مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2021-11-01

إكسبو 2020 دبى والاستثمار فى مستقبل البشرية

شكل معرض إكسبو الذى أقيم على مدار 170 عاما منذ بدايتها فى إكسبو لندن عام 1951 وحتى إكسبو 2020دبى، أحد الروافع الرئيسية للتقدم البشرى والقاطرة التى عززت مسيرة الحضارة والتقدم العلمى والتكنولوجى، بما قدمه من أفكار ورؤى وابتكارات واختراعات أحدثت نقلة نوعية فى مسيرة التقدم الإنسانى، حيث شهدت معارض إكسبو المختلفة ظهور الثورات الصناعية ومعظم الاختراعات المهمة مثل البث التليفزيونى والإذاعى واختراع التليفون والمصعد، كما انبثقت عن معارض إكسبو مبانى ومنشآت تعد تحفة معمارية مثل برج أيفل بباريس والأبرة الفضائية بسياتل وصاروخ الفضاء ومحطة الطاقة النووية، والتقنيات الجديدة للحاسوب غيرها من الاختراعات التى أنارت طريق العالم صوب التقدم والازدهار.
 
 
بقلم: د. أحمد سيد أحمد
خبير العلاقات الدولية والشؤون الأمريكية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية
 
 
وعلى خلاف معارض إكسبو الـ34 السابقة، يكتسب معرض إكسبو دبى خصوصية كبيرة سواء من حيث التوقيت أو من حيث المخرجات والتداعيات المحلية والإقليمية والدولية.
 
 
المغزى والدلالة:
يعكس استضافة دولة الإمارات العربية المتحدة لإكسبو دبى، كأول دولة عربية وشرق أوسط وأول دولة فى جنوب أسيا وأفريقيا، المكانة والقيمة الكبيرة لها من حيث كونها تمثل نموذجا حقيقيا للتقدم والتنمية والازدهار والتسامح والتعايش، فدولة الإمارات العربية المتحدة لديها تجربة متفردة ومتميزة فى تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة، حيث حققت معدلات نمو مرتفعة فى ظل اقتصاد قوى ينمو بشكل مطرد ويرتكز على نموذج تنموى يعتمد على التكنولوجيا الحديثة وريادة الأعمال والأفكار، كما يعتمد على التنمية المستدامة وضمان حقوق الأجيال المقبلة، كذلك الاعتماد على الموارد الطبيعية والبشرية وتقليل الانبعاثات الكربونية من أجل مواجهة التغيرات المناخية، وقد أصبحت دبى مدينة عالمية بكل معنى الكلمة، حيث تعد منطقة جبل على نموذجاً فى التنمية والتجارة والاستثمار تسعى دول العالم المختلفة لاستنساخه.
 
 
كما أن دولة الإمارات تقدم نموذجاً عالمياً فريداً فى نشر ثقافة التسامح والتعايش والانفتاح على الأخر، حيث يعيش بها جنسيات من 200 دولة، يتمتعون بكافة الحقوق والمزايا فى كل المجالات بما فيها الصحة، حيث تم تلقيح معظم سكان الإمارات من المواطنين والوافدين، كما كانت الإمارات أول دولة فى شبه الجزيرة العربية تستضيف قداس للبابا فرانسيس فى عام 2019، كما تم توقيع وثيقة الإخوة الإنسانية على أرضها بين شيخ الأزهر الشريف الأمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب والبابا فرنسيس، وهو ما شكل تياراً قوياً للتسامح والتعايش وقبول الأخر فى مواجهة تيارات الكراهية والتعصب والتهميش والإقصاء ونفى الأخر وتصاعد موجات التطرف التى تشهدها العديد من دول العالم سواء المتقدم والنامى، حيث اليمين المتطرف فى الغرب مقابل تنظيمات الإسلام السياسى المتطرفة فى الشرق، وبالتالى تقود دولة الإمارات نموذج التسامح والتعايش فى العالم بما يساهم فى تحقيق التقارب بين البشر والتعايش والتفاعل بين الحضارات والثقافات.
 
 
تحظى الإمارات بقدرات بشرية وتكنولوجية هائلة مكنتها من استضافة هذا الحدث العالمى الأبرز، وهو ما انعكس فى حفل الافتتاح يوم 30 سبتمبر والذى أبهر العالم، الذى شاهد ملحمة أسطورية من الإبداع والإبهار فى القبة الفولاذية وحى الوصل المسرح الأساسى لإكسبو دبى، وكيف نجحت الإمارات فى إثبات أنها قادرة بفضل الإرادة السياسية والقدرات البشرية والتكنولوجية على تنظيم هذا الحدث المهم. حيث تمتلك القيادة الإماراتية الرؤية الشاملة والنظرة الثاقبة والمستقبلية والتى أدت إلى وصول الإمارات إلى هذه المكانة العالمية الرائدة.
 
 
كما قدمت دولة الإمارات العربية المتحدة، عبر إكسبو دبى، نموذجاً رائداً للعالم العربى والإسلامى حيث غيرت من الصورة الذهنية للعرب والمسلمين والتى شوهت بفعل الإرهاب والتنظيمات المتطرفة، وأثبتت الإمارات أن العرب كانوا ومازالوا أحد روافد التقدم الإنسانى والحضارة البشرية، وأن هذه التنظيمات المتطرفة لا تمثل العرب أو المسلمين. لهذا كله استطاعت الإمارات العربية عن جدارة وحق أن تستضيف وتنظم معرض إكسبو 2020 دبى، وأن تثبت للعالم كله إسهامها الكبير والمتميز فى تعزيز التقدم الإنسانى وصنع المستقبل.
 
 
الأهمية والتوقيت
يكتسب معرض إكسبو دبى الذى يأتى تحت عنوان: تواصل العقول وصنع المستقبل، ويضم محاور الاستدامة والتنقل والفرص، أهمية كبيرة خاصة من حيث التوقيت أو من حيث النتائج، فالمعرض يأتى فى توقيت مهم يعانى فيه العالم من جائحة كورونا والتى ألقت بظلالها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على كل دول العالم وعلى الاقتصاد العالمى الذى تأثر سلبا بالجائحة نتيجة لإجراءات الإغلاق وهو ما أدى إلى تراجع معدلات النمو العالمية وتراجع التجارة الدولية وحركة الاستثمارات ورؤوس الأموال وكذلك الأفراد، وهذا بدوره أثر سلباً على كثير من الدول، خاصة النامية والفقيرة فى أسيا وأفريقيا، كما أثر سلباً على قطاعات كبيرة من السكان داخل الدول، وبالتالى يستهدف إكسبو دبى استعادة التعافى الاقتصادى العالمى، وهو ما أكد عليه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبى، فى أثناء ترحيبه بوفود الدول والمنظمات الدولية ضمن استعدادات انطلاق إكسبو 2020 دبى، حيث قال: أن العالم يستعد لاستعادة عافيته عبر أكبر حدث ثقافى فى العالم.
 
 
كما أن المعرض الذى يستمر لستة أشهر يأتى فى توقيت مهم بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط التى تعانى بعض دولها من ويلات الحروب الأهلية والنزعات والأزمات السياسية وانتشار التنظيمات والمليشيات المسلحة وتصاعد خطر الإرهاب وتراجع معدلات التنمية وزيادة معدلات الفقر والبطالة والهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، إضافة إلى هشاشة الدولة الوطنية فى العديد من الدول العربية، وبالتالى يساهم اكسبو دبى فى تحويل منطقة الشرق الأوسط من منطقة صراعات وتوترات إلى منطقة مزدهرة اقتصاديا ويساعد فى تحقيق التنمية والتقدم بما يوفره من فرص هائلة  للمنطقة العربية.
كما يأتى إكسبو دبى فى توقيت مهم بالنسبة للعالم الذى يشهد فيه العديد من الأزمات والتحديات، مثل التداعيات السلبية للتغيرات المناخية وزيادة الانبعاث الحرارية وما نتج عنها من ارتفاع حرارة الأرض وبالتالى زيادة ظاهرة التصحر والمجاعة، وزيادة الأعاصير والبراكين والحرائق التى شهدها العالم فى السنوات الأخيرة، كما يأتى فى سياق تصاعد الأزمات الاقتصادية وزيادة الصراعات والحروب فى العديد من مناطق العالم المختلفة.
 
 
تداعيات محلية وإقليمية ودولية:
كما ساهمت معارض اكسبو السابقة فى تحقيق طفرات كبيرة فى كافة المجالات التكنولوجية وفى مجال التنمية والاختراعات وغيرها، فإن معرض إكسبو دبى سيساهم أيضا فى إضافة لبنات جديدة فى جدار التقدم البشرى على كافة المستويات لما يحققه من إسهامات وتداعيات ومخرجات مهمة على كافة المستويات:
 
 
مكتسبات محلية:
يحقق إكسبو دبى العديد من الفوائد والمكتسبات المهمة لدولة الإمارات العربية المتحدة، فعلى المستوى الاقتصادى والتنموى وبلغة الأرقام، فإن من أبرز الثمار التى تجنيها الإمارات خلال المعرض هى استقبال استثمارات بمقدار 43 مليار دولار منذ الإعلان عن استضافة الحدث ومتوقعة خلال المعرض. زيادة  فى تجارة التجزئة بقيمة 10 مليارات دولار خلال المعرض. أكثر من 25 مليون زائر للإمارات من 190 دولة خلال فترة المعرض. توفير 90 ألف وظيفة جديدة لها علاقة بالمعرض. إضافة إلى الاستثمارات التي أعلنتها الدولة لتنفيذ مشروعات إنشاء المرافق الخاصة باستضافة المعرض، والتي بلغت نحو 8 مليارات دولار. تعزيز قطاع السياحة حيث تم إنشاء حوالى 99 فندقاً جديداً في الإمارات، بطاقة تبلغ 45 ألف غرفة فندقية، سواءً في مدينة دبي أو المناطق المجاورة في الإمارات الأخرى، لخدمة زوار المعرض، كما ان القبة الفولاذية تمثل أيقونة مهمة للسائحين إلى جانب برج خليفة، أكبر برج فى العالم. كما أن إكسبو دبى سيساعد على رفع معدل النمو الاقتصادى للدولة بنحو 1.5 نقطة مئوية، وذلك فى سنوات ما بعد انتهاء المعرض. رفع قيمة التجارة غير النفطية لدبى إلى 4.5 تريليون درهم، خاصة فى قطاع الضيافة والطيران إلى جانب تحسينات البنية التحية والمواصلات والرفاهية والحداثة وجودة الحياة ..كما أنه يعزز من مكانة دبى كواحدة من أهم المدن الذكية فى القرن الحادي والعشرين. وعلى مستوى التنمية المستدامة فإن كل أعمال المعرض تهدف إلى إحداث آثار بيئية إيجابية على النطاق الوطني والإقليمى والعالمى، ودعم خطة دبى 2021 ورؤية الإمارات 2021 وأجندة الأمم المتحدة 2030 للتنمية المستدامة.
 
 
وعلى المستوى السياسى والثقافى فإن إكسبو دبى يضع دولة الإمارات العربية المتحدة فى مكانة متميزة ومتقدمة على الخريطة الاقتصادية والسياسية والإعلامية العالمية، حيث يشكل فرصة مهمة لتعرف الملايين من سكان العالم سواء الذين يزورون الإمارات خلال المعرض أو الذين يتابعون الحدث إعلاميا، وهو ما يبرز النموذج الإماراتى التنموى الحداثى والتجربة المزدهرة التى تشكل نموذجاً رائداً وملهماً لكثير من دول العالم، خاصة مع الاقتراب بالاحتفال باليوبيل الذهبى لدولة الإمارات فى ديسمبر المقبل ومسيرة خمسين عاما من العطاء والازدهار والتقدم.
كما أنه يعزز من مكانة الإمارات إقليميا وعالميا ودورها الفاعل فى تعزيز الأمن والاستقرار العالم وتسوية الصراعات والحروب والأزمات ومواجهة الإرهاب والتطرف، خاصة مع حصول الإمارات على عضوية مجلس الأمن كدولة غير دائمة العضوية لمدة عامين، وكذلك حصولها على عضوية مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.
 
 
تعزيز التنمية فى المنطقة:
يساهم إكسبو دبى فى تعزيز التنمية المستدامة والشاملة فى منطقة الشرق الأوسط، وفى الدول العربية وزيادة الاستثمارات الأجنبية إلى دول المنطقة، وهو ما يساعد فى تجفيف بيئة الصراع والتوتر والعنف والتطرف، حيث يعد المدخل التنموى الإماراتى إلى جانب مدخلها الثقافى الانفتاحى، إستراتيجية شاملة لتحقيق التقدم ومواجهة الصراعات والإرهاب. كما انه يضع المنطقة العربية على الخريطة العالمية ويزيد من معدلات التجارة بينها وبين الدول الأخرى.
 
 
حلول للأزمات والتحديات العالمية:
يعد إكسبو 2020 دبى أحد المحطات الأساسية فى مسيرة التقدم البشرى والنهضة الإنسانية، حيث يساهم فى تعزيز التجارة العالمية والتعافى الاقتصادى العالمى بعد جائحة كورونا، كما انه يوفر العديد من الفرص المهمة فى مجال الابتكارات والاختراعات المختلفة من كافة دول العالم المشاركة فى المعرض، وهو ما يساهم فى تدعيم التقدم الإنسانى.
 
 
كما أن المعرض يعزز دور الإمارات فى مواجهة تداعيات التغيرات المناخية حيث تعقد العديد من اللقاءات والندوات حول كيفية تخفيض الانبعاثات الحرارية،خاصة أن الإمارات شاركت بفاعلية فى قمة المناخ التى استضافها البيت الأبيض فى أبريل الماضى، كما أن المعرض يساهم فى رسم خريطة طريق لإلهام تحرك إيجابى قبل انعقاد الدورة الـ26 لمؤتمر الأطراف فى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن المناخ بشهر واحد في مدينة جلاسكو الإسكتلندية.
 
 
كذلك يعزز المعرض العولمة الإنسانية الحقيقية والتفاعل بين الثقافات المختلفة حيث تشارك 191 فى المعرض ويقدم كل منها فى جناحه تراثه وتاريخه وإسهامه الحضارى ويعرض لمنجزاته التنموية والفرص المتاحة لديه، وهو ما يعزز من مفهوم التضامن العالمى فى مواجهة الأزمات والتحديات.
 
 
لاشك أن إكسبو دبى يقدم خريطة طريق شاملة للاستثمار فى مستقبل البشرية بما يوفره من فرص واعدة ومن رؤى وإبداعات مختلفة وتقديم الحلول لمواجهة التحديات والأزمات العالمية، والتحرك نحو بناء عالم أفضل للجميع يقوم على المسئولية المشتركة وتعزيز وتدعيم ثقافة التعاون والتضامن ونبذ الصراعات والتناحر والتطرف وثقافة الكراهية، ولهذا فإن العالم بعد إكسبو 2020 دبى سيكون مختلفا بعده.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2021-11-03 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2016-07-13
2013-01-01
2014-06-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره