مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2018-01-01

التحالفات الجديدة من منظور توازن القوى وتوازن المصالح

يرى معظم المحللون والمتابعون أن انتهاء الحرب الباردة قد ادى الى أدى الى انعدام التوازن في النظام الدولي على المستوى الدولي والاقليمي، كما تأثرت موازين القوى بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وسقوط جدار برلين في تسعينات القرن الماضي مما ادى الى 3 حروب اقليمية طاحنة في منطقة الشرق الاوسط والخليج العربي ، على رأسها الحرب العراقية الايرانية التي امتدت لأكثر من 8 سنوات وادت ال اختلال في ميزان القوى ، مما قاد الى غزو العراق للكويت عام 1990 وبناء تحالف دولي غير مسبوق مكون من اكثر 33 دولة على مستوى العالم  لتحرير الكويت عام 1991 . مرورا بهجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 واحتلال العراق واسقاط نظام صدام حسين عام 2003 ، وصولا الى ثورات الربيع العربي التي بدأت عام 2011 ولا زالت والتي افرزت الحروب الاهلية والطائفية والدينية ،وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والامني حيث لازالت المنطقة تُعاني من تداعيات هذه التحولات والمتغيرات المتسارعة.
 
بقلم :  الدكتور صالح لافي المعايطة 
 
منظور توازن القوى والمصالح
توازن القوى ليس مجرد صراع بين الدول للوصول الى القدرة على الاقناع والتأثير والتدمير والاخضاع والاملاء والردع ، لمنع دول اخرى من العدوان عليها اوتهديد مصالحها فحسب ، بل آلية  سياسية لاستقرار النظام الدولي وحماية الشرعية الدولية وحق الشعوب في العيش الكريم ولكن ما يعيشه  العالم اليوم فهو على العكس تماما فلا توازن ولا شرعية دولية ، حيث اصبح اللجوء الى استخدام القوة في العلاقات الدولية أمرأ عاديا ، وهذه ما نُشاهده على الساحة السورية التي اصبحت تُمثل لعبة امم مصغرة تتحكم بها اطراف دولية واطراف اقليمية ، وبالتالي لا يُمكن ان نتصور وجود توازن في النظام عند المستويات الاقليمية وانعدام او غياب التوازن عند المستويات الدولية. 
 
أما توازن المصالح فهو مصطلح فضفاض قد يأخذ معاني متعددة فقد يُعني سياسيا حق كل دولة في تقرير وتحديد نظامها السياسي ، وقد يُعني ايدلوجيا حق كل دولة في الاحتفاظ بقيمها وتقاليدها الاساسية ، وقد يعني اقتصاديا حق كل دولة في تحقيق التنمية والتقدم والتساوي مع غيرها ، وقد يُعني أمنيا حق كل دولة في التسلح وبناء قدراتها الذاتية / الدفاعية والهجومية  على المستوى العملياتي والاستراتيجي.
 
من هنا فيمكن القول ان توازن المصالح هو آلية رخوة ومرنة جدا ولا يُمكن ان تكون بديلا عن  آلية توازن القوى في ظل البيئة الاستراتيجية السائدة هذه الايام ،  بسبب ان الاولويات اصبحت متسارعة ومتحركة ومتغيرة وحسب اهمية المصالح وتوازناتها مع مصالح دول الاقليم والجوار،  بعد ان اصبحت معادلة الامن والطاقة في استراتيجية معظم الدول هي حجر الاساس لتوازن المصالح وتوازن القوى آخذين  بعين الاعتبار ان منطقة الخليج العربي هي من أهم المناطق الاستراتيجية في العالم حيث تحتوي على %65 من الاحتياط العالمي للنفط ، و %31 من الاحتياط العالمي للغاز  لهذا دارت فيها 3 حروب اقليمية طاحنة ولا زالت تُشكل مركز ثقل استراتيجي ورافعة سياسية واقتصادية وامنية في منطقة الشرق الاوسط. 
 
 منظور التحالفات الجديدة
يعيش العالم تجاذبات متعددة لبناء تحالفات وبمسميات جديدة تختلف تماما بالغايات والاهداف عن الاحلاف التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية وخلال فترة الحرب الباردة ، واليوم نجد ان منطقة الشرق الاوسط  تتأرجح بين مصالح الكبار الدوليين ( امريكا وروسيا والصين ) ، واهتمام الكبار  الاقليميين ( ايران وتركيا ) فكيف سيكون شكل هذه التحالفات وهذا ما سأتحدث عنه في الفقرات اللاحقة : 
 
أ. الصين لها مسارات اكثر في الشرق الاوسط والخليج العربي لاعتمادها على اكثر من %67 من طاقتها المستوردة من هذه المناطق ، والصين تحاول احياء طريق الحرير وتعديل دستورها من اجل تعديل استراتيجية استخدام قواتها المسلحة خارج حدودها .
 
ب. اما روسيا فتعمل على زيادة مجالها الحيوي وهامشها الامني وهذا واضح من احتلالها لجزيرة القرم وتدخلها العسكري المباشر في سوريا لآنها تهتم كثيرا بالحصول على قواعد عسكرية خارج اراضيها كما انها تعمل على تجذير المقاربات العسكرية مع المؤسسة العسكرية السورية والمؤسسة العسكرية الليبية والمصرية وبعض دول البلطيق ، كما تركز روسيا على مبيعات الاسلحة ومنظومات الصواريخ لكل من ايران وتركيا، لآنها تدرك تماما انها غير قادرة على التفوق على الولايات المتحدة بالقدرات العسكرية التقليدية ، كما لا يوجد لروسيا نشاط اقتصادي يُذكر في منطقة الشرق الاوسط إلا مع تركيا وايران . حيث اجمع معظم المحللون ان روسيا اصبحت اليوم هي صاحبة الكلمة الاولى في سوريا.
 
ج. اما الولايات المتحدة فلم تتغير كثيرا فقد عملت خلال الحرب الباردة على بناء تحالفات وخلق مجتمعات مناهضة للشيوعية ، والان تعمل على الحد من التمدد الروسي في دول  بحر قزوين ودول البلطيق من خلال تشجيع هذه الدول ودعمها للانضمام الى حلف الناتو وعضوية الاتحاد الاوروبي ، كما تعمل  الولايات المتحدة ايضا على المحافظة على امن منطقة الخليج العربي وتعزيز الانظمة الاقتصادية لحلفائها في المنطقة مع عدم السماح لاختلال ميزان القوى مع اسرائيل ، علما ان المصالح الامريكية في سوريا ليست حيوية مثل مصالح منافسيها / روسيا وايران وتركيا . 
 
اما التعاون التركي الايراني الذي وصل الى حد التحالف في بعض المحطات وخصوصا عندما قام رئيس اركان القوات المسلحة الايرانية بزيارة تركيا لأول مرة منذ اكثر من 28 سنة  من اجل المصالح المشتركة في سوريا وهذا ظهر جليا عندما نفذت تركيا عملية درع الفرات وعملت منطقة امنة داخل الاراضي السورية بطول 100 كم وعمق 50 كم  وايضا التقت المصالح التركية والايرانية في الوقوف امام استقلال اقليم كردستان العراقي .
 
اما ايران  فهي تُركز على المقاربة الايدولوجية والمذهبية مع النظام السوري وليس المقاربة العسكرية  ، وخصوصا وبعد ان قدمت المليارات والرجال والمعدات على الاراضي السورية فإنها لن تتراجع عن مطالبتها بالكريدور البري مع لبنان ، علما ان ايران كانت هي صاحبة الكلمة الاولى في سوريا لكنها تنازلت لروسيا لإدارة الملف السوري مقابل مصالحها واعتقد انها نجحت ايران في بناء تحالف في سوريا والذي يُسمى « ائتلاف الراغبين «والذي يشمل ( تركيا وروسيا وايران ) ، هو اقوى من الائتلاف الذي استطاعت الولايات المتحدة تجميعه او ما يُسمى شبه الراغبين والمهتم بالمصالح الذاتية فقط .
 
قبل التطرق الى التحالفات الجديدة بمسمياتها الجديدة لابد من التوقف عند تشخيص اسباب الحروب والاقتتال في الدول التي عاشت هذه الحروب ففي ليبيا نجد ان الصراع فيها هو على السلطة والثروة ، وفي اليمن نجد ان الصراع بين كتلة فساد وتخريب بقيادة الرئيس السابق علي عبدالله صالح وتحالفه مع  الحوثي (كتلة ايدولوجية مذهبية مدعومة من ايران) وبين الشرعية اليمنية، وفي سوريا وبعد ان اوشكت الحرب على الانتهاء نجد ان الصراع هو على المكاسب والنفوذ الأيديولوجي  والمجال الحيوي لبعض دول الاقليم ، واما في العراق فهو صراع ممتد سببه المحاصصة والطائفية بالإضافة الى الصراع على الثروة والسلطة  . 
 
اما التحالفات الحالية وأكثرها ظهورا هو على الساحة السورية وقامت على اساس القوة  والمصلحة والايدلوجيا واذكر منها: 
أ. تحالفات انتقائية وغير ممتدة  او ما يُسمى بتحالفات الضرورة  وهذا الذي جمع روسيا وتركيا وايران في سوريا.
ب. تحالفات الطاقة والاقتصاد مثل تحالف تركيا مع ايران حيث حاجة تركيا للغاز الروسي وحاجة روسيا للمنتجات الزراعية والسياحة التركية ، وكذلك تحالف تركيا مع تنظيم داعش من أجل النفط في البداية الحرب في سوريا.
ج. تحالفات ممتدة. كتحالف الاكراد مع الولايات المتحدة  وتحالف حزب الله مع ايران والحوثي مع ايران.
 
الخلاصة والاستنتاجات
استطيع القول ان النمطية في العلاقات الدولية قد تغيرت من خلال عودة تأثير القوة العسكرية الى الساحة ،  بعد ان تقلص هذا العامل بعض الشيء في ال 20 عاما الماضية لمصلحة تأثير القوة الاقتصادية والتأثير المالي والتكنولوجي ، ومن الامثلة على ذلك هو ما يحصل في اقصى شرق آسيا في الانفلات النووي لدى كوريا الشمالية والتهديدات المتبادلة مع الولايات المتحدة ، والمناورات المشتركة بين روسيا والصين في بحر الصين الجنوبي في ذات السياق ، وعلى صعيد الولايات المتحدة نجد ان الكونغرس وافق على زيادة الانفاق العسكري الى ما يزيد عن 700 مليار دولار لعام 2018 وهم رقم غير مسبوق في ميزانية الدفاع الامريكية . 
 
بسبب كثرة التحالفات وتقاطع المصالح والاهداف نجد ان هناك تراجع  في مفهوم السيادة وانخفاض منسوب تأثير الدولة الوطنية لصالح مفهوم تفككي مما شجع التدخلات الخارجية في شؤون دول مستقلة ، وهذا الامر الى تراجع مستوى التماسك والتلاحم الوطني في بعض الدول وهذا ادى الى حروب وصراعات داخلية كما ساعد على ظهور التنظيمات الارهابية في بعض الدول وتمادى بعضها الآخر في تهديد بقاء ووحدة الدولة . 
 
لم يعد مفهوم الحدود الوطنية  كما كان عليه الحال في مرحلة ثنائية القطبية وما بعدها بل هذا المفهوم تمدد بالاتجاه الايجابي في بعض الاماكن كما في الاتحاد الاوروبي وتقلص في الحدود الدنيا عند بعض الدول العربية التي حصل فيها حروب واضطرابات كالعراق وسوريا واليمن وليبيا ، كما زادت ازمة الثقة بسبب الاستباحات الإلكترونية والفضاء الرقمي وكذلك الشائعات التي يُمكن ان تحملها وسائل التواصل الاجتماعي ، كما ان الحروب الرقمية قللت من قيمة التحالفات والاحلاف التقليدية  حيث اصبح الاعلام  والحروب السايبرانية هي  الاكثر فتكا وتأثيرا في نسيج المجتمعات من الاسلحة التقليدية .
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-05-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2016-11-03
2012-05-01
2015-12-01
2015-11-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1419

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره