مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2017-12-12

تشكيلة حكومية تبهر العالم.. وتلهمه

تعيين وزير للذكاء الاصطناعي يكرس القوة الناعمة للإمارات
لقد ظل مفهوم السعادة مراوغاً لقرون طويلة، قبل أن يأتي ملك بوتان السابق “جيجما سينجي”، ويحاول أن يرسي مؤشرات لقياس السعادة، في طريقه لكي يجعل شعبه سعيداً، وبالفعل فقد نجح في تطوير ما عُرف لاحقاً بـ “مؤشر السعادة الوطني الإجمالي”، وهذا المؤشر بالذات هو نفسه الذي كان أساساً لمحاولات علمية وسياسية أخرى عديدة بُنيت عليه، وفعّلته، وصولاً إلى تطوير عشرات المؤشرات الدولية المعتبرة.
 
بقلـم: ياسر عبد العزيز
لكن ذلك المفهوم الحيوي، والذي يمثل طلباً إنسانياً جوهرياً، لم يجد لاحقاً من يصوغه في بيان مهمة واضح، وينشيء له إدارة سياسية، إلا عندما أقدمت دولة الإمارات العربية المتحدة على خطوتها المبهرة، وأنشأت أول وزارة للسعادة في العالم، في التشكيلة الوزارية الماضية، عام 2016، في تأكيد على أن سعادة المواطنين والمقيمين باتت إرادة الدولة، وجزءاً من مسئوليتها. لم تتوقف الإمارات عن إدهاش العالم وإلهامه، وجاءت تشكيلتها الحكومية الأخيرة، التي تم الإعلان عنها في شهر أكتوبر الماضي، لكي تعكس إصراراً واضحاً على اجتراح المزيد من النجاحات المبهرة؛ فضمت التشكيلة وزراء للتسامح، والمستقبل، وتنمية المعرفة، والعلوم المتقدمة، والأمن الغذائي المستقبلي، إضافة إلى وزارة جديدة للذكاء الاصطناعي.
 
تشكيلة حكومية ملهمة
لقد جرى إعلان تلك التشكيلة من خلال موقع التواصل الاجتماعي الرائج “تويتر”، تجاوباً مع اطراد القدرة الرقمية للدولة، وإدراكها للإطار الاتصالي المعاصر، ليخبر العالم أن الوزير المختص بالذكاء الاصطناعي جاء إلى موقعه بعدما نجح وهو في عمر الـ 27 في قيادة القمة العالمية للحكومات واستراتيجية الدولة للذكاء الاصطناعي.
يضاف هذا الاختراق النادر إلى ما تميزت به التشكيلات الحكومية الإماراتية الأخيرة من مراعاتها لوجود الشباب، وإعطاء الفرصة للمرأة للمشاركة في المسئولية السياسية، وتعيين وزراء مسئولين عن ملفات متغيرة ذات علاقة بالمستقبل.
بسبب هذه السياسة الحكيمة والجسورة، تحقق دولة الإمارات، ومواطنوها والمقيمون فيها، الكثير من المكاسب، التي تنعكس في رشد الأداء، وقدرته على الوفاء بالتحديات المستقبلية؛ وهو أمر تحرص عليه كل حكومة ناجحة تتمتع بالشرعية ويحركها الانتماء، في ظل عالم يشهد منافسة شرسة. لكن ثمة مكسباً كبيراً آخر لا ينتبه إليه كثيرون يجري حصده باطراد جراء تلك السياسة. حيث تكتسب دولة الإمارات العربية المتحدة مكانة فريدة بين دول العالم المختلفة عبر مثل تلك السياسات؛ وهو أمر ينعكس إيجاباً على صورتها الذهنية، ويحولها من مجرد دولة ناجحة وفعالة إلى طاقة للإلهام.
 
القوة الناعمة مفهوم سياسي
يخطيء الكثيرون من غير أصحاب التخصص حينما يعتبرون أن مصطلح “القوة الناعمة” يخص مجالات الفنون والآداب والرقص والغناء، ويعتقدون أنه بعيد عن القرارات السياسية الرشيدة، لكن الأكيد أن مثل تلك القرارات تكرس القوة الناعمة للدولة وتصونها وتنميها. وظل مفهوم “القوة الناعمة” عصياً على الضبط والفهم في منطقتنا، رغم غزارة استخدامه من قبل قطاعات كبيرة في النخبة العربية؛ وهو أمر تسبب في التباس معناه بين أوساط الجمهور،  وبعض السياسيين وصُناع القرار. وظهر مصطلح “القوة الناعمة” لأول مرة بمعناه الحالي، في العام 1990، في مقال كتبه بروفسير العلوم السياسية في جامعة “هارفارد” الأميركية “جوزيف ناي”، في دورية “السياسة الخارجية”، تحت عنوان “القوة الناعمة: استخدام الجاذبية والإقناع لتحقيق أهداف السياسة الخارجية للدولة”.
 
وعاد “ناي” إلى المفهوم مجدداً بمحاولة أوسع لتأصيله وتنقيحه في كتاب شهير بعنوان: “القوة الناعمة: سبل النجاح في عالم السياسة الدولية”، وهو الكتاب الذي صدر في العام 2004.
وفي أبسط صورة ممكنة، يشرح “ناي” مفهوم “القوة الناعمة” باعتبارها: “قدرة الدولة على تحقيق الجذب والتأثير من دون إجبار وإكراه”، وبمعنى آخر فهي: “قدرة الدولة على خلق مطاوعة لإرادتها وسياساتها لدى الآخرين عبر الإقناع، ودون حاجة إلى القوة الصلبة”.
 
تحتاج الدولة لكي تخلق مطاوعة لدى الآخرين أن تكون ملهمة، ومثالاً يحتذى؛ وهو أمر يفسر الكثير من السياسات التي تنتهجها الإمارات؛ ومنها مقاربة المستقبل عبر قراراتها الرشيدة في تطوير منظومتها الحكومية.
إن “القوة الناعمة” مفهوم سياسي بامتياز؛ وهو أمر يخص الدولة بقدر ما يخص المجتمع، ولا يمكن للقوة الناعمة أن تعمل خارج نطاق إرادة الدولة وأهدافها، وهي تمتزج مع القوة الصلبة (العسكرية والاقتصادية والأمنية والديموجرافية) لكي تشكل “القوة الشاملة” للدولة، كما أن توظيفها بحصافة مع شقيقتها “الصلبة” يُنتج ما وصفه “ناي” لاحقاً بأنه “القوة الذكية”.
وعلى عكس ما يعتقد كثيرون فإن مفهوم “القوة الناعمة” بات يخضع لمؤشرات عديدة لقياسه وتعيينه تعييناً منضبطاً، بعض هذه المؤشرات يتضمن عناصر مختلفة، ويصل عدد هذه العناصر في أحد أهم المؤشرات إلى 75 عنصراً، وقد تم تطويره وتفعيله على المستوى الدولي منذ العام 2015.
 
جودة المؤسسات السياسية
ومن بين المحاولات الجادة التي حاولت أن ترسي معايير لقياس “القوة الناعمة” تلك المحاولة التي أثمرت “مؤشر بورتلاند”، وهو مؤشر طورته مؤسسة بحثية أمريكية معتبرة بمساعدة عدد من الباحثين في أهم الجامعات الغربية. ويحدد المؤشر ستة عناصر لقياس “القوة الناعمة” في أي دولة؛ على النحو التالي:
 
أولاً: الحكومة، وجودة المؤسسات السياسية، ومدى توافقها مع معايير الحكم الرشيد.
ثانياً: الانتشار الثقافي، بما يتضمنه من جودة الإنتاج الثقافي والمعرفي والفني وتنافسيته.
ثالثاً: المشاركة العالمية والسياسة الخارجية.
رابعاً: التعليم، والسمعة العالمية لنظام التعليم العالي.
خامساً: الاقتصاد، وجاذبية الدولة الاقتصادية على صعيد الاستثمار وأداء المؤسسات.
سادساً: التواصل الرقمي للدولة.
 
يتضح من فحص تلك العناصر الستة الخاصة بمفهوم “القوة الناعمة” أن ما تفعله الإمارات يصب مباشرة في تكريس قوتها وينعكس بوضوح في جاذبية صورتها العالمية.
يجسد قرار التشكيلة الحكومية الأخيرة فكرة “جودة المؤسسات السياسية القائمة، ومدى توافقها مع معايير الحكم الرشيد، واتساقها مع متطلبات المستقبل” في أوضح صورة. ثم يأتي الانتشار الثقافي الذي تلعب فيه الثقافة والفنون الدور الأهم، قبل أن تظهر المشاركة العالمية والسياسة الخارجية، ثم التعليم، والاقتصاد، والتواصل الرقمي.
يتضح لنا من ذلك أن الأخبار والتقارير المصورة التي طافت العالم، احتفاء بتعيين أول وزيرة للسعادة في التشكيلة الفائتة، وتقديراً وانبهاراً بتعيين وزير للذكاء الاصطناعي في التشكيلة الحالية، ساهمت في صياغة الصورة الذهنية للإمارات، وكرست قوتها الناعمة.
 
يتضح لنا أيضاً أن دولة تمتلك أكبر عدد من الشعراء والممثلين قد لا تحتل مكانة متقدمة في هذا المؤشر بالضرورة، إذا كانت تعاني مشكلات اقتصادية، أو تخفق في خلق بيئة استثمارية فعالة.
ويظهر لنا أيضاً أن التعليم عنصر أساسي من عناصر إدراك “القوة الناعمة”، ليس فقط في ما يتعلق بإتاحة فرصه لأبناء البلد، ولكن في ما يتعلق بقدرة المنظومة التعليمية على أن تكون جاذبة للأجانب ليأتوا ويتعلموا عبرها، ويصبحوا في وقت لاحق رصيداً مهماً للدولة وداعماً رئيساً لها.
 
وببساطة أيضاً، ولتقريب الصورة عبر ضرب الأمثلة، فإن ارتفاع مستوى المعيشة في بريطانيا، وكفاءة حكومتها، ونجاعة الإدارة العمومية للدولة، من أهم العوامل التي جعلتها تتربع على عرش “القوة الناعمة” في 2016، كما أن القدرات التعليمية الفذة في ألمانيا كانت عاملاً رئيساً لاحتلالها مكانة متقدمة في هذا المؤشر. ورغم أن لبنان مثلاً يمتلك طاقة فنية وأدبية وسياحية خلابة ومؤثرة، فإنه سيأتي في مرتبة لاحقة للإمارات، التي تفوقت بامتلاكها بنية سياسية فعالة، ومشاركة سياسية عالمية وإقليمية نشطة، وقدرات أكبر في السياسة الخارجية، وسمعة اقتصادية براقة.
والأمر ذاته يتضح عندما نقارن بين دولة كبيرة غنية بالفنون مثل الهند، مع دولة صغيرة الحجم ومحدودة الإنتاج الفني مثل الدنمارك؛ حيث نجد أن الثانية سبقت الأولى.
 
يتضح من هذا العرض أن مفهوم “القوة الناعمة” يخص الدولة والمجتمع في آن، وأنه يجب أن يخضع لإدارة مركزية، تعمل على استيفاء كافة عناصره، وأن ذلك المفهوم الواسع لا يدرك المرامي وحده، وإنما من خلال تضفيره مع مفهوم “القوة الصلبة”. إن مفهوم القوة الناعمة يُخطط لإدراكه سياسياً، ويُدار سياسياً، وتُجنى ثماره سياسياً، وهو أمر يفسر الكثير من قرارات الحكومة الإماراتية، التي لا تتوقف عن إبهار العالم.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-07-30 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2012-05-01
2016-11-03
2015-12-01
2015-11-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1465

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره