مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2020-01-06

الجزيرة... وشق صف الرباعي العربي

هل ذاكرة الجمهور العربي مثقوبة؟
 
لا يمكن أن نوجه نقداً لهيئة إعلامية تركية لأنها تخدم مصالح أنقرة، ولا يمكن أن ننتقد “قناة العالم” الإيرانية بداعي أنها تبث أخباراً تعكس رؤية طهران للمنطقة، ولا أن نأخذ على “روسيا اليوم” نشرها أخباراً إيجابية عن سياسات موسكو، لكن ما تفعله “الجزيرة” في هذا الصدد يفوق تلك المقاربات براجماتية ونفعية بمراحل كبيرة.
 
بقلم: د.ياسر عبدالعزيز
يصعب إنكار أن درجة من الاتساق والتناغم تبدو واضحة بين وسائل الإعلام الكبرى والسياسات القومية، سواء في دول العالم الثالث أو في الدول الكبرى والمتقدمة في أوروبا وأمريكا الشمالية، وتتفاوت درجة هذا الاتساق لتشهد أعلى معدلاتها خصوصاً في الوسائل المملوكة للدولة؛ وهو أمر يمكن فهمه وتقبله، رغم أنه أحياناً ما ينعكس سلباً على مهنية التغطية وجودتها.
 
“ذاكرة الجمهور مثقوبة”
لكن تلك الوسائل المرموقة والكبيرة وذات التاريخ توازن بين مقتضيات خدمة الخط السياسي الوطني وصيانة المصلحة العامة وبين التزام أنماط أداء تعكس حداً أدنى من المهنية، لأنها إن لم تفعل ذلك ستفقد ثقة الجمهور تماماً، وبالتالي تفقد مبرر وجودها، وتعجز عن خدمة المصلحة الوطنية كما تشخصها السلطة التنفيذية.
 
تضرب “الجزيرة” بكل هذه المعايير وبكافة ضوابط الممارسة عرض الحائط، وتعول على أن “ذاكرة جمهورها مثقوبة”، فترفض وضع أي حد أدنى للمستوى المهني لما تبثه من مضامين من جانب، وتغير بوصلة التغطية على مدار اليوم بحسب مواقف الدوحة السياسية من جانب آخر.
 
تشن “الجزيرة” هجوماً حاداً على دولة ما في الصباح، تستخدم فيه كافة آليات التشويه والكذب والتزوير والاختلاق، وبمجرد أن يجري زعيم هذه الدولة اتصالاً مع القيادة السياسية القطرية، وتظهر علامات على توافق، فإن “الجزيرة” تغير فوراً خطها التحريري بـ 180 درجة، لتجعل من هذه الدولة أعظم دولة في العالم، فتغض الطرف عن مثالبها ونقائصها، وتسلط العدسات المبهرة على مناقبها وإنجازاتها، وتفرد ساعات البث الطويلة للتغزل في سمات زعمائها.
 
تعكس تلك الممارسات درجة فائقة من “الزبائنية”، وتجسد تدنياً مهنياً مروعاً، وتحول شبكة إعلامية كانت واعدة في بداية انطلاقها من مشروع إعلامي إلى ذراع دعاية سوداء.
فعلت “الجزيرة” ذلك أخيراً بموازاة صدور التصريحات والتقارير عن “تقدم طفيف” أو “تطور لافت” في ملف المصالحة مع السعودية، فبمجرد صدور تلك التصريحات أمكن لأي متابع للشبكة بأدواتها المختلفة أن يلحظ تغيراً فارقاً في مقاربتها للشأن السعودي.
 
وبموازاة تعظيم الهجوم على الإمارات وتصعيد الحملات ضد مصر وعدم استثناء البحرين من الانتقاد، راحت “الجزيرة” تخفف ضغوطها على السعودية، وبدأت في بث بعض المواد التي تعكس حساً موضوعياً إزاءها، وهو أمر لن ينطلي على الجمهور السعودي، الذي يتسم بدرجة عالية من الوعي، بطبيعة الحال.
 
قصة موحية
ثمة قصة موحية في هذا الصدد، فقد حدث قبل نحو ثمانية عقود، وتحديداً في يناير 1938، أن أطلقت   خدمتها العربية، كتعبير إعلامي مسموع يستهدف العالم العربي. 
 
لم يكن المدير العام للهيئة لورد ريث حينذاك مؤمناً بالفكرة؛ إذ كان يخشى على استقلالية الإذاعة وحيادها، الذي تعتبره أهم ما تملك. على أي حال، انطلقت الخدمة، وذهب السفير البريطاني في المملكة العربية السعودية إلى خيمة الملك عبد العزيز، ليسمع معه أول نشرة أخبار باللغة العربية من “بي بي سي”. لكن الحاضرين بهتوا جميعاً عند سماع الخبر الثالث؛ إذ كان نص الخبر كما يلي: “تم شنق عربي من فلسطين بناء على أمر من محكمة عسكرية بريطانية، إثر ضبطه وبحوزته أسلحة وذخائر، ...”.
 
يعلق السفير البريطاني على الموقف داخل خيمة الملك، في خطاب أرسله لمسؤولي وزارته في لندن، قائلاً: “صمتنا جميعاً داخل الخيمة، وتفرق جمعنا من دون النطق بأي كلمة”. الملك عبد العزيز أبلغ البريطانيين استياءه الشديد، وعلق قائلاً للسفير البريطاني: “كحاكم، أتفهم أن أولى مهمات الحكومة هي الحفاظ على النظام، لكن هذا الفلسطيني لم يكن ليعدم لو لم تكن السياسة الصهيونية للحكومة البريطانية وراء ذلك”.
 
شعرت الخارجية البريطانية بإحراج شديد، وأحس المسؤولون أن “بي بي سي” ليس فقط لا تساعدهم في عملهم في المنطقة، لكنهم شعروا أيضاً انها ربما “تعوق عملهم وتضر به”، وهو ما دفع سياسي بالوزارة إلى الكتابة معلقاً: “هل يجب على الهيئة أن تذيع خبر إعدام كل عربي... هذا غير ضروري بالمرة”.
 
لقد استمر النزاع حيال دور “بي بي سي”، كما استمرت الضغوط، واتخذت أشكالاً متعددة، لكن الأكيد أن إدارة الهيئة قاومت تلك الضغوط بشكل أو بآخر، وسعت إلى تكريس التزامها حداً أدنى من القواعد مهنية والالتزامات الأخلاقية، لكي تبقى قادرة على التمتع بثقة الجمهور.
 
لقد تعلمت “بي بي سي” من تجربة “إذاعة الشرق الأدنى”، وهي إذاعة كان الجيش البريطاني قد أطلقها في مطلع الأربعينيات من القرن الفائت، لتعمل كذراع دعاية باللغة العربية، في مواجهة الدعاية النازية.
 
بعدما انهزمت ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، سعت إدارة الحرب النفسية في وزارة الدفاع البريطانية إلى استغلال إذاعة الشرق الأدنى في تسويق السياسات البريطانية في المنطقة، لكن تلك الإذاعة لم تحظ أبداً بمصداقية أو احتفاء من جانب الجمهور العربي الذي توجهت له، وكانت الطامة الكبرى التي أطاحت عالمها حينما بثت رسائل تحريضية ضد الحكومة المصرية أثناء العدوان الثلاثي (1956)، الذي شنته فرنسا وبريطانيا وإسرائيل ضد مصر، وهو الأمر الذي استدعى استقالة جماعية من كافة المذيعين العرب فيها.بعد هذا الفشل المزري الذي ضرب إذاعة الشرق الأدنى، لم تجد الحكومة البريطانية سبباً لاستمرارها، فأغلقتها.
 
ترتكب “بي بي سي” مثلها مثل الكثير من وسائل الإعلام المرموقة في العالم أخطاء كثيرة، لكنها لم تتحول وسيلة دعاية مباشرة مثلما فعلت إذاعة الشرق الأدنى، ولذلك فهي ما زالت تبث وما زالت تُسمع وتُحترم.
 
لكن لا يبدو أن “الجزيرة” فهمت هذا الدرس؛ إذ تصر على استمرار الإفراط في أدوارها الدعائية، موظفة الأخبار والتقارير والأفلام التسجيلية للنيل من دول الرباعي، وهو أمر يخرجها تماماً من تصنيفات وسائل الإعلام.
 
وتعتقد “الجزيرة” أنها يمكن أن تنجح في استمالة الجمهور أو النخبة السعودية عبر هذه المحاولات، لكنها تنسى أن هذا الجمهور سيدرك تماماً أنها إنما استهدفت الرياض لتحقيق هدف سياسي وخففت استهدافها لتحقيق هدف آخر، وفي كلتا الحالتين، فإنها فقدت الاعتبار والاحترام والمصداقية.
 
مشروع سياسي مشبوه
لا يمكن فصل مشروع “الجزيرة” عن المشروع السياسي المشبوه الذي أطلقته قطر منذ منتصف التسعينيات الفائتة، بل يمكن التعرف إلى عناصر هذا المشروع السياسي من خلال تغطيات “الجزيرة”، التي لا تستهدف سوى الضغط على خصوم الدوحة وتلميع حلفائها.
 
بدأت “الجزيرة” عصراً جديداً في سجل الإعلام العربي حين أصبحت لاعباً سياسياً كامل التأثير، واستطاعت سحب المنظومة الإعلامية العربية، التي أظهرت إشارات مهنية إيجابية، إلى معارك دعائية تم استخدام كافة أدوات التلاعب والفبركة والتحريض والتزييف فيها للأسف الشديد.
 
منحت “الجزيرة” الواقع الإعلامي العربي حيوية نادرة، ورفعت سقف التنافس، وعززت المقاربات التقنية في العمل الإعلامي، وحفزت منظومات إعلامية عربية على التطور، لكنها للأسف سخرت كل هذا لمشروع سياسي مأفون ومشبوه، وسحبت تلك المنظومات إلى صراعات ممجوجة قوضت سمتها المهني ودفعتها إلى أنماط أداء صارخة وحادة ومشينة في بعض الأحيان.
 
في حال تمت المصالحة مع الدول الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب، سيشاهد الجمهور العربي “الجزيرة” تتجنب إذاعة أي أخبار أو برامج تنال من سياسات دول المقاطعة الأربع، بل سيشاهد أحياناً مدحاً وتعظيماً لقادة تلك الدول على هوائها، وهو أمر لن يمكن تبريره للجمهور، الذي سيفقد الثقة تماماً في هذه الشبكة، رغم المليارات التي تنفق عليها. 
 
منصة تحريض وفبركة
أدرك قطاع كبير من الجمهور العربي أن قطر وأذرعها الإعلامية، وعلى رأسها “شبكة الجزيرة”، تسعى بجهود حثيثة وإنفاق لا حدود له إلى إشعال فوضى في المنطقة، وتقويض أركان الدول، وتحويلها إلى نسخ مماثلة لما جرى في بلاد أخرى مثل العراق، واليمن، وسوريا، وليبيا.
 
لقد كشفت “الجزيرة” عن وجهها الحقيقي، وراحت تتحول باطراد إلى منصة تحريضية للفبركة وبث الأكاذيب، بموازاة اندلاع الانتفاضات العربية في مطلع العقد الجاري.
 
مع اندلاع تلك الانتفاضات تحولت “الجزيرة” إلى أداة لدعم الإرهاب بصورة سافرة، وفي محاولاتها الدائبة لتثوير الأوضاع، وزرع الفتن، تناست أي معيار مهني أو مبدأ أخلاقي، وراحت تلعب أدواراً إجرامية؛ مثل التحريض على العنف، وإثارة الكراهية، وإشاعة التمييز، وتمجيد الفوضى.
 
دأبت قطر على نفي كونها دولة داعمة وممولة للإرهاب، بل إنها زادت في نفيها لتروج لنفسها باعتبارها “دولة تدعم الحريات وحقوق الإنسان”، و”تشارك المجتمع الدولي جهوده الرامية إلى تعزيز السلم والاستقرار”.
 
تدافع قطر عن نفسها أيضاً عندما يتم كشف الحقائق عن علاقاتها بإيران وتركيا، وهما دولتان تلعبان أدواراً مقلقة إزاء الأمن القومي العربي، فضلاً عن دعمها، ضمن شراكة راسخة مع أنقرة، لتنظيم “الإخوان”، الذي تم تصنيفه من جانب دول عدة مؤثرة باعتباره تنظيماً إرهابياً.
 
ولكي تلعب “الجزيرة” لعبتها، وتنفذ دورها المرسوم ضمن الاستراتيجية القطرية الرامية إلى دعم الإرهاب والترويج له، وزعزعة استقرار دول المنطقة، فإنها تطيح بكافة القواعد الإعلامية التي ادعت كذباً أنها تحترمها وتلتزم بها في أدائها.
 
تقوم “الجزيرة” بالتدليس عبر الاختيار المسيء للقصص التي تعرضها على شاشاتها وعبر أذرعها الإلكترونية؛ إذ تسلط الضوء على وقائع تافهة أو محدودة الأهمية الإخبارية لمجرد أنها تحقق أهدافها في التثوير والتحريض.
 
تفتح البث المباشر على تظاهرة تضم عشرة أفراد، وتقدمها إلى الجمهور باعتبارها حدثاً كونياً محورياً، يجب أن يستمر بثه على مدار الساعة، وتروج له في شريط الأخبار، وتدعمه بـ “البروموهات”، وتسنده بالأفلام الوثائقية المحرفة، وتقيم له ندوات، وتستضيف مصادر مجهولة من عواصم مختلفة، لكي توحي بأن هذه التظاهرة الصغيرة تمثل انقلاباً سيطيح بالأوضاع الراسخة، ويؤسس لأوضاع جديدة.
 
لا يجب أن تكون ذاكرة جمهور “الجزيرة” مثقوبة، وعليه أن يتذكر كيف كانت تغطي شؤون السعودية قبل اندلاع الأزمة، وكيف أصبحت تغطيها منذ يونيو 2017 مع إعلان المقاطعة، ثم كيف باتت تقدمها في هذه الآونة التي تستهدف فيها شق صف دول الرباعي.
 
العلاقات الإماراتية- السعودية استراتيجية وراسخة، ولن تفلح “الجزيرة” في المساس بها، وأفضل ما يمكن أن تفعله دول الرباعي أن تثبت على مواقفها، وأن تحافظ على مطالبها، وعلى رأسها توقف منصات التحريض الإعلامية القطرية عن إشاعة الفوضى والتخريب في المنطقة.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2020-04-30 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2016-07-13
2017-06-12
2014-11-17
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره