مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2024-03-03

في ضوء الزيارات المتبادلة والتعاون المتنامي:قراءة في مسارات تطور علاقات الشراكة الإماراتية - الهندية

تمثل العلاقات بين دولة الإمارات وجمهورية الهند نموذجاً للتعاون والشراكة الاستراتيجية بين الدول، حيث تنطلق من إرث تاريخي للتعاون والصداقة، وتعتمد على واقع مزدهر للمصالح المشتركة، وتمضي وفق آليات مؤسسية تعزز الشراكة الاقتصادية الشاملة القائمة بين البلدين منذ مايو 2022، وتعكس وتيرة الزيارات المتبادلة بين قيادتي البلدين وجود إرادة متبادلة لتعزيز الشراكة واستغلال كافة الفرص المتاحة دفع التعاون بين البلدين في المجالات كافة. وفي هذا العدد تسلط «درع الوطن» الضوء على تطور التعاون بين البلدين في ضوء زيارة العمل التي قام بها صاحب السمو الشيخ محمد بن آل نهيان آل نهيان رئيس الدولة ـ حفظه الله ـ للهند في يناير الماضي، والزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي للإمارات بعد ذلك بنحو شهر للمشاركة في القمة العالمية للحكومات 2024، في أحد مظاهر قوة ومتانة العلاقات بين البلدين الصديقين.
 
إعداد: هيئة التحرير
 
تقدم العلاقات الإماراتية-الهندية نموذجاً للعلاقات الثنائية المتميزة القائمة على ركائز مؤسسية تتعمق وتتطور بوتيرة متسارعة ووفق رؤى وخطط واضحة، وفي إطار من التنسيق والتفاهم ووجهات النظر المتقاربة بين القيادتين والبلدين. والمتتبع لمسار هذه العلاقات منذ بداية العام 2018 يدرك أن هذه العلاقات باتت تشكل النموذج الأمثل للشراكات الاستراتيجية القائمة بين الدول على الصعيدين الإقليمي والدولي، حيث شاركت الهند كضيف شرف في القمة العالمية للحكومات التي انعقدت في فبراير 2018، كما شاركت بالصفة ذاتها في فعاليات القمة نفسها في فبراير 2024، ما يعكس تميز العلاقات والمكانة التي تحظى بها الهند ضمن أولويات السياسة الخارجية الإماراتية. وتعد الاستضافة بهذه الصفة المتميزة لما تتمتع به الهند من تجارب متميزة في التنمية والنهضة الاقتصادية، بما يعزز أهداف القمة الساعية للتعريف بأبرز التجارب العالمية وتسهيل الاستفادة منها وتطويرها.
 
وقد تطورت علاقات الهند مع دولة الإمارات لتصبح واحدة من أهم علاقاتها بحسب الخبراء والمراقبين الهنود، الذين يرون أن الإمارات ليست شريكاً استراتيجياً للهند فحسب، بل هي أيضاً نقطة ارتكاز بارزة لانخراط الهند في منطقة الخليج، حيث يدرك كل طرف أهمية الطرف الآخر إقليمياً ودولياً، فالإمارات باتت لاعب فاعل على الصعيد الاقليمي، في حين يتسارع صعود الهنود كقوة دولية. وتحصل هذه العلاقات على قوة دفع نوعية كبيرة من خلال الصداقة المتينة بين صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة ـ حفظه الله ـ ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، حيث تلعب هذه الصداقة دوراً كبيراً في تطوير الشراكة الشاملة بين البلدين على المستويين الاستراتيجي والاقتصادي، حيث توفر الزيارات المتبادلة نطاقات مهمة لمناقشة الملفات والموضوعات التي تهم البلدين الصديقين.
ولا شك في أن اختيار الهند ضيف شرف القمة لمرتين في القمة العالمية للحكومات يحمل دلالة رمزية على قوة العلاقات الإماراتية- الهندية، خاصة إذا ما تم الأخذ في الاعتبار أن القمة العالمية للحكومات تراعي عند اختيار ضيوف الشرف على أن تكون للدول المستضافة تجارب ناجحة تشكل نموذجاً عالمياً يحتذى، ولاشك أن الهند تعد واحدة من أبرز هذه النماذج خاصة من حيث التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها في السنوات القليلة الماضية، وما حققته من معدلات نمو عالية وسياسات اقتصادية واجتماعية ناجحة، حيث أصبح الاقتصاد الهندي خامس أقوى اقتصاد في العالم، وفي المرتبة الخامسة بين دول مجموعة العشرين بناتج محلي إجمالي قيمته 3.39 تريليونات دولار، حسب بيانات عام 2022، التي أظهرتها قاعدة بيانات البنك الدولي.
 
وتمتلك العلاقات بين دولة الإمارات وجمهورية الهند موروثاً تاريخًا ثرياً من التبادلات الثقافية والتجارية والروابط القوية الممتدة، مستندة إلى إرث تاريخي من الصداقة والتعاون والتفاهم المشترك، وإرادة سياسية مشتركة لدى قيادتي الدولتين نحو تعزيزها، ودفعها قدمًا إلى الأمام، بدأت منذ عهد القائد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي قام بزيارة تاريخية إلى الهند في العام 1975 تبعها زيارة رئيسة وزراء الهند الراحلة إنديرا غاندي إلى الإمارات في العام 1981، واستكملت القيادة الحكيمة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، مسيرة التعاون، حيث تمر العلاقات بين البلدين بعصرها الذهبي، وتحوّلت إلى شراكة استراتيجية شاملة، ويواصل البلدان استكشاف سبل تعميق التعاون وتعزيز الروابط عبر مجالات جديدة.
 
بين الماضي والحاضر
تتسم طبيعة العلاقات بين الإمارات والهند بالخصوصية، وبأنها متجذرة وقديمة قِدم الخليج العربي، الذي شهد بدايات حركة التجارة وعبور السفن بين البلدين وتبادل السلع منذ مئات السنين، ففي العصور القديمة، كانت الموانئ الإماراتية نقطة توقف رئيسية على طريق التجارة البحرية بين الهند وباقي أجزاء العالم، وكانت موانئ دبي والشارقة ورأس الخيمة تُشكّل محطات هامة على طريق الحرير وغيرها من طرق التجارة البحرية التي كانت تربط الهند بمناطق أخرى من آسيا وأوروبا. وباتت سهولة التواصل جغرافياً بين دولة الإمارات وجمهورية الهند إلى جانب ما يرافقه من عوامل أخرى كالرؤى المشتركة للقضايا الأمنية والسياسية والاقتصادية والبيئية، بالإضافة لشراكة التاريخ والمصالح المشتركة، يمثل كل ذلك قاعدة لتقوية أواصر هذه العلاقات، التي انطلقت رسمياً مع افتتاح سفارة دولة الإمارات في دلهي عام 1972، أعقبها افتتاح سفارة الهند في أبوظبي عام 1973، وزادت قوتها منذ الزيارة التي قام بها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، إلى الهند عام 1975.
 
أعقبها زيارات قيادات هندية إلى الإمارات، لتتوالى بعدها زيارات متبادلة أسهمت في تقوية أواصر التعاون بين البلدين. ولا تقتصر العلاقات الإماراتية مع الهند على الإطار الرسمي فحسب، بل تمتد للمستوى الشعبي، لا سيما أن الجالية الهندية هي الأكبر في دولة الإمارات، إذ يُقدّر عددها بنحو 3.5 مليون فرد بحسب المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء، فيما تتزايد حركة الأفواج السياحية والعلاجية بين البلدين بما يعكس مدى التقارب بين الدولتين على المستويين الرسمي والشعبي.
 
الزيارات المتبادلة مؤشر حيوي
زادت العلاقات الثنائية زخمًا خلال السنوات الأخيرة منذ زيارة رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى الإمارات في أغسطس 2015. ومنذ ذلك الحين، يتم تبادل الزيارات على أعلى المستويات بين البلدين كل عام، حيث أجرى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، أربع زيارات للهند، الأولى في فبراير 2016 والثانية في يناير 2017، والتي تُوّجت باتفاقية “الشراكة الاستراتيجية الشاملة”، والثالثة في سبتمبر 2023 للمشاركة في قمة العشرين، والرابعة في يناير 2023. ويشار إلى أنه من إجمالي 12 زيارة  قام بها رئيس الوزراء الهندي إلى منطقة الخليج العربي، منذ توليه مهام منصبه عام 2014، كان للإمارات 7 زيارات منفردة في 2015، 2018، 2019، 2022، ويوليو 2023،  وديسمبر 2023 وفبراير 2024؛ وهو ما يبرز الأهمية الاستراتيجية لدولة الإمارات بالنسبة للهند، ويؤكد الأهمية التي توليها قيادتي البلدين لهذه العلاقة. ومن الجدير بالذكر أنه في أحد هذه الزيارات في أغسطس 2019، قلّد صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، رئيس الوزراء الهندي بـ “وسام زايد” الذي يعد أعلى وسام تمنحه دولة الإمارات لملوك ورؤساء وقادة الدول، تقديرًا وتثمينًا لدوره في دعم علاقات الصداقة التاريخية والتعاون الاستراتيجي المشترك الذي يجمع البلدين على الصعد كافة.
 
وقد جاءت زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي للإمارات منتصف شهر فبراير الماضي للمشاركة في القمة العالمية للحكومات، بعد نحو شهر من زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة ـ حفظه الله ـ للهند كضيف شرف لـ «قمة غوجارات العالمية النابضة بالحياة» في العاشر من يناير 2024، في دورتها العاشرة، والتي تعقد في مدينة أحمد آباد في ولاية غوجارات، شارك فيها العديد من القادة والمسؤولين وصناع القرار من مختلف دول العالم إضافة إلى رجال المال والأعمال، حيث أعرب صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان- في كلمته خلال القمة - عن شكره لدولة ناريندرا مودي رئيس وزراء الهند لدعوته إلى حضور القمة «التي أسسها هو شخصياً عام 2003 وأصبحت اليوم منصة عالمية لتبادل الخبرات والمعلومات حول تطوير الاقتصاد والاستثمار»، وهنأه بمناسبة مرور 20 عاماً على انطلاقها. وقال صاحب السمو رئيس الدولة : “نحن سعداء بالمشاركة مع أصدقائنا في الهند والعالم في هذه القمة لنبحث معاً ما يسعد شعوبنا ويطور دولنا». 
 
ويلاحظ هنا تعاقب الزيارات وتواليها بما يعكس قوة ومتانة الروابط بين البلدين، حيث تعد زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي للإمارات منتصف شهر فبراير الماضي، هي الزيارة السابعة له إلى الإمارات منذ أغسطس 2015، وجاءت بعد شهرين فقط من زيارته الأخيرة لحضور قمة المناخ COP28 التي استضافتها الإمارات في ديسمبر 2023، حيث ألقى كلمة أمام القمة العالمية للحكومات، كضيف شرف للمرة الثانية في القمة، ما يعكس التقدير الكبير من جانب دولة الإمارات لرئيس الوزراء الهندي. والملاحظ أن قوة الروابط الشخصية بين قيادتي البلدين تسهم بشكل كبير في تعزيز العلاقات الثنائية على المستوى السياسي، حيث تتوافر مساحة كبيرة من التوافق إزاء مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وهو ما جعل من هذه العلاقات عاملًا مهمًا في تعزيز أسس الأمن والاستقرار على مستوى المنطقة والعالم. والحقيقة، أن الإمارات والهند تحرصان على وجود دعم متبادل لحملات ترشح البلدين لعضوية المنظمات الدولية، فعل سبيل المثال وليس الحصر، دعمت الدولة الهند في إعادة ترشيحها لعضوية مجلس منظمة الطيران المدني الدولي المجموعة الثالثة للفترة بين عامي (2022 - 2025)، وحرصت الهند على دعم الإمارات في ترشيحها لعضوية مجلس الاتحاد الدولي للاتصالات للفترة بين عامي (2023 - 2026). ومما سبق، يتأكد جليًّا أن الشراكة الفاعلة في مسيرة العمل الإقليمي والدولي بين الإمارات والهند تمثل نموذجًا فريدًاويظهر ذلك في تنسيقهما الدائم ومشاوراتهما المستمرة داخل أروقة العديد من المنظمات والمجموعات والمنصات الدولية، من بينها مجموعة العشرين، ورباعية مجموعة «أي تو – يو تو» التي تأسست في منتصف يوليو 2022، ومنظمة شنغهاي للتعاون، ورابطة الدول المطلة على المحيط الهندي «أيورا»، ومجموعة «بريكس».
 
حصاد زيارة رئيس الوزراء الهندي للإمارات
التقى رئيس وزراء الهند ناريندار مودي خلال زيارته لدولة الإمارات منتصف فبراير 2024، مع صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة ـ حفظه الله في خامس لقاء يجمع الزعيمان في غضون ثمانية أشهر، ما يعكس قوة ومتانة العلاقات على الصعدين الشخصي والرسمي.
 
عزّز مودي علاقات بلاده مع الإمارات، والتي توطّدت تدريجيًا منذ زيارته التاريخية التي قام بها عام 2015، وكانت الأولى لرئيس وزراء هندي خلال أكثر من ثلاثة عقود، حيث تعد علاقات البلدين أحد أبرز إنجازات حزب بهاراتيا جاناتا على صعيد السياسة الخارجية في ضوء أهمية الإمارات بالنسبة للاقتصاد الهندي، فضلاً عن اهتمام الشباب الهندي بالتجربة التنموية الإماراتية وبناء الشراكات مع الشركات الإماراتية الناشئة ولاسيما في مجال تكنولوجيا المعلومات التي تعد الهند أحد أبرز الدول الرائدة فيها عالمياً.
 
دشن رئيس وزراء الهند خلال الزيارة “بوشاسانواسي أكشار بوروشوتام سوامينارايان سانستا” (بابس)، أكبر معبد للهندوس في الشرق الأوسط ويخاطب آلاف المغتربين الهنود قبل الانتخابات العامة الهندية التي من المقرر أن تبدأ في أبريل المقبل. والمعبد المذكور هو الأول في العاصمة الإماراتية لكنّه ليس الأول في الدولة، حيث سبقه افتتاح معبد في دبي، وحيث يُعدّ افتتاح معبد للهندوس بهذا الحجم أمرًا مهمًا بالنسبة للجالية الهندية في الإمارات ويعزز شعبية رئيس الوزراء الهندي في بلاده.
 
أبرم البلدان خلال الزيارة اتفاقيات عدة بينها معاهدة استثمار ثنائية، استنادًا إلى اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين البلدين الموقعة عام 2022، كما وقّع الطرفان أيضًا “اتفاق إطار” بين حكومتيهما بشأن مشروع “الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا» (IMEC)، وهو شبكة شحن تتضمن نقلًا بحريًا وعبر السكك الحديد، وأعلن عنه على هامش قمة مجموعة العشرين في نيودلهي في سبتمبر الماضي.
 
قال مودي إن “العلاقات الثنائية مع الإمارات ارتقت إلى مستويات غير مسبوقة”، متعهداً النهوض باقتصاد بلاده في حال انتخابه لولاية جديدة. وأضاف “لقد أصبحنا خامس أكبر اقتصاد في العالم من المركز الحادي عشر خلال أول ولايتين لي في المنصب. وهذا يضمن لي أننا سنصبح ثالث أكبر اقتصاد في العالم خلال فترة ولايتي الثالثة».
تعد الزيارة مهمة للغاية بالنسبة لمستقبل مودي السياسي، حيث جاءت قبل شهرين من الانتخابات العامة، وحيث يريد رئيس الوزراء الهندي ترسيخ سمعة حكومته كداعمة للمغتربين الهنود في جميع أنحاء العالم، ولاسيما على صعيد توظيف العلاقات القوية مع الدول الصديقة مثل الإمارات في تسهيل حياة هؤلاء المغتربين وتلبية احتياجاتهم، بما يعزز فرص بهاراتيا جاناتا الحاكم في الفوز بالانتخابات المقبلة للمرة الثالثة على التوالي.
 
وقع الجانبان مذكرات تفاهم واتفاقيات تهدفي في مجملها إلى تعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين، وتوسيع آفاق التعاون وشملت الاتفاقيات والمذكرات مجالات عدة حيوية منها الاستثمار والتجارة ومشروعات البنية التحتية الرقمية والربط الكهربائي والنقل البحري والموانىء والسكك الحديدية والربط الشبكي للتحويلات عبر الحدود وربط منصات الدفع الفوري في البلدين.
 
التعاون الاقتصادي
يتسم التعاون الاقتصادي بين الإمارات والهند، بالنمو المتسارع استناداً إلى عوامل عديدة سبق ذكر بعضها، وتسهم جميعها في التوسع في الشراكات الاقتصادية، ولاسيما في قطاعات الاقتصاد الجديد، بكونها قطاعات حيوية تدعم النمو المستدام والتنافسية لاقتصادي البلدين، وبما يتماشى مع توجيهات القيادة الرشيدة في البلدين، بالإضافة إلى أن الدولتين من أكبر الاقتصادات في منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا. وتمثل الشراكة الاقتصادية أحد أهم ركائز العلاقات الثنائية، حيث نمت التجارة الثنائية خلال الفترة 2021-2022 من 72.9 مليار دولار إلى 84.5 مليار دولار في الفترة 2022-2023 - بزيادة سنوية قدرها 16 في المائة، مما يجعل الإمارات ثالث أكبر شريك تجاري للهند بعد الولايات المتحدة والصين. كما تعد الإمارات ثاني أكبر وجهة تصدير للهند ورابع أكبر مستثمر في الهند. وتهدف اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة (CEPA) بين البلدين إلى زيادة فرص العمل والتجارة الثنائية في السلع إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2027، كما يتوقع زيادة التبادل في قطاع الخدمات إلى 15 مليار دولار.  وفي إطار تقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي، قررت الهند والإمارات قبول العملة الهندية في التسويات التجارية، وخاصة واردات النفط الخام. حيث قامت مؤسسة النفط الهندية بدفع أول شحنة بالروبية لشركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) مقابل واردات النفط الخام في أغسطس 2023.
 
وتشمل المبادلات التجارية بين البلدين سلة متنوعة من السلع، إذ تشمل الصادرات الهندية الرئيسية إلى الإمارات المنتجات النفطية والمعادن الثمينة والأحجار الكريمة والمجوهرات والمعادن والمواد الغذائية والمنسوجات والمنتجات الهندسية والآلات والمواد الكيميائية. بينما تشمل واردات الهند الرئيسية من الإمارات النفط والمنتجات النفطية والمعادن الثمينة والأحجار الكريمة والمجوهرات والمعادن والكيماويات والخشب والمنتجات الخشبية. كما أن الهند تعد الأولى عالميًا كأكبر سوق مستورد للمنتجات الإماراتية غير النفطية، ففي الربع الأول من 2023، سجلت التجارة غير النفطية بين البلدين ارتفاعًا بنسبة 24.7 بالمئة مقارنة بالربع السابق، وارتفعت صادرات دولة الإمارات غير النفطية إلى الهند بنسبة 33 بالمئة، وفقًا لبيانات التجارة الخارجية الإماراتية. وفي يونيو الماضي اتفقت الإمارات والهندعلى تعزيز التجارة الثنائية غير النفطية بينهما والوصول بها إلى 100 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2030، بحسب ما قاله وزير التجارة الهندي بيوش جويال، وعزا معالي الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي وزير دولة للتجارة الخارجية، نمو حجم التجارة بين البلدين إلى التوقيع على اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة، والتي كان لها تأثير إيجابي واضح على التدفقات التجارية والاستثمارية بين البلدين. ولا تقتصر المصالح الاقتصادية على التبادل التجاري والاستثمارات بل يمتد ليشمل تحويلات مالية ضخمة لنحو 5ر3 مليون وافد هندي يشاركون في عملية التنمية بدولة الإمارات، التي أصبحت مصدراً رئيسياً لتوفير فرص العمل لشريحة ليست قليلة من الشباب الهندي، وبالتالي التحويلات المالية، وهذا الأمر يمثل منظوراً حيوياً للسياسات الهندية حيال الإمارات.
 
أمن الطاقة
يشكل أمن الطاقة ركيزة هامة أخرى للشراكة الثنائية القوية بين الإمارات والهند، حيث تعد الإمارات ثالث أكبر مصدر للنفط إلى الهند من المنطقة بعد السعودية والعراق، وهي الدولة الوحيدة في المنطقة التي عرضت تخزين احتياطيات النفط الاستراتيجية في الهند - وتم توقيع اتفاقية خلال زيارة رئيس الوزراء الهندي إلى الإمارات في فبراير 2018، بين شركة الاحتياطيات البترولية الاستراتيجية الهندية المحدودة وشركة «أدنوك» لتخزين الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية في الهند باستثمار أولي قدره 400 مليون دولار. وفي يوليو 2023، وبعد زيارة رئيس الوزراء مودي إلى الإمارات، وقعت مؤسسة النفط الهندية اتفاقية مع “أدنوك” بقيمة تتراوح بين 7 و9 مليارات دولار لتوريد 1.2 مليون طن سنوياً من الغاز الطبيعي المسال إلى الهند، وتكتسب هذه الصفقة أهمية كبيرة لأنها تعمل على تنويع اعتماد الهند في واردات الغاز الطبيعي المسال على الإمارات بدلاً من قطر فقط. وتمتلك شركات إماراتية استثمارات كبيرة في قطاع الطاقة بالهند، ومع تطور التقنيات البديلة للطاقة، بات التعاون بين البلدين في هذا المجال أكثر أهمية، ووقع البلدين في عام 2022 مذكرة تفاهم تضمنت عقد شراكة بين القطاعين العام والخاص لتطوير نشر الكهرباء المتجددة، والهيدروجين الأخضر، وسوق الكربون.
 
اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة
تعد الهند أول دولة تعقد معها الإمارات شراكة اقتصادية شاملة، بدعم من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وناريندرا مودي، رئيس وزراء جمهورية الهند، في فبراير 2022، ودخلت حيز التنفيذ في مايو من العام ذاته، ويشكّل توقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة نقطة تحول مفصلية في علاقات البلدين، حيث قفز حجم التبادل التجاري الثنائي غير النفطي بين البلدين بنحو 6.9 بالمئة في أول 11 شهرًا فقط من دخول الاتفاقية حيز التنفيذ، ليسجل 45.5 مليار دولار. وتتجه الدول الكبرى إلى إبرام اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة، لتعزيز الوصول إلى الأسواق العالمية، وفتح آفاق جديدة للاستثمارات، وتحصين اقتصاد الدول من الأزمات، وتسهم تلك الشراكات في تخفيض أو إلغاء الرسوم الجمركية ،وتسهيل الإجراءات الجمركية، وتوفير قواعد واضحة وشفافة وتعزيز المنافسة على أساس التجارة العادلة. وقد وقعت الإمارات اتفاقيات شراكة اقتصادية شاملة مع  5 دول كبرى خلال عامي 2022 و2023 ، وتتطلع للوصول إلى 26 اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة. وقد تعززت العلاقات الاقتصادية بين البلدين، عبر استثمارات متعددة في مجموعة متنوعة من القطاعات، انطلاقاً من هذه الاتفاقية التي وفرت إطاراً مؤسسياً لتعزيز التعاون المشترك بين البلدين الصديقين، وشملت هذه الاستثمارات الخدمات المالية والعقارات وخدمات الأعمال والطاقة البديلة والمتجددة وصناعة المحركات والمعدات وغيرها، إذ تعد الإمارات من أكبر المستثمرين في قطاع الطاقة الهندي، وتعمل شركات الطاقة الإماراتية على تطوير مشاريع ضخمة في مجالات النفط والغاز والطاقة الشمسية والرياح في مختلف أنحاء الهند، إلى جانب ذلك، فإن الإمارات تعتبر من أكبر المستثمرين في القطاع العقاري الهندي، حيث تشهد مدن مثل مومباي وبنغالور ونيودلهي استثمارات ضخمة من قِبل شركات العقارات الإماراتية في مشاريع سكنية وتجارية وترفيهية.
 
وتعتبر الإمارات أيضًا من أبرز المستثمرين في القطاع المالي الهندي، حيث تمتلك شركات الاستثمار الإماراتية حصصًا كبيرة في البنوك وشركات التأمين والأسواق المالية الهندية، وبحسب “رويترز”، فإن جهاز أبوظبي للاستثمار، أكبر صندوق سيادي في الإمارات يعتزم إنشاء صندوق بقيمة تتراوح بين 4 و5 مليارات دولار للاستثمار في الهند عبر مركز مالي يتمتع بالحياد الضريبي في ولاية جوجارات، مسقط رأس رئيس الوزراء ناريندرا مودي، ويعتبر هذا الإعلان بمثابة خطوة هامة للصندوق الإماراتي في استراتيجيته الطموحة لتطوير نشاطه مع تحوله إلى التركيز على دعم أعماله في مجالات واعدة في الأسواق العالمية لتعزيز أصوله، كما أنه سيكون أول صندوق للثروة السيادية يستثمر في جيفت سيتي. وفي يناير الماضي، وقّعت وزارة الاستثمار الإماراتية ثلاث مذكرات تفاهم مع الهند، للنهوض بآفاق التعاون الاستثماري الثنائي وتعزيز مساراته ضمن قطاعات الطاقة المتجددة وتصنيع الأغذية والرعاية الصحية، وتواصل الاستثمارات الإماراتية تدفقها إلى الهند، حيث سجلت 36.61 مليار دولار، فيما تحتضن أسواق الإمارات أكثر من 83 ألف شركة هندية تعمل في مجالات متنوعة.
 
الإمارات وعضوية “بريكس”
مؤخرًا، شَكَّل انضمام الإمارات إلى مجموعة «بريكس»، التي تعد الهند أحد مؤسسيها، مساهمة في صياغة رؤية جديدة لمستقبل التعاون الثنائي بين البلدين، وزيادة الزخم الكبير والفرص الاقتصادية المتوقعة جراء هذه التطورات، كما يعد فرصة لجذب الاستثمارات من خلال بناء الشراكات الاستراتيجية، حيث بدأت شركات تكنولوجيا المعلومات الهندية بالاستفادة من دولة الإمارات كمركز يسمح بالدخول إلى الأسواق الإقليمية المجاورة، وشاركت أكثر من 200 شركة هندية في معرض «جيتكس غلوبال 2022»، وهو أكبر فعالية في العالم في مجال التكنولوجيا.  وفي يناير الماضي، على هامش «قمة غوجارات النابضة بالحياة»، عُقدت «قمة الأعمال الإماراتية- الهندية» تحت شعار «دولتين: رؤية واحدة»، حيث عززت دولتا «البريكس» المتحالفتان علاقاتهما باتفاقية تبلغ قيمتها 3 مليارات دولار، تشمل مشاريع كبرى مثل إنشاء محطات موانئ جديدة ومناطق اقتصادية في الهند.
 
الأمن الغذائي
التعاون الاقتصادي بين البلدين ممتد لكافة القطاعات، بالإضافة إلى موقع الدولة المحوري الذي جعلها حلقة مهمة في الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، الذي يعمل على تعزيز الشراكة لاستراتيجية الإماراتية-الهندية ا بما يتماشى مع التزامات الدولتين القوية في مجالي البيئة والاستدامة، حيث وضعت الإمارات مع الهند خطة عمل مشتركة لإنشاء مراكز لوجستية ومخازن تبريد وتخزين لتشغيل ممر الغذاء بين البلدين والذي سيساعد في ضمان الأمن الغذائي لدولة الإمارات، كما يمثل فرصة لكلا الدولتين لجذب الاستثمار في مجالات النقل وسلسة خدمات التبريد اللوجستية والتصنيع الغذائي ومعامل التغليف، ومن ثم توفير فرص العمل والنمو الاقتصادي.
 
تعاون أمني ومكافحة الإرهاب والتطرف
عزّزت العلاقات القوية والشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الإمارات والهند في مختلف المجالات، من دور الدولتين في حفظ الأمن والاستقرار على مستوى المنطقة والعالم، حيث يتشارك البلدين قلقاً مشتركاً في الحفاظ على الاستقرار في المنطقة ومكافحة التطرف والإرهاب، كما تتبنيان مواقف مشتركة فيما يتعلق بمواجهة مصادر تهديد الأمن والسلم على الصعيدين الإقليمي والدولي، ويقوم البلدين بتبادل المعلومات والخبرات في هذا الصدد، وتعزيز التعاون الأمني بينهما لمواجهة التحديات المشتركة. ولا ننسى أن نُذّكر بأن التجربة الإماراتية - الهندية،تُجسّد نموذجًا فريدًا في بناء مجتمعات يقتدى بها في محاربة الإرهاب والتطرف، خاصة أنهما تشكلان تجربتين متطابقتين في التعايش والتعددية الثقافية، فالإمارات تضم أكثر من مئتي جنسية يعيشون على أراضيها في أمن وسلام، فيما تحتضن الهند مئات الملايين من مختلف الديانات والأعراق.
 
وتجدد موقف البلدين الثابت من التعاون الأمني ومحاربة الإرهاب في بيان مشترك بين البلدين، في نهاية زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، إلى الهند في يناير الماضي، حيث أكدا موقفهما الثابت في رفض الإرهاب والتطرف بكافة صوره وأشكاله على الصعيدين الإقليمي والدولي، والتزامهما بمكافحة التطرف والإرهاب، بما في ذلك الإرهاب عبر الحدود وتمويل الإرهاب، والتزم الجانبان بمواصلة تعاونهما في مكافحة الإرهاب في الأمم المتحدة، مرحبين باعتماد مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2686 بشأن «التسامح والسلام والأمن»، خلال رئاسة الإمارات لمجلس الأمن الدولي.
 
هذا بخلاف، التدريبات الأمنية المشتركة، ففي أغسطس الماضي قامت سفينتان حربيتان تابعتان للبحرية الهندية، بزيارة إلى الإمارات للمشاركة في التمرين الثنائي «زايد تلوار» الهادف إلى تعزيز التكامل والتنسيق بين البحريتين، وفي مطلع يناير المنصرم، أطلقت الإمارات والهند التمرين العسكري المشترك «إعصار الصحراء 2024»، الذي بدأ بمناورة عسكرية مشتركة في ولاية راجاستان شمال غربي الهند، بمشاركة القوات البرية من الجيشين. ومن ثم يمكن للمتابع أن يتنبه بأنه على مدى السنوات الأخيرة، تعززت العلاقات الأمنية والدفاعية بين الدولتين في مجال التدريب الدفاعي، كما شارك البلدان في برامج تبادل منتظمة بهدف تعميق التعاون في هذا الخصوص، بالإضافة إلى التعاون في مجال الصناعات الدفاعيةوالمعدات العسكرية، وأنشطة استكشاف الفضاء بين مراكز الأبحاث والشركات والأجهزة السيادية المعنية بهذه الأنشطة.
 
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2024-07-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2014-03-16
2014-11-02
2016-07-13
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره