مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2018-07-01

الذكاء الاصطناعي وحروب الجيل الخامس والأثر المتوقع على متطلبات الدفاع الوطني

عندما نتحدث عن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وحروب الجيل الخامس فإننا نتحدث عن فرص وتحديات يمكن البناء عليها في جوانب الدفاع الوطني لمواجهة متغيرات البيئة الاستراتيجية على المستوى الإقليمي والدولي في ظل تكنولوجيا الفضاء الرقمي، ومرتكزات وأبعاد حروب الجيل الخامس، من حيث  نشأتها وانتشارها في المجتمع الرقمي، وهذا ما يجب أن ينعكس على إعداد وبناء القوات المسلحة في أية دولة، وكذلك على إعداد الاستراتيجيات العسكرية والسياسات الدفاعية، بما يخدم ويدعم جوانب الدفاع الوطني، وفي هذه القراءة التحليلية سيتم  طرح بعض الأمثلة عن الوظائف العسكرية المعززة بالذكاء الاصطناعي، والتي توفّر الأساس لمزيد من الابتكار والإبداع.
 
بقلـم: العميد الركن الدكتور
مبارك بن غافان الجابري 
 
الدفاع الوطني الرقمي في حقبة الجيل الخامس من الحروب.
في الحروب الحديثة يتم الحديث عن الاستخدام الواسع للتكنولوجيا على المستوى الاستراتيجي والعملياتي والتعبوي، وإسناد القادة وعلى كافة المستويات في تعاملهم مع مفاهيم حروب الجيل الخامس والتي تشمل الخصائص الآتية:
 
أ. تؤثر حروب الجيل الخامس على كافة عناصر القوة الوطنية للدولة (السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والتكنولوجية والعلمية، والثقافية، والنفسية)، بالإضافة إلى القوة العسكرية. وهذا التحدي الجديد للدول، حيث تشتمل الصراعات في الجيل الخامس من الحروب على عوامل بشرية وثقافية ونفسية وسياسية واقتصادية للصراع المسلح ودون أي قيود، وتشمل أيضاً الدولة والمجتمع معاً، وتستهدف الشعوب والقادة أكثر من استهدافها للقوات المسلحة، وباستخدام جميع الوسائل بهدف تغيير سلوك الأطراف المتحاربة أو لتدميرها من الداخل. تعرَف الحروب على أنها نزاعات أو مواجهات عسكرية وغير عسكرية، ويتم تصنيفها إلى أجيال، ويتم تنفيذ العمليات في عدة مجالات وفي وقت واحد، وقد تشمل أهدافها إيجاد أو فرض وسائل دبلوماسية وإعلامية واقتصادية وعسكرية مختلفة لإحداث تأثيرات في الأنظمة السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية والبنية التحتية. وخلال تنفيذ هذا النوع من الحروب، تتعاون الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية على أساس المصالح المشتركة بدلاً من الأهداف الإيديولوجية أوالوطنية.
 
ب. تحاول المؤسسات والمنظومات الوطنية الأساسية في الدولة المتمثلة بالثقافة والحوكمة والاقتصاد والمعلومات والبنية التحتية والجهات العسكرية مواجهة التأثيرات الناشئة للعالم الرقمي - أوما يسمى بالفضاء الرقمي أحياناً- والتكيّف التدريجي معها، ذلك أن هذا العالم الرقمي يمكّن الصناعات6 من الوصول إلى مستوى (Industry 4.0)، وأن تتمكن الحكومات من استخدام تطبيقات الحكومات الذكية، والأعمال التجارية لاستخدام وسائل الإعلام الاجتماعية، والتعبير عن الثقافات المختلفة عبر وسائل الإعلام الرقمية، وأن تصبح تجارة البيع بالتجزئة موحّدة وتعتمد على المنصات الرقمية، وتوصيل البيوت بشبكة الإنترنت، وتقديم التعليم عبر الدورات المختلفة باستخدام شبكة الإنترنت، وأن تتوطّد العلاقات الاجتماعية باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي.
 
جـ. إن الجهات المعادية سواء أكانت هذه الجهات دولاً أم تنظيمات معادية أم مليشيات عسكرية أم شبه عسكرية أم تنظيمات أيدولوجية تستخدم الفضاء الرقمي لغايات الترهيب والترغيب واستخدام العمليات والحرب النفسية لغايات زعزعة ثقة الشعوب بقيادتها وجيوشها ضمن الجيل الخامس (Hard and Soft Powers) لإرغام خصومها على تنفيذ رغباتها من خلال استغلال نقاط الضعف في المنظومات الوطنية الرقمية الجديدة، ومعتمدين في ذلك على أن المجتمعات الرقمية تعمل بطبيعتها على بيانات مفتوحة يمكن الوصول إليها، وبالتالي يمكن أيضاً استخدام تلك البيانات لأغراض خبيثة. إن المعلومات التي تحافظ على المجتمعات وحكومتها وجيوشها متكاتفة ويثق كل طرفٍ منها بالآخر تعد عاملاً يوفر ارتباطاً مباشراً بالفهم المعرفي، وبالتالي يؤثر على السلوك الاجتماعي، ومن هنا يأتي دور مؤسسات الدفاع الوطني والأمن الوطني في الدولة لتخصيص الأولوية الأولى في حماية المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية من الاختراق الفكري لأن الأمن الفكري هوخط الدفاع الأول. وبناء على ذلك، ينبغي على منظومة الدفاع الوطني أن تؤمن الحماية للمجتمع والمنظومات المختلفة، وليس فقط في الأبعاد التقليدية (البرية والبحرية والجوية والفضائية والكهرومغناطيسية)، وإنما أيضاً في الجانب المرتبط بالمعلومات (المعلومات والبيانات)، وفي الجوانب المعرفية (الثقافة والقيم والمعتقدات والثقة والفهم والعواطف).
 
 
الفرص المتوفرة لاستغلال تطبيقات الذكاء الاصطناعي لدعم جوانب الدفاع الوطني
سنستعرض في هذا الفقرة الفرص التي تتيحها التكنولوجيا الحديثة وكيفية توظيفها لدعم جوانب الدفاع الوطني وعلى النحو التالي:
أ. هناك العديد من التطورات العلمية البارزة التي قد توفر مزايا استراتيجية للدفاع الوطني وهي تتلخص في اتجاهين، الأول: يشمل العلوم الرقمية (Digital Science) والحوسبة الإدراكية (Cognitive Computing) والتعلم المتعمّق (Deep Learning). ومن الأمثلة عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتي ستمكّن منظومات القيادة والسيطرة (C4ISTAR) من تحقيق التفوق والهيمنة العملياتية مع استخدام أسلحتها التقليدية. أما الثاني: فيتمثل في تمكين علوم المعلومات والحاسوب والأتمتة وهندسة الأنظمة من القيام ببناء عدد كبير من الأنظمة المستقلة ذات التكلفة المعقولة لتوفير الرؤوس الحربية التقليدية مع عزل التجمعات البشرية عن مناطق الخطر. ونحن هنا نركز على الفرص ذات الصلة بالذكاء الاصطناعي لبناء القدرات الدفاعية التي تم وصفها بشكل رئيس في الخيار الأول.
 
ب. تعتمد الجيوش الحديثة على توفر قاعدة بشرية مؤهلة قادرة على استيعاب التكنولوجيا وتطبيقها واستخدامها، والذي سيساعد على توفير احتياجات ومتطلبات القوات المسلحة من القوى البشرية المؤهلة القادرة على الاستفادة من مزايا وفوائد الذكاء الاصطناعي، وهناك طريقتان استراتيجيتان يمكن أن تتبناهما الجيوش لتحقيق ميزة في هذا المجال، وهما:
القدرات غير المتماثلة في استخدام الأساليب العسكرية القتالية أوعمليات الفضاء المعلوماتي في حالة الصراع.
الكفاءة مقابل التكلفة للمشاريع العسكرية طويلة الأمد. 
 
منهجية وآلية استخدام القدرات المعززة بالذكاء الاصطناعي في العمليات التعرضية والدفاعية
أ. قد يكون تحقيق فوائد وميزات الذكاء الاصطناعي مرهوناً بالتغلب على أربعة عوائق وهي:
ثقة البشر بتوصيات ونصائح تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ومستوى استقرار العمليات التي تتجه النية لتحويلها إلى عمليات تلقائية.
سلامة البيانات والقدرة على الوصول إليها وقدرة الحوسبة المتوفرة.
 
ب. قد تتمكن الجهات المعادية من استغلال نقاط الضعف المذكورة وحرماننا من استخدام قدرات الذكاء الاصطناعي بعدة طرائق مثل: حرماننا من قدرات الحوسبة من خلال تنفيذ الهجمات الشرسة لحرمان الخدمة (DDoS)، أومن خلال العبث بمخازن وقواعد البيانات الضخمة، ما يؤدي إلى حصول الذكاء الاصطناعي على استنتاجات مغلوطة، واستخدام أساليب الخداع للعمل بطرائق ومنهجيات جديدة وغير مسبوقة، وبالتالي التغلب على أنماط التعرف والاستنتاج والقواعد العامة التي يستخدمها الذكاء الاصطناعي. 
 
جـ. يتطلب استخدام الذكاء الاصطناعي وجود بيئة فضاء معلوماتي متطورة ودفاع سيبراني محكم وقوة رقمية وأشخاص مؤهلين ذوي كفاءة عالية وبخاصة في المجال العسكري والأمني، عندئذ يمكن أن تتحقق السيناريوهات التالية:
يمكن أن يتم تعزيز عملية تكوين القوة باستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي مثل تطبيق نظام «Siri” العسكري الذي سيكون بمثابة المساعد الشخصي لكل جندي خلال فترات التدريب والانفتاح، وكون هذا التطبيق مرتبطاً بقاعدة معرفية عسكرية، فإنه قادر على تزويد الجندي بالمعلومات المطلوبة عند الحاجة، وتقديم النصح عند مواجهة المواقف غير الاعتيادية، من خلال تعاون هذا المساعد الشخصي مع المساعدين الشخصيين الآخرين ضمن الفصيلة، ما سيؤدي إلى توفير وعي تشاركي، حتى عندما لا يتوفر تبادل رؤية بين الجنود.  هذا المساعد الشخصي قادر على التعرف على الظروف الصحية والنفسية للمقاتل ومن ثم تزويده بنصائح وتوصيات لاستعادة عافيته. 
 
يمكن أن يتم تعزيز استخدام القوات من خلال تفعيل منظومات (C4ISTAR) متكاملة تكشف وتجمع وتقارن المعلومات الخاصة بالأحداث والفعاليات ضمن منطقة العمليات، حيث يمكن أن تتم الاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي مثل تطبيق “Battle Captain” (16) كمصدر رئيس معتمد لكافة المعلومات والحقائق في منطقة العمليات، كما يمكّن هذا التطبيق ضباط الركن من الحصول على معلومات وافية عن الأحداث الجارية في الموقف الراهن، إضافة إلى خطط المراحل التالية من العملية. ويمكن أن يتم تنفيذ التخطيط العملياتي بالكامل باستخدام لعبة الحرب، ومن ثم يتم توزيع خطة «الإنسان-الآلة» على شكل أوامر يقدمها تطبيق المساعد الشخصي للجندي.
 
يتم جمع المعلومات الاستخبارية من المصادر المفتوحة (OSINT) ضمن مجتمع العدو، حيث يمكن لهذه الوظيفة أن تدمج البيانات التي يقوم الجنود بوضعها على مواقع التواصل الاجتماعي والتي تعبر عن مشاعرهم وعن الأحداث التي يمرون بها مع أصدقائهم والحالة الجوية في مواقعهم، إضافة إلى المعلومات الموجودة على أجهزتهم الرياضية التي يرتدونها والتي تجمع معلومات عن تدريباتهم البدنية والمسارات التي يمرون بها، واستمرارية ربط مركبتهم بالبيانات وتحديد نوع الركاب الذين يحملونهم، كما يمكن تحديد نوعية الإمدادات التي تنقلها تلك المركبة ووجهتها من خلال قيود وسجلات (RFID) للإمداد(18).
 
تسخير الذكاء الاصطناعي لخدمة الأغراض العسكرية
لتحقيق الاستفادة القصوى من إمكانات الذكاء الاصطناعي، على الجيوش أن تبدأ هذه المسيرة المعقدة والمحفوفة بالمخاطر والتحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، والشروط التي يجب تحقيقها من أجل التغلب على تلك التحديات والصعوبات، وهذا يتطلب المراجعة الاستراتيجية الشاملة لكافة مناهج التدريب ومراكز البحوث والمختبرات، ومتابعة كل ما هوحديث في مجال الإعداد والتأهيل، حتى تمتلك القوات المسلحة سرعة التكيف والاستجابة لمتطلبات الحروب الحديثة.
 
حتى الأن يقود القطاع التجاري غالبية تطورات الذكاء الاصطناعي، ولا زالت غالبية الأعمال المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تتم في مضمار الأبحاث والمختبرات، ولكن يمكن استثمار هذه التطورات في خدمة الأغراض العسكرية من خلال تضافر وتكثيف الجهود وتوفير بوابة إلكترونية لتبادل المعلومات بين جميع الباحثين في هذا المضمار، وتشجيع الإبداع والابتكار من خلال تنفيذ برامج عسكرية للتجارب العملياتية ودعم تطوير مجموعة من المشاريع التعليمية. إن الدولة عندما تخوض الحرب لا تخوضها فقط بالقوات المسلحة، وإنما بكافة قطاعات الدولة المدنية والعسكرية والصناعية والتجارية، ولهذا فإن مفهوم إعداد الدولة للدفاع هوحجر الأساس في بناء الاستراتيجية والسياسة الوطنية للدولة، أي ما يسمى تكامل وتضافر الجهود الوطنية للدولة. 
 
  وفي النهاية، لابد لنا جميعاً التسليم بأن تطبيقات الذكاء الاصطناعي ستستخدم في الحروب بمختلف أنواعها، وهذا قادم لا محالة وسيكون هناك توسع كبير في الأدوار التي ستلعبها وتؤديها الآلات الذكية، ولذلك لابد من الاستعداد والتجهيز والاهتمام بالبنية التحتية الرقمية والعنصر البشري المؤهل مع عدم إغفال تطبيق أقصى وأرقى المعايير الأمنية.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-09-06 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2012-05-01
2016-11-03
2015-12-01
2015-11-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1484

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره