مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2019-11-10

ممارسات الجزيرة تشيع الكراهية وتقوض الثقة في القطاع

في ظل تصاعد التوتر وانفجار الأحداث الساخنة على الصعد الأمنية والاستراتيجية والسياسية في المنطقة، يبرز الإعلام كإحدى أهم آليات معالجة الأزمات والتفاعل معها، وبينما تتفاوت أهمية الأطر الفاعلة التي تحيط بتلك الأزمات وتؤثر فيها، فإن الإعلام وحده يكسب كل يوم مساحة تأثير جديدة لا ينازعه فيها أحد.
 
 
سيكون من الصعب تجاهل أن أهمية الإعلام في الإطار المجتمعي العربي تتزايد يوماً بعد يوم، وأن تلك الأهمية تنبع من عوامل عديدة، على رأسها بكل تأكيد الازدهار الكبير الذي تشهده صناعة الإعلام بشكل يبدو أوسع وأسرع وأكثر استدامة من النمو الذي تشهده معظم الصناعات العربية الأخرى. 
 
 
لقد زاد عدد وسائل الإعلام العربية في الآونة الأخيرة زيادة كبيرة ومطردة، وهي زيادة تبدو حادة أحياناً عند النظر إليها على صعيد كل قطر من أقطار المنطقة، إذ إن بعض الدول العربية التي لم تكن تعرف سوى قناتين تلفزيونيتين وثلاث صحف، مثل العراق وليبيا، صار لديها عشرات القنوات والصحف ومئات المواقع الإلكترونية.
 
 
وجاء الوافد الجديد الممثل في وسائل التواصل الاجتماعي ليضاعف أهمية الفاعل الإعلامي، مع ما تمتلكه تلك الوسائل من قدرات نفاذ غير عادية وإمكانيات غير مسبوقة في مجال إنتاج المحتوى وبثه وتوزيعه.
 
 
سباق في الفضاء
وبموازاة ذلك، راحت الدول العربية تتسابق على إطلاق الأقمار الاصطناعية القادرة على بث القنوات التليفزيونية، وبناء مدن إنتاج إعلامي ضخمة.
 
 
يعد التسابق بين الدول العربية على تطوير أقمار اصطناعية قادرة على توفير إمكانيات البث التليفزيوني دليلاً على التصاعد المطرد لإدراك تلك الدول لأهمية أن تمتلك أدوات بثها وآلا تجعل رسائلها الاتصالية رهينة رضا أو موافقة أي طرف آخر.
 
 
وفي هذا الصدد، أمكن رصد زيادة واضحة في عدد هذه الأقمار، فضلاً عن المؤشرات التي توضح أن هناك المزيد من الإقبال على الاستثمار في هذا القطاع.
 
 
ويمكن القول إن الواقع الإعلامي العربي أظهر استيعاباً واضحاً لثورة الاتصالات، وبرهن على امتلاكه المرونة الكافية لتوفيق أوضاعه، في محاولته لمجاراة العصر الرقمي، وتغيير أنماط أدائه، بما يتناسب مع أنماط التعرض الجديدة. 
 
 
ففي الوقت الذي تتزايد فيه نسبة الشباب بين جموع المواطنين العرب، وترتفع نسبة التعليم، وتقفز معدلات استخدام “الإنترنت”، وتنتشر الهواتف الذكية انتشاراً كبيراً، نجد الإعلام العربي يظهر القدرة على ملاحقة تلك التطورات، وخدمتها، عبر تطويع التقنية والتحرير لمواكبتها، وفتح أسواق جديدة، وتلبية احتياجات جمهور واسع ومتطلب.
 
 
قدرات تنافسية
وبمواكبة ذلك، ارتفعت القدرات التقنية في عدد من وسائل الإعلام العربية، خصوصاً الفضائيات الإخبارية، والمواقع الإلكترونية، التي يتم تحديثها على مدار الساعة، والتي بات بعضها قادراً على منافسة الكثير من وسائل الإعلام العريقة والنافذة في دول العالم المتقدم.
 
 
سيكون من الصعب تجاهل أن فضائيات إخبارية عربية باتت منافساً شرساً لنظيراتها الناطقة بالعربية، والتي تبثها بلدان من خارج المنطقة، بحيث استطاعت أن تشكل مصدر اعتماد إخباري رئيس للمواطنين العرب، في ما يتعلق بالأخبار التي تقع في محيط اهتمامهم الحيوي.
 
 
علينا أن نتذكر أن الأوضاع لم تكن كذلك قبل عقدين، حينما كان المواطنون العرب يضطرون إلى التعرض لوسائل إعلام غربية ناطقة باللغة العربية، عند محاولة تقصي الأخبار التي تتعلق ببلدانهم أو بلدان المنطقة الأخرى. ترتكب الفضائيات العربية الأخطاء الكبيرة، ويقع معظمها في انحيازات مهنية بالغة السوء، ويكرس بعضها نفسه لخدمة مشروعات سياسية، ولا يظهر استقلالية ومهنية مناسبة، لكن التعدد في الفضاء الإعلامي العربي بات قادراً على الحد من آثار الانحياز الضارة. 
 
 
وفي معظم الأحوال، سيجد الجمهور العربي نفسه قادراً على التزود بما يريد من الأخبار الجادة، التي تتحلى بقدر مناسب من المهنية، ومعرفة ما يهمه من تطورات، من خلال متابعة طيف عريض من الفضائيات، التي لا يمكنها جميعاً أن تتفق على أن تكتم خبراً مهماً، مهما بلغت خطورته، ولا يمكنها جميعاً أن تتفق على تشويه حقيقة ما أو تزييف واقعة بسبب تعدد انتماءاتها.
 
 
لا يقتصر هذا الأمر على الفضائيات المملوكة لدول أو جهات عربية، ولكنه يمتد أيضاً ليشمل بعض الوسائط الإعلامية التقليدية المملوكة لدول إقليمية غير عربية أو دول أجنبية في الشمال؛ وبعض هذه الوسائط يمتلك تاريخاً عريقاً ودوائر صناعة فعالة.
 
 
وبموازاة ذلك، ازدهرت صناعة الترفيه، بحيث بات لدى الجمهور العربي قدرة على التزود بمواد ترفيهية يمكن أن تنافس تلك التي تُعرض في الفضائيات الغربية في بعض الأحيان، خصوصاً عبر ظاهرة إنتاج نسخ عربية من بعض البرامج العالمية. وظهر التنوع والاتساع الكبيران في ملفات الرياضة، والمواد المنتجة خصيصاً للأطفال، وتلك المتعلقة بالأبعاد الثقافية، دون أن يجور الحس الترفيهي المزدهر على الأجندة الإخبارية. 
 
 
إن قدرة بعض وسائل الإعلام العربية على متابعة وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مهني جذاب جديرة بالإعجاب، خصوصاً أن ثمة برامج عديدة استطاعت أن تطوع المواد التي يحفل بها “الفضاء السيبري” لمصلحة المنتج الإعلامي التقليدي، الذي يبث عبر الفضائيات والإذاعات أو ينشر في الصحف. وثمة ما يستحق الإشادة أيضاً في مجال المتابعة الإخبارية للإعلام العربي؛ إذ باتت تلك المتابعة أكثر اهتماماً بـ “اللامركزية”، عبر تغطيات فريدة لأعماق البلدان العربية، ومناطقها الجغرافية البعيدة، التي كانت تعاني التهميش في ظل إعلام “مركزي”، ظل لعقود مهتماً بالعاصمة وبما يقوله المسئولون الرسميون.
 
 
تظهر تلك الفضيلة الإعلامية الجديدة في متابعة الاستحقاقات السياسية، والنزاعات والحروب، كما تظهر في المتابعات الثقافية والاجتماعية؛ وهو أمر يعزز المعرفة العمومية، ويحقق التوازن، كما يخدم فكرة الاندماج الوطني.
 
 
تلك أخبار جيدة عن الواقع الإعلامي العربي، وهي تعكس حالة تطور حقيقية يمكن قياس أثرها على أرض الواقع، لكن هناك أخباراً سيئة أيضاً يجب أن نشير إليها.
 
 
أخبار سيئة
في ظل الإدراك المتصاعد لأهمية صناعة الإعلام، بات عدد كبير من الحكومات العربية حريصاً على أن يفرض الهيمنة على القطاع؛ وهي هيمنة قد تحمي القطاع من الإفلاس المالي، وتقيه من أعباء المنافسة الحرة، لكنها في الوقت ذاته تحرمه من التعدد والتنوع اللازمين لإدامة الثقة وصيانة القدرة على التأثير.
 
 
وبسبب تضارب المصالح، ونشوء النزاعات بين عدد من الدول العربية الرئيسة، فإن قابلية قطاع الإعلام لتلقي الضغوط والاستخدام السياسي المباشر من قبل الحكومات زادت.
 
 
إن تحول مؤسسات إعلامية كبرى مثل شبكة “الجزيرة” إلى أدوات في معارك سياسية يؤدي إلى عواقب خطيرة؛ أهمها تلاشي السمت المهني، وتضعضع السمعة، والانقطاع عن المعايير، وفقدان المصداقية.
 
 
كل خسارة تخسرها وسائل الإعلام التقليدية في الفضاء العربي تتحول مكسباً خالصاً يجنيه الوافد الجديد المتجسد في “السوشيال ميديا”.
 
 
ولأن “السوشيال ميديا” ظلت قطاعاً غير قابل للخضوع إلى الهيمنة الكاملة، فقد استأثرت باهتمام ومتابعة كبيرة، وهذا الاهتمام بالوسائط الجديدة آخذ في الاطراد، وأخطر ما فيه أنه ينمو بمعزل عن قدرة هذه الوسائط على تكريس الدقة أو احترام المعايير المهنية.
 
 
ثمة أربعة مسارات للتغيرات الحادة الأخيرة؛ أولها يتعلق بالزيادة المطردة في إنتاج المحتوى الإعلامي عبر الوسائط الجديدة بواسطة مستخدمين من الهواة (غير الصحفيين)؛ فوفق بيانات “يوتيوب”، فإن المهيمنين على قوائم المشاهدات غير الموسيقية عبر هذا الموقع ليسوا سوى “نشطاء من غير المحترفين”. لقد خلصت دورية “ديجتال جورناليزم”، في دراسة أجرتها العام 2016، إلى أن “المحتوى الذي يصنعه الجمهور غير وجه الصحافة إلى الأبد.. وبات يشكل جزءاً كبيراً من المحتوى العام”.
 
 
عنصر التمويل
ويتعلق المسار الثاني بعنصر التمويل، فبحسب إحصاءات شركة “ستاندرد أند بورز جلوبال”، فإن عائدات الإعلان على مواقع التواصل الاجتماعي تتزايد بموازاة انحسارها في وسائل الإعلام التقليدية، كما تتوقع شركة بحوث الإعلان والإعلام “ماجنا” Magna أن تنمو الأولى في العام الجاري 2019 بنسبة 13% لتصل إلى 237 مليار دولار، في حين ستنمو العائدات على الوسائط التقليدية بنسبة 2.5% فقط لتصل إلى 183 مليار دولار.
 
 
وفي الصيف الماضي، باتت فرنسا أول اقتصاد رئيس في العالم يفرض ضريبة على المجموعات الرقمية العملاقة، بعدما اشتكت وسائل إعلام كبرى بينها عشر وكالات أنباء أوروبية مرموقة من أن تلك المجموعات تتربح من بث المحتوى الذي ينتجه منتجو الإعلام التقليديون، ويتكبدون نفقات ضخمة في جمعه وتحريره، من دون أن يحصلوا على جزء من العوائد التي تجنيها مواقع “السوشيال ميديا”.
أما المسار الثالث الذي يجسد التغير الكبير الذي حدث في قطاع الإعلام، فيتعلق بعنصر الدقة. في شهر يونيو الماضي، نشرت مؤسسة “إبسوس” نتائج دراسة مهمة أجريت على عينة من 25 ألف شخص في 25 دولة، وهي الدراسة التي بينت أن 86% من المستطلعة آراؤهم أقروا بأنهم “وقعوا فريسة أخبار زائفة”، وأن “المنبر الأساسي لنشر المعلومات المضللة هو موقع (فيسبوك)”.
 
 
ويأتي المسار الرابع الخاص ببيانات التعرض ليشير بوضوح إلى أن معدلات التعرض للوسائط الجديدة تتزايد بشكل حاد في مقابل التعرض للوسائط التقليدية؛ إذ يؤكد تقرير صادر عن منصة إدارة وسائل التواصل الاجتماعي “هوت سويت” في عام 2019، أن أكثر من 45% من سكان العالم نشطون على هذه الوسائل، وأن أعدادهم تتزايد باطراد.
 
 
ثمة مكاسب كبيرة حققها الإعلام العربي منذ أربعة عقود، تحول خلالها من أدوات حكومية تلعب أدواراً دعائية إلى منظومات متكاملة على قدر من التنافسية والاحتراف؛ وهو أمر يجب تعزيزه عبر تكريس المعايير المهنية والدفاع عن التنوع والتعدد والتوازن، ومجابهة أنماط الأداء الشاذة والحادة والتحريضية والداعية للكراهية.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2020-04-30 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2016-07-13
2017-06-12
2014-11-17
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره