مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2018-01-01

المسح الجوي للتلوث الإشعاعي باستخدام طائرات بدون طيار

في الحادي عشر من مارس 2011، وقع زلزال (توهوكو - Tōhoku) قبالة الساحل الشرقي لليابان، وبلغت شدة الزلزال (8.9) على مقياس ريختر، أدى الزلزال إلى قطع التغذية الخارجية بالتيار الكهربائي في الستة مفاعلات الموجودة في المحطة، من بينها ثلاثة مفاعلات متوقفة عن العمل للصيانة، ما أدى إلى تعطيل نظام التبريد الرئيسي وتفعيل نظام التغذية الكهربائية بمولدات الديزل الموجودة في المحطة.
 
وعقب هذا الزلزال، وقعت موجات تسونامي وصل ارتفاع بعضها إلى (39) متر ودخلت إلى اليابسة بعمق وصل في بعض المناطق إلى (10) كم، وضربت موجات تسونامي التي وصل ارتفاعها إلى (15) متر فوق مستوى سطح البحر عند موقع المحطة، أدت هذه الموجات إلى غرق وتعطل مولدات الديزل، ونتيجة لذلك توقف نظام التبريد في المحطة، وبموازاة ذلك وقع حريق في المفاعل الرابع في المحطة انتشر لحوض تخزين الوقود النووي المستهلك، وبسبب هذا الحريق ارتفاع الضغط في حوض تخزين الوقود المستهلك، وأدى ارتفاع الضغط إلى وقوع انفجار تسبب بوفاة شخص واحد وإصابة (11) من الأشخاص الموجودين في الموقع، وإطلاق كميات كبيرة من المواد مشعة مباشرة إلى الجو والمحيط الخارجي للمحطة، وتم تصنيف الحادث للمستوى 7 على مقياس إينيس الدولي للحوادث النووية، نظراً لانتشار كميات كبيرة من المواد المشعة على مدى الأيام الأولى التي أعقبت الانفجار، حيث تجاوزت كميات نظير اليود المشع -131 المتسربة من المحطات إلى المناطق المحيطة والبحر (25) مليون كيوري، الأمر الذي أدى إلى صدور قرارات رسمية متعاقبة بإخلاء المناطق المحيطة بالمفاعل ضمن أنصاف أقطار (2-20 كم) ازدادت مع تطور حالة الحادث وانتشار التلوث الإشعاعي الناجم عنه، حيث تجاوز عدد السكان اللذين تم اجلائهم من هذه المناطق أكثر من (100) ألف شخص، ويقدر عدد الأشخاص اللذين توفوا بسبب عملية الإخلاء (1000) شخص.
 
الاستجابة لحادث فوكوشيما
بعد حدوث الزلزال بحوالي أربع ساعات، قامت الحكومة اليابانية بإعلان حالة الطوارئ النووية في محطات الطاقة النووية في فوكوشيما، وتبع ذلك بدء عمليات الاستجابة للطوارئ النووية التي كانت اهدافها الأساسية حماية السكان ومنع إطلاق المزيد من المواد المشعة وإزالة التلوث. وبدأ تنفيذ هذه العمليات بإجلاء السكان ضمن نصف قطر (2) كم عن المحطات ووصل نصف قطر الإجلاء إلى (20) كم خلال اليوم التالي للحادث، مع إلزام السكان ضمن إطار (20-30) كم البقاء في المباني بعد (3) أيام من الحادث، وبدأ العمل على إعادة السيطرة على الحادث عن طريق تبريد المحطات النووية بمياه المحيط عن طريق الضخ المباشر، وبعد (4) أشهر تم تبريد هذه المحطات بمياه معاد تدويرها من محطات معالجة تم تجهيزها من اجل السيطرة على تسرب التلوث الإشعاعي لمياه المحيط.
أما عمليات إزالة التلوث فتمثلت بتفكيك المحطات النووية الأربع وإزالة التلوث في المنطقة المحيطة، حيث قدرت التكاليف بما يقارب (20) مليار دولار.
 
تبريد المحطات النووية بمياه المحيط
تم تصنيف مناطق إزالة التلوث التي تقع ضمن (20) كيلومتر عن المحطات إلى ثلاث مناطق (الخضراء والصفراء والحمراء) بحسب الجرعات الإشعاعية في تلك المناطق، وبدأت البلديات بتنفيذ أنشطة إزالة التلوث في هذه المناطق. ونتج عن عمليات الاستجابة للطوارئ جرعات إشعاعية لعمال الطوارئ، كان (167) عاملا منهم قد تلقوا جرعات أكثر من (100) ملي سيفرت (5 أضعاف الجرعة السنوية للعاملين الإشعاعيين).
 
خرائط المسح الإشعاعي
من أجل تحديد مناطق التلوث وتصنيفها، وجب إعداد خرائط المسح الإشعاعي التي تحدد الجرعات الإشعاعية المحيطة في المناطق ضمن مسافة (20) كيلومتر المحيطة بالمحطات النووية، كما استخدمت هذه الخرائط لأظهار نتائج عمليات إزالة التلوث  في مقاطعة فوكوشيما، كما بينت خريطة مسح إشعاعي للموقع في مارس 2013، أي بعد عام واحد على الحادث؛ حدوث تقدم كبير في نتائج إزالة التلوث، حيث انخفضت الجرعة الإشعاعية المحيطة من (300) ملي سيفرت / ساعة إلى (0.15) ملي سيفرت / ساعة بالقرب من الأنقاض بجانب المحطات النووية.
 
استخدام الطائرات بدون طيار
بعد الكارثة المريعة التي هزت اليابان، كان الدمار في كل مكان وشمل ذلك البنية التحتية ومنها الطرق، مما جعل الوصول لبعض الاماكن شبة مستحيل بالطرق المعتادة، مما كان عقبة في وجه توفير المعلومات من أجل تحديد إجراءات الاستجابة وأولوياتها وتقييمها.
 
وفي حين أن جهود الإغاثة الفورية لمساعدة الناجين من الزلزال والتسونامي كانت تسير بنجاح، كان هناك صعوبات تواجه عمليات الاستجابة للحادث النووي في مفاعلات فوكوشيما، على الرغم من استقرار حالة الحادث، إلا أن كمية المواد المشعة المنتشرة كانت لا تزال تشكل خطراً كبيراً، وهي بطبيعتها تنتقل من الطبيعة إلى البشر بطرق عدة.
 
وكما هو معروف في الحوادث النووية التي سبقت حادث فوكوشيما (كحادث ثري مايل آيلاند في الولايات المتحدة الأمريكية وحادث تشيرنوبيل في الاتحاد السوفييتي السابق)، كان توفير المعلومات الدقيقة حول الحادث (وخصوصاً حالة انتشار التلوث الإشعاعي) هو التحدي الذي يقف بوجه صانعي القرار، حيث أن تقييم الموقف يحتاج الى هذه المعلومات، وبسبب صعوبة الوصول إلى هذه المواقع بسبب التلوث الإشعاعي عالي المستوى والدمار في هذه المواقع قد يسبب مخاطر إشعاعية على المستجيبين للحادث تصل إلى الوفاة، ومثال على ذلك وفاة (38) شخص من المستجيبين الأولين لحادث تشيرنوبيل. 
 
ولتجنب هذه المخاطر، قامت اليابان بتوظيف التقنيات الحديثة، ومنها المسح الجوي، ولكن الطائرات العامودية المعتاد استخدامها لم يكن من الممكن استخدامها وذلك لارتفاع الجرعات الاشعاعية في المنطقة مما يعرض قائد الطائرة للخطر، الذي قد يصل للموت، كما حصل للطيار المستجيب في حادث تشيرنوبيل، ولذلك لجأت السلطات المعنية لاستخدام الطائرات من دون طيار، لخفة حركتها وامكانياتها العالية في العديد من المجالات، واحدة من الطائرات الي تم استخدامها هي طائرة هانيويل T- هوك (Honeywell T-Hawk)، وهي طائرة بدون طيار تزن (9) كيلوغرامات تقريباً، وتحمل معدات الاتصالات ومعدات الكترونيات الطيران وأجهزة مسح إشعاعي وكاميرا ذات قدرة تقريب بصري (10) أضعاف، ويمكن تدويرها بأي اتجاه، واستخدمت الطائرة للحصول على صور وقياسات إشعاعية تحمل معلومات عن بعض الأماكن التي يصعب الوصول إليها بالطرق التقليدية.
 
تم تجهيز الطائرة لعمل خريطة اشعاعية وتقييم الأضرار، ولكن القيادة والتحكم بمثل هذه الطائرة في مكان وظروف الحادث تحتاج إلى مهارات احترافية عالية جداً، حيث وصلت سرعة الرياح في حينها إلى (40) كم/ساعة، ولكن تُوفر مثل هذه الطائرات برمجيات ومعدات قياس وتحكم تسهل عملية التحكم بها مثل تحديد السرعة والاتجاه والدوران والارتفاع. 
 
تتيح مثل هذه الطائرات لقائد الطائرة التحكم بسرعة واتجاه ودوران وارتفاع الطائرة عند منطقة معينة مع ميزة ثباتية في صورة الكاميرا، كما يمكن أن تسجل المعلومات أو ترسلها مباشرة لأجهزة المراقبة والاستقبال الأرضي، كذلك يمكن توظيف هذه الطائرات بحيث تتحرك وفق خريطة مسبقة التعريف تحدد المسار الكامل لعملية المسح الإشعاعي الجوي، وعند انخفاض مستوى الوقود او البطارية، تعود الطائرة للقاعدة المؤقتة للتزود بالوقود او تغيير البطارية من ثم متابعة المسح الإشعاعي الجوي من نقطة التوقف.
 
وقد قام أحد فرق المسح الإشعاعي في حادث فوكوشيما باستخدام هذه الطائرة في الموقع لمدة استمرت نحو (18) يوم للحصول على المعلومات اللازمة ورسم خريطة المسح الاشعاعي، حيث وفرت هذه التقنية وقت وحجم عمل ومخاطر كبيرة مقارنة ببدائل أخرى للمسح الإشعاعي كتوظيف القوات الراجلة، وهنا تكمن اهمية هذه التقنية في تقليل المخاطر وإنجاز المهام الصعبة أو المستحيلة على البشر تحقيقها دون مخاطرة.
 
وقد طور الباحثون في مختبرات سانديا الوطنية «Sandia" في الولايات المتحدة الأمريكية كواشف للإشعاع يمكنها رصد الإشعاع، ومن الممكن ان تُحمل جواً باستخدام طائرات بدون طيار، تم كذلك تصميم نظام مسح إشعاعي مشابه لذلك الموجود في آلات الحصد للكشف عن تفجيرات الأسلحة النووية، يمكن توظيفها للمسح الجوي في حالات الحوادث النووية والإشعاعية، ويتيح هذا النظام توجيه الطائرة لتنفيذ عملية مسح شاملة للمنطقة الملوثة إشعاعياً من خلال تتبع عامودي لمستويات الإشعاع.
 
تم توظيف هذه الأجهزة المزودة بنظام المسح الإشعاعي المشابهة لآلات الحصد محمولة على طيارة من طراز كرافت C-12 في آذار 2011 في اليابان من قبل إدارة الأمن النووي الوطني الأمريكية (NNSA)، لمراقبة التلوث الجوي والأرضي الناجم عن حادث فوكوشيما والتي كانت لا تزال حينها متنامية حول محطات الطاقة النووية في فوكوشيما، وحققت هذه الطائرة في الاسابيع العشر التي تلت الحادثة ما يزيد عن (507) ساعة طيران، انطلقت من قاعدة يوكوتا الجوية القريبة من موقع الحادث، وأصدرت هذه العمليات خرائط مسح إشعاعي حُددت فيها اماكن وصول الغيمة الإشعاعية المتسربة من محطات الطاقة النووية.
 
التحديات والمستقبل في استخدام الطائرات بدون طيار
تطورت صناعة الطائرات بدون طيار بسرعة، بحيث أنه من الصعب متابعة جميع مستجدات هذه الصناعة، وأصبحت هذه الصناعة أكثر تعقيدا بتوظف ألكثير من الذكاء الصناعي وتطور تقنيات التصنيع من أجل تحسين خصائص الطائرات بدون طيار، كالحجم والوزن والسرعة والحمل الأقصى وارتفاع الطيران وعمر البطارية (زمن التشغيل).
 
تعمل الشركات المطورة للطائرات بدون طيار على جعل قطع ومعدات الطائرات بدون طيار أصغر وأخف وزنا وأكثر مرونة ومقاومة للظروف الجوية من خلال البحث والتطوير في علوم المواد والديناميكا الهوائية، حيث أن التحدي الأكبر في الوقت الحالي لاستخدام الطائرات بدون طيار في عمليات المسح الجوي هو زمن التشغيل، حيث أن العلاقة بين حجم المنطقة التي يمكنك مسحها خلال رحلة واحدة وعمر البطارية هي علاقة خطية طردية، وعادة يمكن للطائرات بدون طيار ثابتة الجناح مسح ما يصل إلى عدة كيلومترات مربعة والطائرات المروحية بدون طيار ما يقارب جزء بالعشرة من الكيلومتر المربع خلال الرحلة الواحدة.
 
كما أن التحدي الثاني في هذه الصناعة هو كفاءة ودقة المجسات وأجهزة الاستشعار، بما فيها أجهزة التصوير العادي والطيفي (التصوير بالأشعة تحت الحمراء)، وتسمح هذه المجسات بتطبيق خوارزميات متطورة للاستشعار عن بعد من أجل استطلاع وتحليل الصور بدقة تصل إلى مليمترات، بالإضافة إلى استخدام طائرات بدون طيار متعددة (تصل إلى العَشرات) متناسقة ومتزامنة بواسطة مشغل واحد أو أكثر من خلال تطوير تقنيات التحكم في الطائرات بدون طيار، التي تتعقب مسارات هذه الطائرات وديناميكية طيرانها، وتقوم بتصحيح مساراتها بشكل مستقل اعتمادا على موقع الطائرات الأخرى من اجل تنفيذ مهمات المسح ضمن وقت قياسي.
 
أما التحدي الأخير، هو التكلفة، ولكن إجمالاً تنخفض تكاليف استخدام الطائرات بدون طيار في المسح الجوي بشكل مطرد بحيث أصبحت منافسة لدرجة إقصاء تقنيات المسح الجوي الأخرى في العديد من التطبيقات ومنها الكشف والرصد الإشعاعي أثناء حالات الطوارئ. 
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-01-29 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2016-11-03
2012-05-01
2015-12-01
2015-11-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1367

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره