذا ما حصرنا البحث في مجال الصراع بين الدول، لأنه هو المجال الذي ينبغي أن نتدبره بكل الوعي والفطنة في هذا العصر، فنستطيع أن نقول ان الخبراء الذين يخططون لحملات الحرب النفسية لتدمير الروح المعنوية وتحطيم الإرادة القتالية يسعون إلي تحقيق هذا الهدف من خلال المهام الرئيسية التالية :
التشكيك في سلامة وعدالة الهدف أو القضية.
زعزعة الثقة في القوة من كافة عناصرها والثقة في إحراز النصر، وإقناع الجانب الأخر بأنه لا جدوى من الحرب أوالاستمرار في القتال أو المقاومة.
بث الفرقة والشتات بين الصفوف والجماعات.
التفريق بين الجانب الأخر وحلفائه ودفعهم إلي التخلي عن نصرته .
تحييد القوي الأخرى التي قد يلجأ إليها الجانب الآخر للتحالف معها أو لمناصرته.
 
هنالك عدة صور وأساليب تستخدم لتحقيق تلك المهام نذكر منها ما يلي :
الكلمة المسموعة أو المقرؤة  التي من شأنها التأثير على العقول والعواطف والسلوك، وهو مجال تتعدد فيه الأشكال والوسائل كالكتاب والصحيفة والمجلة والمنشور واللافتة والإذاعة والتلفزيون والسينما والمسرح ....الخ .   
الشائعات وهي أخبار مشكوك في صحتها، ويتعذر التحقق من أصلها وتتعلق بموضوعات لها أهمية لدى الموجهة إليهم، ويؤدي تصديقهم لها أو نشرهم لها وهذا هو الذي يحدث غالباً إلي إضعاف الروح المعنوية.  
التهديد بواسطة القوة مثل تحريك الأساطيل وإجراء المناورات الحربية بالقرب من الحدود وتصريحات القادة وإعلان التعبئة الجزئية ... الخ .
الخداع عن طريق الحيل والايهام مثل بث الذعر والتخويف والضغط النفسي والإغراء والتضليل والوعد لاستدراج الجانب الآخر لتغيير موقفه.
 
ألوان الحرب النفسية
من المفيد أن نعرف أن جهد الحرب النفسية أو الدعاية يوجه في ثلاثة ألوان جرى العرف على تسميتها بحسب مصدرها بالأسماء التالية : 
 
الدعاية البيضاء: وهي نشاط الدعاية العلني والصريح الذي يحمل اسم الدولة التي توجهه مثل الإذاعة ووكالات الأنباء والتصريحات الرسمية، ولذلك تسمي أحياناً بالدعاية الصريحة أو الرسمية.
 
الدعاية الرمادية:  وهي الدعاية الواضحة المصدر ولكنها تخفي اتجاهاتها ونواياها وأهدافها، أي التي تعمل وتدعو الى ما تريد بطريق غير مباشر كالكتاب الذي  يحتوي على قصة أو رواية عادية، ولكنه يدعو بين السطور وبطريق غير مباشر الي اعتناق مذهب سياسي معين أو التعاطف معه.
 
الدعاية السوداء: وهي الدعاية التي لا تكشف عن مصدرها مطلقاً ، فهي عملية سرية تماماً ، ومن أمثلتها الصحف والإذاعات والمنشورات السرية والخطابات التي ترسل إلي المسئولين غفلاً من التوقيع أو باسم أشخاص أو منظمات وهمية أو سرية .   
 
الرمادية أخطر الألوان:  بالمقارنة بين تلك الألوان الثلاثة للدعاية يتضح لنا أن الدعاية الرمادية هي أخطرها على الإطلاق، فالإنسان بقليل من الوعي والفطنة يستطيع أن يكشف بسرعة ما وراء الدعاية البيضاء والسوداء، أما الدعاية الرمادية فهو يتجرعها قبل أن يكتشف أهدافها ويتعرض لتأثيرها دون أن يشعر لأنها تتسلل الى عقله ووجدانه مستترة وراء شئ  ظاهري لا غبار علىه، أي  أنه يتناول السم في العسل، والمعروف أن حملات الدعاية تضم عادة الألوان الثلاثة، ولا تكتفي بلون واحد منها، ولكننا لا نجافى الحقيقة إذا قلنا أن الدعاية الرمادية تحظي بالنسبة الأكبر ، وإنها هي الأكثر استعمالاً والأوسع انتشاراً ، وذلك تأكيداً لكونها الأقوى.
 
 الخلاصة
إن استخدام العامل النفسي في الصراع ضرورة حيوية لتحقيق الأهداف الإستراتيجية حيث أن استخدام إستراتيجية الحرب النفسية تعتبر بمثابة حرب العصر لأنها حرب تغيير السلوكيات والقناعات وميدانها الشعوب والإفراد مدنيين كانوا أم عسكريين. 
 
التخطيط الاستراتيجي لإدارة الحرب النفسية يستوجب جمهور كبير ومساحة شاسعة غير محددة بزمان ومكان يستهدف عادة شعب العدو وقواته لإضعاف معنوياته والتأثير في آرائه ووجهات نظرة وصولاً لتحطيم الثقة بالذات القومية.              
    
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2020-11-08 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2016-07-13
2013-01-01
2017-06-12
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره