مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2018-07-01

الحرب الهجينة والأمن الديمقراطي

تطور أدوات الصراع يفرض تغيراً في مفاهيم الدفاع
 
بات مصطلح “الحرب الهجينة” Hybrid warfare حقيقة ساطعة، وقاسماً مشتركاً، في الجهود البحثية التي تجريها معاهد دراسة الحرب والأمن القومي من جهة، وأحاديث الساسة وقادة الجيوش والمنظمات الدفاعية الدولية من جهة أخرى.
 
بقلم: ياسر عبد العزيز
 
لا يمكن النظر إلى الحرب بوصفها مفهوماً “استاتيكياً” ثابتاً مستقراً، وإنما هي حالة متغيرة بتغير الأزمنة والأدوات والتحديات التي تفرضها أوضاع التنافس والنزال.
لذلك، يمكن قبول التصنيفات التي أقرها علماء وباحثون مرموقون في شأن أجيال الحرب المختلفة، التي سبق أن وصفها فيلسوف الحرب الأشهر كلاوزفيتز بأنها “تتلون كالحرباء”.
 
يبدو أن أحدث أجيال الحرب وأكثرها تعبيراً عن حالات النزال الراهنة ليس سوى جيل “الحرب الهجينة”، والتي يمكن تعريفها ببساطة بأنها “استراتيجية عسكرية تجمع بين الحرب التقليدية، والحرب غير النظامية، والحرب السيبرانية”، وهي ايضاً “الهجمات التي تستخدم فيها اسلحة الدمار الشامل، والأسلحة التقليدية، وحرب المعلومات”، أو هي “توليفة من أنواع مختلفة من التهديدات، تتضمن استخدام الوسائل التقليدية والتخريبية والسيبرانية”.
 
 
سيكون بمقدورنا أن نُعرّف معظم الحروب التي جرت قبل الحرب العالمية الأولى بأنها “حروب تقليدية”؛ إذ ينتظم الجيشان المتقاتلان في جبهتين متقابلتين، تم تحديدهما سلفاً، ويستخدم كلاهما أنواعاً متقاربة من الأسلحة، ويتم حسم المعركة من خلال القدرة على إيقاع أكبر قدر من الخسائر في القوة المعادية، بما يجبرها على تقديم تنازل، أو يحملها على الاستسلام.
 
 
جبهة لا متناهية
لكن الحروب أخذت تتلون لاحقاً، وتتخذ أشكالاً مختلفة؛ وهو الأمر الذي واكبه التنظير الخاص بتقسيم الحروب وتمييزها إلى أجيال، وصولاً إلى أحد أحدث هذه الأجيال، والذي وُصف بأنه جيل “الحرب اللامتماثلة” Asymmetric warfare.
 
 
نشأ مصطلح “الحرب اللامتماثلة” لمقابلة حالة الحرب التي ينخرط فيها جيش نظامي في مواجهة “عصابة” أو جماعة مسلحة غير نظامية؛ وهو أمر تكرر كثيراً مع بروز التهديد الإرهابي في مناطق مختلفة من العالم.
 
 
لكن مصطلح “الحرب اللامتماثلة” لم يعد قادراً على تفسير وشرح حروب جديدة اندلعت في أكثر من بقعة؛ وهي حروب شهدت انخراط قوات نظامية ولا نظامية، وتوظيف أدوات جديدة، لم يكن بالوسع توظيفها في الحروب السابقة، والأهم من ذلك أن جبهة تلك الحروب اتسعت لتشمل الفضاء الإلكتروني إلى جانب الفضاء الكوني.
 
 
مع بروز مصطلح “الحرب الهجينة” ومعاينة أثره في واقع الحروب، لم يعد مفهوم الحرب مقتصراً على العمليات الحربية في جبهات القتال؛ إذ اختفت الحدود الفاصلة بين حالة الحرب واللاحرب، وبين المقاتل والمدني، وبين الأدوات والوسائل الاجتماعية وآليات القتال.
 
 
لقد تغيرت طبيعة التسليح بموازاة ترسخ حالة “الحرب الهجينة”، وبينما تظل البندقية والطائرة والصاروخ والعبوة الناسفة أدوات مهمة في تلك الحرب، فإن أدوات جديدة تنضم إلى قوائم التسلح؛ وبينها أجهزة كمبيوتر، وأمصال، و”بوستات” على وسائط التواصل الاجتماعي، ولجان لصنع الشائعات وترويجها.
 
 
وبموازاة ذلك تغيرت طبيعة المحارب الفرد والقوة المحاربة؛ فلم يعد المقاتل ذلك الجندي النظامي، أو رجل “المليشيا” المدرب على أعمال القتال البدنية والذهنية فقط، ولكنه بات أيضاً طبيباً، أو مهندس تقنية معلومات، أو عالماً في مختبر، أو مدون على “الإنترنت”.
 
 
وفي غضون ذلك، فإن جبهة القتال اتسعت، بحيث يمكن تعريف حدودها بآلا حدود لها، كما تغيرت طبيعة الفئات المستهدفة بالقتال، لتشمل الأسر في البيوت، وطلاب المدارس، وجمهور الفرق الرياضية، والعقل الجمعي للأمة المستهدفة، والذاكرة الوطنية، والحالة المعنوية، وماء الشرب، والأكسجين في الهواء، والمعاملات المصرفية، والعملة المستخدمة، ومخزون الحنطة، والوقود، وغيره من السلع الحيوية.
 
 
توظيف سياسي
تجتهد معاهد البحوث ومنتديات السياسة الغربية في إلصاق مصطلح “الحرب الهجينة” بروسيا، ويسود انطباع قوي لدى هذه المنتديات بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين “مرجع أساسي” في هذا المضمار.
 
 
يُنظر إلى ما فعله بوتين إزاء القرم وأوكرانيا، وفي تحليل آخر، إزاء سورية، بوصفه تطبيقاً عملياً بارعاً لمفهوم “الحرب الهجينة”، وهو أمر يندرج ضمن “تكنيكات” التدافع السياسي، التي يستخدمها الغرب لإلحاق الضرر بصورة المنافس الروسي.
 
 
ومع ذلك، فإنه لا يمكن استبعاد أن بوتين يستخدم “تكنيكات الحرب الهجينة” بالفعل، لكن هذا الإقرار لا يجب أن ينسينا أن تلك “التكنيكات” تُمارس من قوى عديدة في العالم.
يعطينا “داعش” مثلاً ملهماً في إطار استخدام تلك “التكنيكات”، وتظل عملية احتلال الموصل في يونيو من العام 2014 شاهداً على مثل هذا الإنجاز؛ إذ تم استخدام آليات الحرب التقليدية كلها، بموازاة الحرب النفسية، والحرب السيبرانية، وتدمير الموارد، والروح المعنوية للعدو، حتى قيل إن “داعش” احتل الموصل بـ “التغريدات”.
 
 
وفي اليمن، لا يمكن تبرئة إيران وأنصارها الحوثيين من استخدام “تكنيكات الحرب الهجينة”؛ إذ يخوض الجانبان حرباً تقليدية لا متماثلة، تستخدم فيها كافة أنواع الأسلحة الخشنة والناعمة، وتسندها آلة إعلامية ضخمة تبث من قطر ومناطق أخرى من العالم.
 
 
المواجهة
يخوض “داعش”، ومعه جماعات إرهابية أخرى، حرباً “هجينة” في ليبيا في مواجهة الجيش الوطني الليبي، وما زالت بقايا هذا التنظيم تحاول استعادة المناطق التي سلبت منها في العراق وسورية، بموازاة الحرب الدائرة في اليمن ضد الشرعية والتحالف الإسلامي.
 
 
تتوافر كل مقومات الحرب “الهجينة” في الممارسات الإيرانية ضد العالم العربي، وخصوصاً في البحرين واليمن ولبنان وسورية.
تُستخدم الأسلحة التقليدية في الحروب الإيرانية على المنطقة، بموازاة القصف الإعلامي، والتهديد السيبراني الذي ظهرت بوادره واضحة ضد المملكة العربية السعودية.
 
 
لا يمكن للدول العربية التي تُستهدف بالحرب “الهجينة” أن تواجه ذلك التحدي بآليات تقليدية، إذ تفرض تلك الأدوات الجديدة ضرورة الاستعانة بمزيج من الأدوات المقاومة والمضادة، التي يمكن أن تتصدى لما تفرضه تلك التطورات من خطورة متزايدة.
 
 
وهنا يبرز مصطلح “الأمن الديمقراطي”، الذي يمكن من خلال اتباع آليات تحقيقه صد هذا العدوان النوعي وغير المسبوق.
مصطلح “الأمن الديمقراطي” مصطلح جديد على معاهد البحث ومستودعات الأفكار الاستراتيجية؛ ومع ذلك فإن ملامحه يمكن أن تُجمل في حزمة من السياسات التي يجب أن تتخذها الدولة في إطار محاولتها للتصدي.
 
 
وبتحليل تلك السياسات وجد الباحثون المختصون أنها تركزت في ثلاثة عناصر رئيسة؛ أولها المواجهة الحاذقة الحاسمة للاستهدافات العسكرية والأمنية ضمن “الحرب التقليدية” أو “الهجوم اللامتماثل”، بحيث لا تكون هناك فرصة لأي اختراق مؤثر للحالة الأمنية، أو إشاعة الفوضى، أو زعزعة هيبة الدولة، مهما كانت التكلفة ومهما كانت التداعيات.
 
 
وثانيها يتعلق بدرجة الرشد والنجاعة في الإدارة الاقتصادية للموارد المتاحة، بالشكل الذي يحقق إنجازاً اقتصادياً ملموساً، يتم توزيع أثره بقدر من العدالة مناسب، بحيث يعالج الأبعاد الاجتماعية، ويبطل دعاوى المظلومية، بما يجرد هذا الاستهداف من القدرة على الاستثمار في ذرائع الاحتجاج والتمرد.
 
 
أما ثالث هذه العناصر، فليس سوى جملة من السياسات التي تنتهجها الحكومة، ليس لتحويل البلد بالضرورة إلى صورة من الديمقراطيات الغربية ذات الطبيعة الخاصة والسياقات الموضوعية المتعذر وجودها في مناطق أخرى من العالم، ولكن لإيجاد بيئة ضامنة لقدر مناسب من الحريات وحقوق الإنسان، بشكل يُبقى المجال العام طبيعياً، ويترك الفرصة للجماعات والقوى السياسية والاجتماعية للتعبير عن مواقفها ومصالحها، ويخلق حالة مجتمعية تضمن حواراً وطنياً بناء، ضمن إطار القانون، وتحت سقف الدستور.
 
 
لا يمكن للدول العربية المعنية بـ “الحرب الهجينة” وأدواتها المتعددة أن تتصدى لهذا الخطر من دون درجة عالية من التنسيق والجهود المدروسة المشتركة، لأن جبهة تلك الحرب واسعة، وجزء منها يقع في الفضاء السيبراني؛ وهو أمر يحتاج قدراً من العمل الجماعي المنسق بين الدول والمجتمعات الراغبة في الحفاظ على أمنها وسلامها.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-10-31 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2016-07-13
2014-12-20
2014-12-23
2016-12-04
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1619

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره