مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2024-01-01

لماذا الشرق الأوسط غير مستقر؟

نظرة سريعة للعالم الحالي تعطيك نتيجة مفادها أن أكثر مناطق العالم عدم استقراراً هي منطقة الشرق الأوسط. فباستثناء الحرب في أوكرانيا والتوتر بين أرمينيا وأذربيجان فإن أوروبا مستقرة؛ ورغم الملفات الأمنية الكبيرة العالقة بين دول أسيا إلا إن أسيا تعيش اليوم فترة من الاستقرار؛ ورغم مشاكل الدول الأفريقية إلا أن الحروب والأزمات التي تعودنا أن تنهك القارة محدودة في القارة السمراء؛ وحتى أمريكا الجنوبية ورغم نشاط الحركات المتمردة على سلطة الدولة إلا أن حالة الهدوء هي الأكثر بروزا.
 
 
لكن الحالة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي حالة ذو طابع مختلف،  فالصراعات والحروب هي السمة الأبرز للمشهد السائد في المنطقة. تشير التقديرات إلى وجود أكثر من 45 صراع مسلح يجري حالياً في المنطقة حسب أرقام أكاديمية جنيف للقانون الدولي الإنساني وحقوق الانسان، مقارنة بـ 35 صراع مسلح في أفريقيا، و21 صراع مسلح في أسيا، و7 صراعات في أوروبا، و6 صراعات في أمريكا اللاتينية. فهذا مؤشر واضح على حالة عد الاستقرار الذي تعيشه منطقة الشرق الأوسط. ولعل السمة البارزة لمعظم الصراعات التي تحدث في المنطقة هي أنها غير دولية أي أنها في إطار الدولة الواحدة ذاتها رغم وجود بعض المناوشات والتدخلات الأجنبية من دول أخرى في بعض تلك الصراعات. فالمنطقة مليئة بالصراعات المسلحة والتي تنذر بحالة من التهديد للأمن والاستقرار الإقليمي بالدرجة الأولى، مما يهدد فرص التنمية وتحقيق النمو والازدهار المرجو من شعوب المنطقة الطامحة للعيش باستقرار وحياة كريمة.
 
 
فمتى ما ظهرت أطراف تنافس الدولة على شرعيتها وسلطتها في فرض القانون تصبح هذه الدول أقرب إلى الفشل والانهيار، وهو ما يفسر لنا حالة عدم الاستقرار والفلتان الأمني الذي يحدث في مختلف مناطق ودول منطقة الشرق الأوسط. فهذا لبنان مقيد بأجندة غير وطنية يفرضها عليه حزب الله، وهذه فلسطين مقيدة بأفكار تسعى جماعات مسلحة مثل حماس والجهاد الإسلامي إلى إفشال كل ما يمكن ان يمثل خطوة نحو تحقيق هدف إقامة الدولة الفلسطينية مما يجعل إسرائيل تتذرع بالقيام بانتهاكاتها الغاشمة في حق الشعب الفلسطيني الأعزل، وهذا اليمن مقيد بفكر الحوثي الساعي لفرض توجه معادي لجيرانه، وهذا العراق المبتلى بتنظيمات مختلفة تحد من سيادة الدولة العراقية، وهذه ليبيا التي تسعى الجماعات الدينية المسلحة إلى أن يكون لها كلمة في مواجهة فرص توحيد الدولة، وهذا سوريا البلد الممزق من كل طرف والتي تسعى من خلاله جماعات مسلحة من أمثال داعش والقاعدة وحزب الله والأكراد إلى تحقيق أجنداتها بالدخول في الصراع الدائر هناك من أجل إضعاف سيطرة وهيمنة الدولة على التراب السوري، وهذا السودان الممزق بين أرباب الحروب في شماله وجنوبه وشرقه وغربه.
 
 
فأينما تولي بوجهك تجد حالة من التوتر والصراع الدائر في منطقتنا الشرق أوسطية مرجعها الأساسي وجود مثل هذه التنظيمات والجماعات المسلحة التي تحمل أجندات مختلفة أو متحدية لأجندة الدولة الوطنية. الدولة من المفترض أن تحتكر وسائل الفرض والإكراه، ومتى ما ظهرت أطراف أخرى تنافسها في هذه المهمة فقدت الدولة قدرتها على تحقيق الهدف المرجو منها في تحقيق أمن واستقرار وازدهار حياة المواطن. ما الذي يجعل دول مثل تايوان وكوريا الجنوبية وسنغافورا وغيرها تنجح رغم أنها دول لا تمتلك ما يمكن ان يميزها عن ما تمتلكه دول منطقة الشرق الأوسط سوى أن حكوماتها الوطنية تعمل بشكل كفء نظراً لغياب المنافسة لسلطة الدولة من قبل جماعات ترفع السلاح في وجهها وتحاول الاستئثار بأجندات مخالفة عن الأجندة الوطنية.
 
 
هذا هو العامل الأول والأساسي لنجاح الدول، ومتى ما توفر هذا الشرط كان نجاح العمل الحكومي حاضراً وبشكل ملفت. ولا نحتاج على السير بعيداً عن منطقتنا، فهذه دول الخليج العربية تعطي مثالا رائعاً للنمو والازدهار مرده الأساسي هو وجود دولة وطنية قوية لا تنافسها جماعات مسلحة على فرض القانون وهيبة الدولة. فالطريق الصحيح للأمن والاستقرار وتحقيق فرص التنمية والازدهار هو السير نحو نظام إقليمي خالي من أنشطة الجماعات المسلحة المنافسة لسلطة الدولة.


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2024-05-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2014-03-16
2014-11-02
2016-07-13
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره