مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2018-06-07

البلاغة والحرب ... توظيف الاستعارة في المعارك

بقلم : د. عمار علي حسن
 
 
لا يمكن للحرب أن تتفادى الاستعارات، طالما أن فيها من الحمولات الثقافية والمعنوية والأيديولوجية والدعائية بقدر ما فيها من الموجودات المادية المتعلقة بالسلاح والإمداد والخطط القتالية والتدريب. ويدرك القادة العسكريون التاريخيون هذه المسألة جيدا، لذا يحضر المجاز بشدة في خطاباتهم التي تسبق الحرب، أو يطلقونها أثناء جريانها، وحتى بعد أن تضع أوزارها، وهم يعظمون النصر، إن ظفروا به، ويقللون من شأن الهزائم سقطت على رؤوسهم.
 
 
فالمقولة الرئيسة التي تحكم النظر إلى الحرب في أغلب الأدبيات التي تنأولتها، والتي نطق بها الجنرال البروسي كارل فإن كلأوزفيتز: «الحرب سياسة تُقام بوسائل أخرى»، تحمل استعارة واضحة، إذ إنه بها  ينظر إلى السياسة كصفقة تجارية، تحتمل الربح والخسارة، وبذا يمكن تبريرها وفق شروط المنفعة، وليس طبقا لأي مبدأ أخلاقي. وعبارة غارقة في المجاز مثل «الجيوش تزحف على بطونها» التي أطلقها نابليون بونابرت، حكمت بعض العقائد والاستراتيجيات العسكرية زمنا، رغم أن هذا القول قد يبدو صحيحا من ناحية ما يتعلق بالإمداد والتموين أثناء الحرب، لكن القوات المسلحة تحتاج إلى ما هو أكثر وأبعد من القوت كي تبدأ وتواصل عملياتها، وفي مطلع هذا «القوام الفكري» الذي يخاطب العقل، وليس الوجدان أو الجسد، أي «العقيدة العسكرية».
 
 
في الحقيقة ليست الاستعارة وحدها التي تُستخدم في مجال الحرب، إنما حيل وتقنيات بلاغية أخرى، فعلى سبيل المثال قام توين فإن دأيك في كتابه «الخطاب والسلطة» بتحليل الاستراتيجيات البلاغية الكلاسيكية في الخطاب السياسي لرئيس الوزراء الإسباني أزنار الذي برر فيه اشتراك بلاده في الحرب على العراق عام 2003، وأراد حشد الدعم الجماهيري لشرعية قراره، الذي كان يواجه وقتها بمعارضة ملموسة. وقد قام أزنار في خطابه هذا بتقديم النفس إيجابيا، وتقديم الآخر سلبيا، إلى جانب عدد من الخدع والتقنيات المألوفة، كتوظيف الأرقام والحقائق، وسياسة إجماع الرأي، وأسلوب الموازنات، ومفاهيم الضرورة، وآليات التبرير، لربط الفعل السياسي بالحدث السياسي، وتضمين معارف سياسية في خدمة الواقع الجاري.
 
 
لكن الاستعارة كانت حاضرة بشدة في الخطاب الرسمي الأمريكي الذي برر الحرب على العراق، في سياق “الحرب على الإرهاب” ليبرز خطاب “القاعدة” في وجه الخطاب الأمريكي، وينقسم الخطابان المتصارعان إلى “خيِّر” و”شرير” أو “بطل” و”وغد”، وفي كل روأية للطرفين كان هناك دوما بطل وجريمة، وضحية وشرير، ففي حكأية الدفاع عن النفس، يمثل البطل والضحية شيئا واحدا، وتقدم الولايات المتحدة نفسها إلى الآخرين على أنها الدولة المعنية بالأساس بمحاربة الإرهاب. أما الشرير، فإنه في الحكأيتين معا نذل دائما وغير عاقل، ولذا لا يمكن للبطل (الأميركي) أن يتفاهم مع الشرير (العربي)، بل عليه أن يحاربه ويهزمه هزيمة منكرة، أو يقتله وينهي وجوده.
 
 
أسود وأبيض
ولم يكن هذا مختلف عن الخطاب الغربي الذي ساد طيلة الحرب الباردة، والذي قسم الأشياء إلى “أبيض” و”أسود” ولم ير ما بين اللونين من درجات عديدة، وانعكس هذا على الحرب الفيتنامية، حيث كان يتم تصوير الفيتناميين عادة باعتبارهم ساديين وروبوتات وشيوعيين بلا قلب، لا يحترمون الحياة الإنسانية، وهي استعارات مزيفة تخفي حقائق أن الفيتاميين كانوا بشرا عاديين، تحدوهم مشاعر الحب والكره، والأمل واليأس، شأنهم شأن سائر البشر.
 
الحب والحرب
هنا تحدث الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن قبيل الحرب على العراق عن «ضرورة إخراج الإرهابيين من جحورهم»، ليجعل صورة «الشر» الذي تجب محاربته بكل الطرائق، تستقر في أذهان الشعب الأمريكي، بل في أذهان الكثيرين في العالم، ممن آمنوا وقتها بأن التقاعس عن محاربة الشر عمل غير أخلاقي، وأن استعمال كل الوسائل في الحرب على الأشرار مباحة، وهي مسألة متعارف عليها في الحروب، وفق المقولة ذائعة الصيت: «في الحب والحرب كل شيء مباح».
 
 
وهنا استعمل الأمريكيون قاعدة استعارية تقوم على «التماثل» حيث تمت مقارنة القاعدة، كتنظيم إرهابي يرتب جرائم بشعة، بما يُقدم صدام حسين على فعله، وظهرت مقالات وتصريحات تتحدث عن علاقة الديكتاتور العراقي بالإرهاب، أو استعداد الإرهابيين للرحيل إلى العراق ليتخذوا منه أرضا لقتال الغرب، أو احتمال أن يمدهم صدام بسلاح غير تقليدي يصلون به إلى الولايات المتحدة، وهنا تم استعمال استعارة تمثيلية أخرى، حيث أصبح الإرهابيون بديلا لصواريخ بعيدة المدى لا يمتلكها صدام.
 
 
وبرز في هذا المضمار كتاب جورج لأيكوف «حرب الخليج أو الاستعارات التي تقتل»، الذي يؤكد في مستهله أننا نمضي في الحياة مكللين بالاستعارة عطفا على كتابه الآخر «الاستعارات التي نحيا بها». فالاستعارة في حرب الخليج  تم استعمالها لبناء استدلال على تسويغ الهجوم على العراق، وفي إخفاء الوجه البشع للحرب، حين تعبث بمصائر الشعوب والدول. 
 
 
لقد دخلت الولايات المتحدة الحرب مدججة بـ «ترسانة استعارية»، استعملت عبارات من قبيل «إعادة ترتيب المنطقة» و»الحرية للعراق» و»كسر الطاغية» وسط خطاب ينظر إلى السياسة بشكل عام على أنها «صفقة»، لا يتم التفكير فيها إلا من خلال منطق الربح والخسارة الاقتصادية، فهذه حرب مربحة، ومهما تكلفت فعوائدها مضمونة. هنا تنزاح كل الفظائع من أمام عيون الرأي العام، لتبقى الحسبة التجارية الباردة، بكل إغراءاتها، ويبقى أيضا الوعد الذي تجلي في تأكيد بوش أن الحرب تؤذن بميلاد نظام عالمي جديد، وشراكة بين الأمم، وتبقى ضآلة التكلفة في الأرواح مقارنة بحرب فيتنام، والتي جعلت بوش يصنع استعارة جديدة بعد سقوط بغداد بقوله: «لقد تخصلنا من متلازمة فيتنام»، وجعلت خبراء استفادوا مما جرى في المعركة ينتجون استعارة أخرى حين وجدوا أنه من المفيد للجيش الأمريكي أن يعرف أكثر عن شعوب الدول التي يريد غزوها، وهي «نظام التضاريس الإنسانية»، لأن بعض الحروب جوهرها ثقافي، أو أن الثقافة تكون أحيانا أهم عنصر فيها، وركيزة لها.
 وفي ركاب هذه الحرب تم استعمال حادث نسف برجي مبنى التجارة العالمي في نيويوك يوم 11 سبتمبر 2001، في حشد استعارات متوالية نظرت إلى  البنأيات على أنها رؤوس، والمجتمع على أنه بنأية، والأمن احتواء، والأمة شخص، ليتم تصوير العراق على أنه «صدام حسين»، وطالما أنه شرير فبلده شرير بالطبع.
 
الاستعارة لتزييف الوعي
ويعطف لاكوف على هذه الحرب ليبين كيف يتبارى السياسيون في استخدام الاستعارة لتزييف الوعي، وقلب الحقائق، وتمرير الجرائم والقتل والإبادة، وبذا فإن الاستعارة تقتل بدم بارد، تقتل تحت أغطية من العبارات المستعارة التي تحيل القتل إلى تحرير، والدمار إلى بناء، وهي مسألة طالما تكررت في التاريخ الإنساني كحيلة من السياسيين كي يبرروا فظائعهم، إذ لا يمكن لأي منهم أن يعترف بأنه ذاهب ليغزو ويقتل ويدمر ويحتل، وأنه سيصحب معه الألم والموت وتقطيع الأوصال والتشريد والظلم والقهر، إنما من الطبيعي أن يغلف فعلته هذه بخطاب إنساني يزعم فيه أنه فاتح، ومنتصر للحق، وساعي إلى الخير، ورسول للحرية، وتمدين الشعوب الهمجية، أو الأخذ بيد الدول المتخلفة إلى التقدم، وقد توسعت الإمبراطوريات في كل الأزمنة وفق هذا المنطق، وأنتجت استعارات تواكب زحف جيوشها إلى مختلف البلاد.
 
تأويلات فاسدة
ولم تسلم الكتب المقدسة نفسها من توظيف بلاغتها، في تأويلات فاسدة، لتبرير القتال، وهي مسألة إن كانت ظاهرة بشدة في أدبيات الجماعات والتنظيمات الإسلامية المتطرفة والعنيفة والإرهابية، فإننا نراها حاضرة بقوة في «الحروب الصلبية»، وفي توظيف «الكتاب المقدس» لتبرير الاستعمار، بل تبرير العذاب الأليم الدائم والمقيم لشعوب بأكملها، بل وحتى إبادتها أحيانا.
 
صور ورموز
ولا تقتصر الاستعارة في مجال الحرب على العبارات، إنما تمتد إلى الصور والرموز، فتنظيمي «القاعدة» و»داعش»، اتخذا «رأية سوداء» تسبق مقاتليهم في المعارك التي يخوضونها، زاعمين بأن رأية الرسول محمد (ص) كانت «سوداء»، ثم ظهر تنظيم في العراق مثلا، بعد انكسار داعش هنا، يحمل «رأية بيضاء» يتوسطها رسم لأسد. وكان الفرنجة يرفعون “الصليب” أثناء زحفهم الاستعماري على الشرق، بعد أن وظفوا استعارات لفظية حاشدة صورت العرب والمسلمين على أنهم “برابرة” و”كفرة” بينما هم كانوا “المخلصون” و”المؤمنون”، وقد جاء بوش الابن ليستعمل لفظ “البرابرة” قبيل الهجوم الأمريكي على أفغانستان في أكتوبر من عام 2001، قاصدا بهم حركة طالبان والقاعدة، ووقتها عاد البعض إلى استعارة نبوءة نوسترادموس الشهيرة التي توقع فيها حدث 11 سبتمبر والحرب التي تقوم بسببه، والتي قال فيها: “نار في مركز الأرض سوق. تتناطح صخرتان عظيمتان. وتسيل أنهار من الدماء، وينهزم البرابرة”.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-10-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-12-20
2014-12-23
2016-07-13
2017-03-02
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1614

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره