مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2020-05-03

في لحظة معتمة الزعامة ليست خياراً

في الـ16 من مارس الماضي تناقلت وسائل الإعلام الإماراتية وشبكات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو قصــيرا لولــي عهــد أبوظبــي الشيخ محمد بن زايدآل نهيان، وهو يتحـدث مع عــدد من مســؤولـــــي حكومتــــــه عن جــائحــة كــورونــــا، والإجـــــراءات التـــي اتخذتها الحكومة ومؤسساتها.
 
بقلم: منصور النقيدان
 تضمن  الفيديو كلمات قليلة أكد فيها أن مؤسسات الدولة ستضمن توفر الغذاء والدواء إلى مالا نهاية، وتضمنت كلمات ولي عهد أبوظبي نصائح حول العناية بكبار السن وحمايتهم من عدوى كورونا.  وفي الأول من أبريل انتشر مقطع آخر لولي العهد وهو في اجتماع  عن بعد مع عدد من المسؤولين، قال فيه إنه يشعر بالسعادة وتدمع عيناه وهو يستعرض مشاهد لمقيمين من غير الإماراتيين يرددون النشيد الوطني الإماراتي في الأوقات التي تشهد حظراً للتجول تحية وامتناناً للأرض الطيبة التي تحتضنهم. لايزال فيديو منتصف مارس هو الأكثر تناقلاً والأوفر حظاً في الإمارات بين مختلف الجنسيات واللغات، وهي حتى الآن تحتل الصدارة ضمن ألوف من المقاطع التي انشغل العالم العربي بها في الأسابيع الأخيرة.
 
خطاب تاريخي
نقطة القوة في هذا الخطاب الذي يمكننا وصفه بـالتاريخي أنه كان موجهاً إلى كل من يعيش على الأراضي الإماراتية، كان رسالة تطمين للمواطن ولكل أولئك المقيمين  الذين اختاروا “دار زايد” أرضاً لتحقيق أحلامهم. مثلت الكلمات رسالة للإنسانية، في لحظة عصيبة، في توقيت مناسب، النفوس فيها مهيئة، و تحت وطأة القلق والخوف من المستقبل واللايقين الذي يعصف بالبشرية في حادثة هي الأولى في التاريخ المعاصر. يمكننا اعتباره خطاباً لزعيم قوي وملهم واثق ومؤمن بنفسه وبفريق حكومته وبثقة الأمة الإماراتية فيه قائداً.  وكما هو معتاد فإن المقارنات لم تتوقف بين خطاب القائد الإماراتي وبين غيره من رؤساء ومسؤولي الدول شرقاً وغرباً الذين اضطروا تحت وطأة الجائحة إلى مصارحة مجتمعاتهم والتحدث إليهم وشرح سياساتهم الحكومية لاحتوا الوباء ونتائجه الاقتصادية والاجتماعية والصحية.
 
لحظات تاريخية
       في العصر الحديث- شأن كل لحظات التاريخ المفصلية- كانت الساعات العصيبة التي تمر بها المجتمعات فرصة سانحة للقادة أن يضعوا بصماتهم، وأن يدشنوا معالم مرحلة قادمة، ويمدوا جسراً مع رعاياهم ويجددوا الثقة، ولكن القلة هم الذين كانوا محظوظين بتوافر العوامل: الظرف، التوقيت، الكلمات المناسبة، والجمهور المتعطش الوجِل، والنجاح في اختيار الكلمات، وتحقق الأثر المرجو. نتذكر  المهاتما غاندي عام 1922 في خطابه التاريخي حول اللاعنف، وفرانكلين د.روزفلت عن اعتداء بيرل هاربر 1941،  وخطاب تشرشل الشهير للأمة البريطانية عشية الحرب العالمية الثانية «دم وألم ودموع» 1940 ، وكلمته الأخرى أمام الرئيس الأمريكي ترومان عن الستار الحديدي في جامعة ويستمنستر 1946، ومارتن لوثر كينغ لدي حلم 1963 ، وتأتي كلمة محمد بن زايد ضمن هذه الخطابات التاريخية، حيث توجه قائد عربي برسالته إلى أمة يافعة ودولة حديثة ستحتفل هذا العام بعيد ميلادها الـ49.
 
الأمن الغذائي
      في عام 2012  ذكر ولي عهد أبوظبي في تعليق على محاضرة ألقيت في مجلسه  أن أكثر مايشغل باله هو الأمن المائي لمنطقة سيكون عدد سكانها خلال سنوات قليلة خمسين مليوناً، لأنها أرض تتصحر وتشهد نضوباً في الموارد المائية. الموارد المائية هي العنوان الأكبر لما يمكن أن يوصف بحروب المستقبل وفق خبراء ودراسات نثرتها مراكز الدراسات والاستشراف في العقدين الأخيرين.  وفي أواخر عام 2010 في حديث مع اثنين من الصحفيين قال الشيخ محمد بن زايد إنه يسعى إلى تحقيق حلمه،  في أن تكون أبوظبي واحدة من أكثر عواصم العالم تقدماً، و»أن تحتل مكانها ضمن أفضل خمس حكومات في العالم، « إن طموحي أن تنافس أبوظبي سنغافورة في مخرجات التعليم». 
 
جودة الحياة
        وكان متوقعاً  أن تتولى أبوظبي منذ الأزمة المالية عام 2008  العبء الأكبر في المسؤولية تجاه الاتحاد الذي شهد على مدى خمسين عاماً تحديات هائلة. تضاعفت الحاجة إلى قيادة قوية بعد أحداث الربيع العربي التي تسببت باضطرابات هائلة وهشاشة في أنظمة الحكم التي نخرت فيها عوامل الاهتراء منذ عقود، و اليوم يبدو أن اتحاد الإمارات السبع أكثر صلابة وتماسكاً وانسجاماً في رؤية شيوخه أكثر من أي وقت مضى.
 
      ومع تحول الإمارات إلى واحدة من أكثر دول العالم جذباً وأمناً وبيئة للأعمال وجودة الحياة، لم يكن تواجد قرابة مئتي جنسية على الأراضي الإماراتية إلا عبئاً يستدعي من الساسة تذكير الجميع أنهم سواسية أمام القانون، فبالقانون يتحقق الأمن والعدل والتطور، لهذا احتل الحكم الرشيد وسيادة دولة القانون الأولوية عند ولي عهد أبوظبي.  في نوفمبر 2016  انشغل الشيخ محمد ببعث طاقة من القوة والثقة في قضاة المحاكم وتذكيرهم بأنهم مسؤولون أمام الله وأمام القيادة مدفوعون بحكم الواجــــــب بــأن لا يجاملوا أحداً في الأحكـام ولا يراعوا فيها رغبة أو رهبة، وبالتوازي مع ذلك كان له خطوة أخرى يذكر فيها وجهاً لوجه كبار النافذين والمسؤولين بأنه لاحصانة لأحد أمام القانون. الصبر والأناة كانت إحدى الصفات العظمى التي كان مؤسس البلاد الشيخ زايد آل نهيان يتحلى بها، وهي سجية لطالما ذكر بها ولي العهد أقرب مستشاريه وأصدقائه. 
 
موالون وأعداء
      في السنوات الماضية برز اسم الزعيم الإماراتي بشكل متصاعد على مسرح السياسة العالمي، وكان لهذه الريادة ثمنها، فكما لمحمد بن زايد محبون وموالون ومعجبون على امتداد البسيطة، فهناك  أيضاً أعداء كما هو الحال مع الزعمــاء الذين يأخـــذون زمام المبــادرة، ولا يستسلمــون للأقدار وينكفؤون في كهــوفهــم وكأن مايجـري من حولهم لايعنيهم. حين تكون زعيماً فأنت مرغم على أن تشطر الناس إزاءك فلقتين وتجعل منهم ضفتين، فالتأثير والثقل الذي تجاوز حدود بلاده وجوارها، كان له ردود الفعل المتوقعة،  دعم الشرعية في اليمن، والاستقرار في مصر، ودعم الجيش الوطني في ليبيا، والتنبه مبكراً بسنوات قبل الربيع العربي إلى مايشكله الإسلام السياسي والمليشيات المسلحة من أخطار ماحقة بالمجتمعات والحكومات، والوقوف أمام الأطمـــاع التركيـــة في المنطقـة العربيـة، وأخــذ زمام المبادرة إقليـميــاً، وعقــد التحالفـات لتجنيب المنطقة الفراغ الذي ستكون نتائجه وخيمة للأمن الإقليمي.  إنها كلها مسؤوليات ضخمة يختار كثير من رؤساء الدول تجنب صداعها وتكاليفها الهائلة سياسياً ومادياً وأمنياً، ونتيجة لهذا فإنه لايكاد يمر يوم إلا وتنشر صحف دولية ووسائل إعلام متعددة التوجهات  تقارير ومقالات وبرامج يكون فيها ولي عهد أبوظبي محل النقاش ومثار الجدل. 
  يجلل اليأس والغموض وشبح الفقــر والفوضــى منطقـة متراميــة الأطــراف، وتتمركز الإمـارات في بؤرة هـذه البقعــة البائسة، والاستسلام ليس خياراً. 
 
سير العظماء
في تسعينيات القرن الماضي كان ولي عهد أبوظبي من أوائل من تنبهوا إلى الخطر الكامن في تمدد الحركية الإسلامية، وجماعات الدين السياسي، ولهذا كان تنظيف البيت الإماراتي وحمايته واحداً من الأسس في رؤية الشيخ لإمارات مزدهـرة ومستقرة وذات تأثـير إقليمـي وعالمي وبلد متسامح ومتعايش، قادر على أن يسهم في الاستقرار خليجيا وإقليمياً.
     كتب التاريخ وسير العظماء مليئة بقصص لأفراد سادوا مجتمعاتهم وبرزوا في ملعب التاريخ في فــترات مخـتلفــــة، قصص تحكي عن أمارات مبكرة بدت عليهم في مرحلة اليفاع، وهي روايات متخمة  بالدلالات التي تنبيء عن النجابة وصفات القيادة لأفراد أحدثوا تحولاً كبيراً في مجتمعاتهم، سياسيين أو قادة عسكريين أو علماء وفلاسفة أو مصلحين، ولهذا لطالما كان العنفوان وصعوبة المراس وقوة الشكيمة منذ الصغر مع فضيلة الصمت واخيتار الكلمات بعناية، هي إحدى الصفات المشتركة للأفراد العظام. 
 
استثناء تاريخي
   إن اللحظة الراهنة مع الوباء وتبعاته المرعبة المعتادة التي اختزنتها التجربة الإنسانية من فقر ومجاعات واضطرابات، هي واحدة من أكبر التهديدات الوجودية للحكومات والأنظمة السياسية، وكان القدر أن يكون الشيخ محمد بن زايد هو القائد في بحر لجي من التحديات والمخاطر. إنها استثناء تاريخي، من المؤكد أننا بعدما نتجاوزها سنحكيها لصغارنا يوماً ولأجيالنا القادمة أنها كانت أحلك اللحظات، ولكنها بحسن التدبير والصبر والحكمة جعلتنا أصلب عوداً وأنها كانت بلا امتراء أسعد الأوقات.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2021-04-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2016-07-13
2014-06-09
2013-01-01
2014-11-02
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره