مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2020-08-09

لماذا يتصـاعد سـباق التسلـح العالمي رغم جائجة كــورونا؟

في الوقت الذي كشفت فيه جائحة وباء كورونا المستجد«كوفيد- 19» عن هشاشة المنظومة الصحية والطبية في العديد من دول العالم، المتقدمة منها والنامية على حد سواء، وعجزها عن توفير المستلزمات الصحية والطبية للتعامل مع هذا الوباء، وما ارتبط بذلك كله من مطالبة العديد من المنظمات الأممية والدولية بضرورة إعادة النظر في أولويات الإنفاق العسكري في العالم، وتوجيه جانب منه إلى تطوير المنظومة الصحية والطبية، حتى تكون جاهزة لأي أزمات مماثلة في المستقبل..
 
بقلم : يوسف جمعة الحداد
 
لكن مع ذلك كله، فإن العالم ما يزال يشهد سباقاً متصاعداً نحو التسلح، وتتنافس القوى الكبرى فيما بينها على تأكيد تفوقها في هذا السباق الذي لا ينفصل عن صراع المصالح والنفوذ.
 
مؤشرات تصاعد سباق التسلح العالمي في زمن كورونا
كانت توقعات كثير من المحللين والخبراء تذهب إلى أن وباء كورونا المستجد، وما أدى إليه من تداعيات اقتصادية كبيرة، ستدفع دول العالم، وخاصة المتقدمة التي تضررت بشدة منه، إلى إعادة النظر في إنفاقها العسكري، والتوقف عن سباق التسلح الذي يكلف ميزانياتها مليارات الدولارات سنوياً، وزيادة التعاون فيما بينها أجل التوصل إلى حلول للقضايا التي تهدد الأمن والسلم الدوليين، من منطلق أن الواقع الدولي الراهن يتطلب مزيداً من التضامن في مواجهة هذه الجائحة، والابتعاد- ولو مرحلياً- عن القضايا الخلافية، لكن الحقيقة التي برزت خلال النصف الأول من العام 2020 أن العالم يشهد سباقاً محموماً نحو التسلح والتركيز على تعظيم القوة العسكرية في مجالاتها المختلفة، ولعل أهم مؤشرات ذلك:
 
1 - استمرار الزيادة في معدلات الإنفاق العسكري العالمي: خاصة بين القوى الكبرى ، فالولايات المتحدة على سبيل المثال، ورغم أنها تعد الأكثر تضرراً من وباء كورونا، فهي الأولى عالمياً في معدل الإصابة والوفيات بهذا الوباء، ويعاني قطاعها الصحي مشكلات هيكلية، إلا أنها ما تزال مستمرة في إنفاقها العسكري المرتفع، وتواصل تنفيذ مشروعاتها الدفاعية الكبرى في قطاع الفضاء والصواريخ فرط الصوتية، باعتبار أن ذلك من أهم العوامل التي تضمن الحفاظ على تفوقها العسكري، ولهذا فإن ميزانياتها الدفاعية للعام 2020 والتي تقدر بـ 738 مليار دولار لم تطرأ عليها أي تغييرات نتيجة وباء كورونا. 
 
بل وأكثر من ذلك فإن القيادة الأمريكية لمنطقة الهند والمحيط الهادئ تقدمت بطلب إلى الكونجرس الأمريكي بتوفير معدات وتدريبات واستثمارات دفاعية بقيمة 20.1 مليار دولار في العام المقبل 2021،  لتعزيز مكانة الولايات المتحدة في آسيا والمحيط الهادي وردع الصين في المستقبل، وهذه المبالغ تستهدف بالأساس تحسين قدرة الجيش الأمريكي في مواجهة نظيره الصيني، ومن المقرر أن يتم انفاقها، بين عامي 2021 و2026، على أنظمة الإنذار الراداري الجديدة وصواريخ كروز، وإجراء المزيد من التدريبات مع الحلفاء، ونشر قوات إضافية ومراكز جديدة لتبادل المعلومات الاستخبارية.  
 
الصين هي الأخرى تواصل إنفاقها العسكري المرتفع، فقد أعلنت في شهر مايو 2020 ميزانياتها الدفاعية، والتي تقدر بـ 178 مليار دولار، ورغم أنها أقل من العام الماضي ، إلا أنها بالنظر للتداعيات السلبية التي أوجدها وباء كورونا على الاقتصاد الصيني تبقى مرتفعة، الأمر الذي يؤكد أنها ماضية في تطوير قدراتها العسكرية، والارتقاء بإمكانيات وجاهزية جيشها. في الوقت ذاته، فإن العديد من القوى الكبرى ما تزال تواصل تنفيذ مشروعاتها الدفاعية وتطوير قدراتها العسكرية، رغم جائحة كورونا، في مؤشر واضح على أن العالم مستمر في الإنفاق العسكري المرتفع خلال العام الجاري 2020 ، وربما يتقلص هذا الإنفاق بعض الشيء نتيجة الآثار الكارثية لكورونا، لكنه في المجمل سيظل في الحدود المرتفعة التي تكلف ميزانيات الدول الكبرى مليارات الدولارات. 
 
ويشار هنا أن إلى أن الإنفاق العسكري العالمي شهد زيادة كبيرة عام 2019، وارتفع بنسبة 3,6% (الأكبر منذ 2010)، مقارنة بـ2018، مسجلاً 1,9 تريليون دولار، بحسب التقرير السنوي لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري) الذي صدر في أبريل 2020 . وإذا كان حجم إنفاق الولايات المتحدة والصين والهند وروسيا النسبة الأكبر من إجمالي الإنفاق العسكري العالمي في 2019، فمن المتوقع أن يستمر إنفاق هذه الدول المرتفع على السلاح في العام 2020، وذلك في مؤشر واضح على استمرار سباق التسلح العالمي بين هذه القوى الكبرى.
 
2 - التنافس بين القوى الكبرى على إنتاج منظومات من الأسلحة النوعية: لم تمنع جائحة كورونا العديد من القوى الكبرى من مواصلة تنفيذ مشروعاتها الدفاعية، والإعلان عن منظومات جديدة من الأسلحة النوعية تُظهر من خلالها قدراتها العسكرية الفائقة.
 
روسيا 
فروسيا أعلنت على لسان الرئيس فلاديمير بوتين في شهر مايو 2020 أنها تمكنت من تصميم أسلحة عـاليـة التقنية لا نظير لها في أي دولة أخرى في العالم، وذلك بفضل مستوى العلوم وكوادر الهندسة في روسيا. وسبق أن أعلن بوتين في فبراير 2020  أن القوات المسلحة الروسية ستحصل قريبًا على أحدث أنوع للأسلحة، بينها منظومات ليزرية وصواريخ فرط صوتية. وتحاول روسيا من خلال الإعلان عن هذه النوعية من الأسلحة إثبات أنها تمتلك الجيش الأقوى تسليحاً في العالم، وأنها تنفرد دون غيرها من دول العالم بامتلاك نوعية جديدة تعمل بتقنية فائقة التطور، وهي التقنية المعروفة بالصوتية المفرطة وفق وصف بوتين لها، أو ما يعرف بال «ultra – sonic “.
 
الولايات المتحدة 
هي الأخرى تمضي قدماً في منافسة روسيا في هذا المجال، حيث أعلن الرئيس دونالد ترامب في شهر مايو 2020 أنه أعطى موافقته لتطوير صاروخ جديد تفوق سرعته سرعة الصوت. وكانت الولايات المتحدة أعلنت أيضاً خلال العام 2020 أنها طورت المركبة “فالكون” التي تعمل بالتكنولوجيا فوق الصوتية، والقادرة على التحليق بسرعة 20 ماخ. هذا ويتضمن برنامج الأسلحة الأمريكي فائقة الصوت، أيضاً، تطوير المركبة Tactical Boost Glide (TBG)، التي يُعتقد أنها رد على المركبة الانزلاقية الأسرع من الصوت، الروسية Avangard، والمشاريع غير المأهولة HyraX.
 
الصين
هي الأخرى دخلت التنافس في هذا المجال من الأسلحة، حيث يشمل مخزونها من الأسلحة الأسرع من الصوت مركبة الانزلاق فوق الصوتية المتوافقة مع الصواريخ الباليستية 17 -DF، القادرة على الوصول إلى 10 ماخ، ومن المتوقع أن يتم تشغيل هذه الأسلحة بحلول نهاية العام الجاري 2020. وتشير العديد من التقارير إلى أن الصين تطور صاروخ CH-AS-X-13 الجوي، بتحقيق سرعة ماخ 10، لمسافة تصل إلى 1500 كيلومتر. 
 
اليابان
هي الأخرى تعتزم تطوير أسلحتها التي تفوق سرعة الصوت محلياً، والتي تشمل صاروخ كروز فائق سرعة الصوت (HCM)، والقذيفة الانزلاقية ذات السرعة الفائقة (HVGP)، والمخطط أن تكون جاهزة للعمل في أواخر العام 2020. كما تطمح الهند أيضاً إلى تطوير أسلحة تفوق سرعة الصوت، بهدف تعزيز قدراتها العسكرية الهجومية المضادة، والانتقال إلى صفوف القوى العظمى، وقد أجرت في يونيو 2020 أول اختبار ميداني لها، في إطار مشروع محلي لتطوير صاروخ كروز خارق الدفع يفوق سرعة الصوت (HSTDV)، كما تعتزم  أيضاً تطوير صاروخ كروز آخر يفوق سرعة الصوت يسمى BrahMos II، بالتعاون مع روسيا وتبلغ سرعته ماخ 7.
 
3 - تجدد المخاوف من اندلاع سباق تسلح نووي دولي جديد: خاصة مع اقتراب انتهاء معاهدة تخفيض الأسلحة الاستراتيجية الجديدة، أو «نيو ستارت»، التي تحد من الترسانات النووية بعيدة المدى في أوائل فبراير من العام المقبل 2021، وهذه هي آخر الاتفاقيات الكبرى بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي(السابق) للحد من الأسلحة الموروثة من الحرب الباردة، والتي لا تزال سارية.  حيث تثير التساؤلات بشإن إمكانية تجديدها أم لا؟ خاصة في ظل الخلافات بين الولايات المتحدة وروسيا حول بعض بنودها، ففي الوقت الذي أعلنت روسيا استعدادها لتجديد هذه الاتفاقية، وإجراء محادثات متعددة الأطراف تشمل القوتين النوويتين الأوروبيتين، بريطانيا وفرنسا، فإن الولايات المتحدة في ظل إدارة ترامب تهدد بالانسحاب من هذه المعاهدة ما لم توسيعها لتشمل دولاً أخرى، وخاصة الصين، وهو ما ترفضه الأخيرة، على اعتبار أن هناك فجوة كبيرة بينها وبين الترسانة النووية الأمريكية.
 
وفي حال عدم التوصل إلى توافق بين الولايات المتحدة وروسيا والقوى النووية الأخرى حول هذه المعاهدة مستقبلاً، فإن ثمة مخاوف متزايدة من احتمالات عودة سباق التسلح النووي، خاصة إذا تم الأخذ في الاعتبار أن هذه المعاهدة تمثل الإطار الناظم والضامن للحيلولة دون انزلاق الدولتين إلى سباق تسلح نووي جديد. وبالفعل فقد حذر وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، خلال مشاركته في أعمال «منتدى قراءات بريماكوف»، المتخصص بمناقشة القضايا الاستراتيجية في العالم، في شهر يوليو 2020 من «تدهور خطر» على صعيد الأمن والاستقرار الاستراتيجي في العالم، ولم يستبعد مخاطر اندلاع مواجهة نووية، محملاً الولايات المتحدة المسؤولية عن تفاقم الوضع بسبب مواصلة سياسات «تفكيك» نظم الرقابة الدولية على التسلح. 
 
4 - استمرار سباق التسلح نحو الفضاء: رغم جائحة كورونا، فإن السباق نحو عسكرة الفضاء لم يتوقف، فخلال النصف الأول من العام 2020 اتخذت العديد من القوى الكبرى خطوات نحو تأكيد تفوقها في مجال الفضاء، ففي شهر يونيو 2020 أعلنت  وزارة الدفاع الأمريكية عن استراتيجية الفضاء الجديدة، والتي تؤكد على أن الولايات المتحدة ستسعى للمحافظة على تفوّقها في الفضاء، وخصوصا حماية الأقمار الصناعية المستخدمة لتحديد المواقع والتي يعتمد عليها الجيش إضافة إلى أجهزة الطوارئ والنقل وحتى الخدمات المالية، وحسب هذه الوثيقة «تشكّل الصين وروسيا التهديد الاستراتيجي الأكبر نظرا لتطويرهما واختبارهما ونشرهما قدرات فضائية مضادة، كما تطوران أدوات للتشويش وشن الهجمات الإلكترونية وهو أمر يهدد الأقمار الصناعية الأمريكية بشكل مباشر».
 
وقد أثارت هذه الاستراتيجية قلق روسيا التي وصفتها بـ”العدائية”، متهمة واشنطن بالتعامل مع الفضاء كساحة حرب. بينما أعلنت الصين عدة مبادرات في مجال الفضاء تؤكد من خلالها تفوقها في هذا المجال، فقد أكملت في شهر يونيو2020 إنجاز نظام “بيدو” BeiDou) ) للملاحة وتحديد المواقع بواسطة شبكة من خمسة وثلاثين قمراً صناعياً، ما يجعل الصين مستقلة تماما عن أنظمة مماثلة كـ”جي. بي. إس” الأمريكي أو “غاليليو” الأوروبي الذي هو قيد الإنجاز. وعلى غرار نظامي تحديد المواقع الأمريكي والروسي، فإن “بيدو” يُدار من قبل وزارة الدفاع الصينية. ويمنح نظام “بيدو” للصين استقلالية تجاه النظام الأمريكي، بامتلاك أداة لتحديد المواقع في حال نشوب نزاع عسكري مع الجيش الأمريكي، خصوصا وأن الأخير له قدرة قطع خدمات “جي.بي.إس” على الصين أو على أي دولة أخرى. وإضافة إلى ذلك سيكون بإمكان “بيدو” دعم أنظمة تكنولوجية مستقبلية في الصين .
 
5 - تصاعد السباق حول تطوير الطائرات العسكرية المسيرة (الدرونز): والتي باتت عنصراً رئيسياً في القوة العسكرية للعديد من دول العالم في الآونة الأخيرة، بالنظر لما تتمتع به من مزايا فنية تعزز من دورها في إدارة الصراعات والحروب الحديثة بدلاً من اللجوء إلى المواجهات  المباشرة غير معروفة النتائج والتداعيات. وفي هذا السياق فقد كشفت مقررة الأمم المتحدة المعنية بجرائم الإعدام خارج نطاق القانون أنييس كالامار ، خلال إفادة في مجلس الأمن في شهر يوليو 2020، عن تصاعد اهتمام دول العالم بالطائرات العسكرية المسيرة، لافتة إلى «أنّ العالم بصدد الدخول في عصر ثانٍ للطائرات المسيّرة” العسكرية مع انتشارها غير الخاضع للسيطرة وبغياب قواعد تحكم استخدامها». هذا وتشير التقديرات إلى أن هناك ما لا يقل عن 102 دولة لديها مخزون عسكري نشط للطائرات المسيّرة، في حين أن 40 دولة تمتلك أو تشتري طائرات مسيّرة مسلحة. 
 
6 -  التركيز على الأسلحة البيولوجية في المستقبل: مـــع انتشــــار «كــورونا»، أثـــيرت التساؤلات مجدداً حول إمكانية إعادة استخدام هذه الأسلحة في حروب المستقبل، بعد تجريمها دولياً، باعتبارها من الأسلحة المحرمة دولياً ، فاتفاقية الأسلحة البيولوجية التي وقعت عليها معظم دول العالم تحظر استخدام هذه الأسلحة في الحروب أو تطويرها أو اختبارها أو إنتاجها أو تخزينها أو نشرها، لكن على أرض الواقع فإن بعض الدول انتهكت هذه الاتفاقية، واستخدمت الأسلحة البيولوجية، كمـا حــدث في حـرب إيـران والعـراق (1980 - 1988).
 
ومع الآثار السلبية التي  أحدثها ، وما يزال ، وباء كورونا، بدأت العديد من دول العالم تأخذ بجدية مخاطر الأسلحة البيولوجية، وعاد الحديث مجدداً عن «الإرهاب البيولوجي» في إشارة إلى إمكانية  التطوير المتعمد لسلالات الميكروبات المسببة للأمراض لإحداث الإصابة أو الموت للبشر، سواء من جانب بعض الدول أو التنظيمات المتطرفة والإرهابية. ولهذا فإن هناك توقعات بأن الدول الكبرى ستعيد النظر في استراتيجياتها الدفاعية لتأخذ في الاعتبار هذه النوعية من التهديدات البيولوجية، وكيفية التصدي لها في المستقبل.  
 
لماذا يتصاعد سباق التسلح العالمي؟
لا شك أن استمرار سباق التسلح العالمي وفقاً للمعطيات السابقة، رغم التداعيات التي خلفها وباء كورونا على اقتصاديات الدول الكبرى، يمكن تفسيره انطلاقاً من العوامل والاعتبارات التالية: 
 
1 - التنافس على قيادة النظام الدولي في مرحلة ما بعد كورونا: خاصة بين الولايات المتحدة والصين، فالأولى تريد الحفاظ على موقعها القيادي، وتسعى إلى مقاومة أية تحركات تستهدف تغيير بنية النظام الدولي الراهنة، لصالح قوى أخرى بديلة، في ظل ما يثار أن وباء كورونا أظهر بوضوح تراجع الدور القيادي للولايات المتحدة في مواجهة هذا التحدي العالمي، بينما ترى الصين أن تجربتها الناجحة في إدارة أزمة وباء كورونا جعلت منها نموذجاً يحتذى لدى العديد من دول العالم، وتسعى إلى ترجمة ذلك في تعظيم مكانتها في عالم ما بعد كورونا. وهذا التنافس على قيادة النظام الدولي يتضمن كافة الأدوات، وفي مقدمتها القوة العسكرية، بما تضمنه من إنتاج أسلحة نوعية جديدة، كما سبق الإشارة.
 
2 - استمرار العديد من الصراعات الإقليمية والدولية دون حل: وبروز نزاعات دولية جديدة،  فعلى سبيل المثال فإن هناك الكثير من النزاعات الإقليمية بين الصين وجيرانها، ففي مايو 2020 حدثت مناوشات بين الصين والهند على الحدود،  كما طاردت سفن صينية سفينة صيد يابانية قرب جزر دياويو- سينكاكو الخاضعة لسيطرة طوكيو لكن بكين تطالب بها، ومن المعروف أن هذه المنطقة البحرية التي تمتدّ على مساحة توازي ستّ مرات مساحة فرنسا، تضم الكثير من الجزر والموارد الغنية بالنفط والغاز، وتتنازع الصين ودول أخرى (ماليزيا والفيليبين وفيتنام) على الجزر في هذه المنطقة وترسل واشنطن بشكل منتظم سفناً حربية إليها لتحدي الطموحات الصينية. في الوقت ذاته، فإن هناك بعض النزاعات التي يتم توظيفها ضمن الصراعات بين القوى الكبرى، كقضية تايوان التي تتمتع بالحكم الذاتي وتسعى إلى الانفصال عن الصين، حيث توظف الولايات المتحدة هذه القضية كأحد أوراق الضغط ضد بكين.
 
3 - استمرار استخدام القوة في إدارة الصراعات الدولية: وهناك العديد من الحالات التي تؤكد ذلك، ففي يناير من العام 2020 أعلنت الولايات المتحدة مسئوليتها عن اغتيال قاسم سليماني قائد قيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني بواسطة قصف صاروخي بالقرب من مطار بغداد. كما شهدت الأشهر الماضية بعض المناوشات البسيطة بين السفن الحربية الأمريكية، والسفن الحربية الصينية أثناء تسيير الدوريات البحرية في بحر الصين الجنوبي، الذي يعتبر أحد القضايا الخلافية بين الدولين. كما حدثت بعض المواجهات البسيطة في مياه الخليج بين القوات البحرية الإيرانية والسفن الأمريكية خلال النصف الأول من العام 2020 حيث صدر أمر للقوات المسلحة الإيرانية بتحديد وتعقب عدة سفن تجارية أمريكية في خليج عمان. وفي تحذير موجه فيما يبدو لإيران أصدرت البحرية الأمريكية تحذيرًا للسفن الحربية في الخليج للبقاء بعيدا بمسافة 100 متر عن السفن الحربية الأمريكية أو المجازفة «باعتبارها تمثل تهديدا وتكون هدفا لإجراءات دفاعية مشروعة.
 
ولا شك في أن هذا التوجه المستمر في استخدام القوة في إدارة الصراعات والنزاعات الدولية يفسر في جانب منه سباق التسلح العالمي في الوقت الراهن بين القوى الدولية التي تستهدف تعزيز قدراتها الرادعة في مواجهة الخصوم، والحفاظ على مصالحها الاستراتيجية.
 
4 - تزايد القلق الدولي من احتمالات انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة تخفيض الأسلحة الاستراتيجية الجديدة، أو «نيو ستارت»، التي سينتهي العمل بها في فبراير 2021 في ظل إصرارها على ضم الصين إليها، وتحفظ الأخيرة على ذلك، وهذا قد يؤدي إلى سباق تسلح نووي جديد ، كما حدث من قبل حينما انسسحبت الولايات المتحدة من معاهدة الأسلحة النووية المتوسطة المدى في أغسطس 2019، وما أعقبها من تصريحات لوزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر في الثالث من أغسطس 2019 أكد فيها أن الولايات المتحدة ستسرع عملية تطوير صواريخ أرض جو جديدة، وصدور تصريحات مماثلة عن كل من موسكو وبكين، تؤكد مساعيهما الرامية إلى تطوير منظومات متقدمة من الصواريخ العابرة للقارات (فائقة السرعة) لتعزيز قدراتهما العسكرية، في مواجهة الخطوة الأمريكية.
 
خـاتمـــــة
رغم جائحة كورونا، فإن سباق التسلح بين القوى الكبرى يتصاعد ، خاصة مع الواقع الدولي الجديد الذي خلفه وباء كورونا، والذي يتسم بالضبابية والسيولة، وتسعى خلاله القوى الدولية المختلفة إلى تعظيم مكانتها والحفاظ على مصالحها ونفوذها في عالم ما بعد كورونا، حيث تدرك هذه القوى الدولية أن تعظيم قوتها العسكرية في مختلف المجالات يضمن لها ذلك في ظل تصاعد استمرار الصراعات الإقليمية والدولية، وبروز نزاعات جديدة، فضلاً عن تباين الرؤى بين القوى الدولية حل كيفية تسوية هذه الصراعات والنزاعات، الأمر الذي يؤشر إلى استمرار سباق التسلح في ظل الحرب الباردة التي يعيشها عالم اليوم.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2020-09-02 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2016-07-13
2013-01-01
2017-06-12
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره