مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2024-07-01

التّيارات الشعبوية ومعضلة الهجرة

رغم التباين الواضح بصدد التعريفات الواردة بشأن «الشعبوية»، إلا أن كثيرا من الباحثين يربطونها بالشعب، وباعتماد الواقعية في تفسير وتحليل الأحداث وقضايا المجتمع، كما أصبح المصطلح يستخدم للدلالة على تيارات واتجاهات، وعلى ممارسات اجتماعية وخطابات غالبا ما تحيل إلى القدحية والديماغوجية، مع الانتقاص من قيمة الفكر والعلم، في مقابل التركيز على الخطابات السطحية والأفكار الخرافية.
 
 
وعموما تقوم الشعبوية في مجملها على رفض التكتلات الكبرى والتحولات الصناعية، ثم الدعوة إلى الانكفاء في عالم «معولم» ومتشابك المصالح، بالإضافة إلى توظيف المؤامرة في تفسير الأحداث والأزمات، علاوة على تقديم حلول مبسطة وسطحية لتجاوز مختلف الإشكالات، وتوظيف المؤامرة في تفسير الكثير من القضايا والأزمات.كثيرا ما يقدّم «الشعبويون» أنفسهم وكأنهم المنقذون من الأزمات المختلفة، ومع ذلك، فغالبا ما يتعاطون معها إما بالتجاهل، أو بصور انفعالية وغير علمية. كما تستند هذه التيارات على فن الخطابة وتجييش العواطف لتعميم مواقفها وتمرير خطاباتها وأفكارها، كما تستثمر التقنيات الرقمية بشكل كبير في تعزيز انتشارها.
 
 
شهدت التيارات الشعبوية صعودا مدويا خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع التطورات والأزمات التي يشهدها العالم، سواء تعلق الأمر منها بتنامي ظاهرة الهجرة أو تمدد الإرهاب، أو الأزمة المالية (2007-2008) أو جائحة كورونا.. حيث استغلت هذه المحطات وانعكاساتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية في عدد من بلدان العالم في أوربا والأمريكيتين وآسيا وإفريقيا لكسب مزيد من التأييد لمطالبها وتوجهاتها، من خلال إطلاق شعارات وخطابات حماسية، أثرت كثيرا في توجهات الرأي العام على المستويين الوطني والدولي.
 
 
تتقاسم التيارات الشعبوية رفضها للهجرة، مع التأكيد على مسؤولية المهاجرين عن مختلف المعضلات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية التي تشهدها الدول الغربية.. ما يجعل خطابها ديماغوجيا، ويقوم في جزء كبير منه على استغلال مخاوف الناس لتكريس أفكار مسبقة حول الظاهرة.
 
 
وأمام التمدد الملحوظ للشعبوية في عدد من البلدان الغربية، وفي أوروبا على وجه الخصوص، برز اليمين المتطرف في واجهة المشهد السياسي لعدد من الدول كفرنسا وإسبانيا وبلجيكا وألمانيا وإيطاليا والنامسا.. وفي الولايات المتحدة الأمريكية، كنتاج لتراجع مكانة الأحزاب التقليدية في هذه البلدان وعدم قدرتها على مواكبة التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتسارعة، وعلى تطوير خطاباتها وإقناع الناخبين بتوجهاتها وبرامجها في هذا الصدد، حيث تمكن (اليمين المتطرف) من تحقيق مكتسبات سياسية هامة على مستوى الولوج إلى الهيئات التشريعية والحكومات في عدد من البلدان الغربية.
 
 
تمثل قضية الهجرة أحد الملفات الحاسمة والحارقة التي تركز عليها التيارات الشعبوية والأحزاب اليمينية في الترويج لخطاباتها المتطرفة وتوجهاتها المعادية للأجانب بشكل عام، وكسب التأييد لتوجهاتها هاته بذريعة المحافظة على ثقافة وهوية الشعوب الغربية. ففي مقابل ربط الهجرة بالتطرف والإرهاب، وبتعميق المشكلات الاجتماعية التي تشهدها مجموعة من البلدان الغربية في سياق الآثار الناجمة عن الأزمات المالية التي شهدها العالم، والتداعيات التي خلفتها الحرب الروسية في أوكرانيا، تصرّ هذه التيارات على التنكر لكل الإسهامات المشرقة للمهاجرين في بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وفي أدوارهم المقدرة في تطوير مجتمعاتها على المستويات الاقتصادية والسياسية والعلمية والثقافية والتقنية..
 
 
  إن تصاعد المد اليميني المتطرف داخل المجالس التشريعية الأوربية والمقترن بتصاعد خطابات شعبوية جوفاء تتنكر لأبسط حقوق الإنسان وحرياته، ستكون له تبعات فيما يتعلق بتوظيف ملف الهجرة باتجاه فرض مزيد من القيود على المهاجرين الحالمين بالوصول إلى الضفة الشمالية من المتوسط والقادمين من عدد من البلدان التي ترزح تحت ضغط إكراهات اجتماعية واقتصادية أو أمنية.. أو استخدامها كذريعة لإطلاق خطابات معادية للأجانب (الإسلاموفوبيا)، ولتبني مزيد من التدابير والسياسات والتشريعات التي ستؤثر سلبا في المكتسبات التي تحققت في مجال الهجرة واللجوء.
 
 
إن التيارات الشعبوية وإن كانت خطاباتها تلقى أصداء داخل المجتمعات الغربية في زمن تطورت فيه وسائل الاتصال، وسمحت بتنقل الأفكار والمعلومات بشكل سريع، فإنها ستظل مع ذلك «حركات» مرحلية، غالبا ما تبرز كردّ فعل آني على أوضاع متأزمة، وليس نتاج تطور طبيعي للمجتمعات. ولذلك فلا غرابة إذا اتهمت من قبل البعض؛ كونها تفرغ الممارسة الديمقراطية من مدلولها، وتساهم في ضياع الكثير من الفرص والحقوق.
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2024-07-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2014-03-16
2014-11-02
2016-07-13
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره