مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2023-12-03

فتنظر الصين إلى حرب غزة ؟

ليس من المستبعد على الإطلاق الحديث عن ربط الصين لموقفها مما يحدث في غزة بتنافسها الاستراتيجي الدائر مع الولايات المتحدة والسعي الأمريكي لاحتواء الصعود الصيني كلاعب مؤثر في النظام الدولي. الحرب على غزة شأنها كشأن الحرب في أوكرانيا كلاهما وجهين لعملة مواجهة الولايات المتحدة وسياساتها الساعية لإخضاع الصين.
 
 
ففي النهاية، السياسة هي عبارة عن ترجمة واضحة لما يحقق المصلحة، ومصلحة الصين اليوم هي الحد من السعي الأمريكي لوقف تنامي قوة ونفوذ الصين في النظام العالمي.
تتمتع الصين بعلاقات قوية مع إسرائيل منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية في عام 1992 ولاسيما في الجانب التعاوني المرتبط بالبحث والتكنولوجيا، وكذلك التعاون العسكري والأمني نوعاً ما. التبادل التجاري بين البلدين وصل إلى أكثر من 50 مليار دولار أمريكي بفضل مبادرة الحزام والطريق التي سعت الصين إلى الاستفادة من علاقتها الطيبة بإسرائيل للاستثمار في مجالات عديدة في إسرائيل. لكن الحماس الصيني تجاه إسرائيل بدأ في التراجع نوعاً ما بسبب اتجاه إسرائيل إلى قبول الضغط الأمريكي عليها بالحد من تعاونها مع الصين كجزء من استراتيجية الولايات المتحدة للضغط على الحلفاء للحد من حجم التعاون مع الصين.
 
 
لطالما سعت الصين منذ ما بعد إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إلى السير بشكل متوازن في علاقتها مع الجانبين الإسرائيلي من جهة والفلسطيني والعربي والإيراني من جهة أخرى. فهي لم تشأ إلى أن تقف مع طرف ضد طرف آخر باعتبار أنها مستفيدة من علاقتها الاقتصادية والسياسة مع دول منطقة الشرق الأوسط جميعها. فالتوازن بين جميع الأطراف كان هو السمة البارزة للموقف الصيني تجاه القضية الفلسطينية، التي تدعم من خلالها بكين حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم وفقاً للقرارات الدولية ذات الصلة وحق إسرائيل بالعيش بسلام. سياسة لم تتغير، ولكن الموقف الصيني من الحرب الإسرائيلية الحالية على غزة جعل البعض يعتقد أن هناك تغيراً قد حدث. إلا أن الواقع هو أن الموقف ما زال قائماً كما هو.
 
 
هذا الموقف هو نتاج عدة اعتبارات، لعل أهمها هو أن الصين لديها بعض التحفظات على الموقف الإسرائيلي من التعاون مع الصين ومسايرة الضغط الأمريكي للحد من الوجود الصيني في إسرائيل. فهي رسالة صينية واضحة لإسرائيل بأننا لسنا ضدكم ولكننا قادرون على تغير خطنا العام تجاهكم إذا ما استمريتم في الحد من المصالح الصينية الموجودة في إسرائيل نزولاً عند الضغوط الأمريكية. كما أن هذا الموقف الصيني غير المنحاز لإسرائيل يُعطي الصين نوع من القوة في تعزيز علاقتها مع دول في المنطقة رافضة للحرب الإسرائيلية على غزة كإيران وبالتالي تعزيز من قدرتها السياسية في لعب دور على طاولة المفاوضات بسبب قربها من إيران للتأثير على الفصائل الفلسطينية المقاتلة في غزة بدعم من إيران، وكذلك في التأثير على إيران للضغط على حزب الله ليكون خارج دائرة الحرب.
 
 
 
فالعلاقة مع إيران وقدرتها على التأثير عليها هي ورقة قوية تتمتع بها الصين للمساومة من خلالها - إذا ما فتح لها المجال - من أجل الضغط على الولايات المتحدة لضبط علاقتها المتوترة مع الصين. كما أن هذا الموقف الصيني من الحرب في غزة قد يكون جزءً من الاستراتيجية الصينية لحشد عالم الجنوب في مواقف رافضة لعالم الشمال. فالصين تبني تطلعاته على تعزيز قيادتها لعالم الجنوب وخلق تكتل سياسي واقتصادي عالمي جديد يتبنى مواقف متباينة مع دول عالم الشمال، ولاسيما في مجال كسب المسلمين وجميع المتعاطفين مع الفلسطينيين في دول عالم الجنوب.  
 
 
يمكن القول بأن الحرب في غزة أتت نوعاً ما لتصب في صالح الصين، باعتبار أن الانغماس الأمريكي السياسي والانشغال العسكري في منطقة الشرق الأوسط، مضافاً له بالطبع انشغالها في أوروبا مع الحرب الأوكرانية، يقلل من الضغط الأمريكي على الصين في منطقة شرق أسيا حيث الاهتمام الصيني الأبرز والأكبر من أجل تعزيز نفوذها وهيمنتها هناك. فالولايات المتحدة منشغلة بشكل كبير في حشد الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري لأوكرانيا وإسرائيل، الأمر الذي قد يقلل من قدرتها على تعزيز إمكانياتها في المناطق القريبة من الصين. كما أن حرب غزة قد تؤدي إلى عرقلة المشروع الأمريكي القاضي بربط الهند بالشرق الأوسط عبر إسرائيل بأوروبا بمرر بحري بري، وهو المشروع المستهدف من وراءه – حسب وجهة النظر الأمريكية -مواجهة مبادرة الحزام والطريق الصينية في منطقة الشرق الأوسط.
 
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2024-06-05 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2014-03-16
2014-11-02
2016-07-13
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره