استطلاع الرأى
مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟
- ممتاز
- جيد جداً
- جيد

بين الصخور الوعرة والثلوج العاتية، وُلدت قصة لا تشبه سواها، نسجت خيوطها نساء لا يعرفن للمستحيل معنى، ولا تعرّفن للحدود سقفا. إنها حكاية إصرار وشغف، بطلاتها مجموعة من العسكريات الإماراتيات اخترن مواجهة الطبيعة وجهاً لوجه لحمل راية الوطن إلى أعالي الجبال.
بقلم: راشد عبدالله الزعابي
في قلب هذه الملحمة، تتجلّى روح القيادة والعمل الجماعي التي دفعت أول فريق نسائي إماراتي عسكري متخصص في تسلق الجبال إلى تحقيق إنجازات غير مسبوقة، مؤمنات بأن قمم النجاح لا تُهدى، بل تُحقق بالإرادة والعمل.
من الشغف إلى أول قمة
لم يكن تسلق الجبال حلماً عابراً في ذهن أعضاء الفريق، بل شغفاً متجذراً في أعماقهن، تغذّيه رغبة جامحة في تحدي الذات واختبار الصبر والانضباط. بدأت رحلتهن في عام 2014 عندما قررن تسلق المخيم الأساسي لقمة «إيفرست»، وهـــــناك، بيــن الثلــــوج المتراكمــــة والأنفــاس المتقطعة، أيقنّ أن هذا الشغف يمكن أن يتحول إلى مشروع يقود المرأة الإماراتية نحو آفاق جديدة. فتسلحن بالرؤية والطموح، وتم تأسيس فريق عسكري نسائي يعكس روح الانضباط، وقوة البدن، ووضوح الهدف.
تقول قائدة الفريق هدى العوضي: “كنت أبحث عن شيء يفوق الإنجاز الفردي، أن أفتح باباً، أن أقول لكل امرأة إماراتية: إن كانت هناك قمة، فمكانك فوقها”. منذ ذلك اليوم، لم تعد الفكرة مجرد حلم، بل تحولت إلى برنامج تدريبي داخل القوات المسلحة، فضم الفريق نخبة من المنتسبات لمختلف الوحدات العسكرية، وقد خاضت المتسابقات تدريبات قاسية، ليكن على مستوى المهمة والرسالة. كما خضع الفريق لبرامج تأهيل نفسي لمواجهة العزلة والضغط والانفصال عن الحياة المدنية، وهو ما جعل هذه التجربة لا تقتصر على الجانب البدني، بل تشمل أيضاً بناءً ذهنياً ونفسياً متكاملاً.
تدريب يتجاوز التوقعات
لم تكن الطريق مفروشة بالورود، بل مغطاة بالثلوج ومليئة بالتحديات والرهانات. وقد خاضت المتسلقات تدريبات قاسية تشمل حمل معدات تفوق 18 كغ لمسافات طويلة في أجواء تصل إلى ما دون الصفر، تسلق منحدرات حادة، ومواجهة عوامل الطبيعة القاسية كالعواصف والضباب ونقص الأوكسجين. فلقد كنّ يتدربن على الصبر وعلى السيطرة على النفس.
كانت الليالي طويلة وقاسية، بلا تدفئة، وكان النوم في خيام وسط الجبال يحتاج إلى عزيمة لا تلين. لكن روح الفريق كانت الدفء الحقيقي، والإصرار كان الوقود. وخضع الفريق لبرامج تغذية رياضية دقيقة، وتأقلم تدريجي على الارتفاعات، وتمارين محاكاة لحالات الطوارئ مثل الانهيارات الجليدية أو فقدان الوعي.
قلب واحد ونبض جماعي
اختيار أعضاء الفريق كان مدروساً بعناية، قائمًا على الجدارة والثقة، وليس فقط على الرغبة. فكان لكل عضوة دور محدد، ولكل قمة استراتيجية جماعية تُرسم بإتقان. وأن الفريق الناجح يشبه القلب الواحد؛ ينبض بإيقاع جماعي، ويتحرك بتناغم لا مكان فيه للفردية، وفي أشد اللحظات، حيث تصبح القرارات مسألة مصيرية، يظهر جوهر القيادة الحقيقي: التماسك، الحسم، والحكمة.
كما يولي الفريق اهتمامًا خاصًا بالتقييم المستمر، حيث يتم تحليل أداء كل عضوة بعد كل رحلة تدريبية، وتُقدَّم ملاحظات دقيقة لتعزيز نقاط القوة وتلافي نقاط الضعف. وهذا الأسلوب التفاعلي ساعد على رفع مستوى الانسجام والاحترافية في الأداء.
قمم تم بلوغها، وطموحات تلامس السماء
من قمة «كليمنجارو» في تنزانيا التي ترتفع 5,895 مترًا، إلى قمة «ميرا» في النيبال التي تصل إلى 6,470 مترًا، مرورًا بـ «توبقال» في المغرب، الأعلى عربيًا وصولاً إلى قمة «تشولو»، التي مثلت إنجازًا تاريخيًا كأول فريق نسائي في الوطن العربي يصل إليها — كانت كل قمة محطة تأكيد على أن المرأة الإماراتية تستطيع أن تبلغ ما تريده متى ما امتلكت الإرادة والتدريب.
لم تكن تلك القمم مجرد مواقع جغرافية، بل رموزاً لبلوغ حدود جديدة من الشجاعة، وتحقيق إنجازات تُرفع بها راية الوطن عالياً. ويطمح الفريق في السنوات القادمة إلى تنفيذ برامج تسلق نوعية في وجهات مختلفة حول العالم، مع التوسع في إطلاق مبادرات تثقيفية داخل الدولة تهدف إلى نشر ثقافة المغامرة وتسلق الجبال بين الفتيات والشابات.
رسائل تتجاوز الجبال
وجود فريق نسائي عسكري إماراتي يتسلق الجبال هو رسالة تتحدث بكل لغات العالم. فلم تعد الرياضات القاسية أو الميادين الصعبة حكرًا على الرجال، بل أصبحت مساحات مفتوحة لتميز المرأة وصعودها. تسلّق الجبال لدى هؤلاء النسوة ليس مغامرة فردية، بل مشروع تمكين، يفتح الباب أمام أخريات ليحذون ذات الدرب.
ويؤكدن أن الدعم المؤسسي الذي لقيه الفريق، كان له دور محوري في تحقيق إنجازاتهن. كما يشِرن إلى أن ما يحفّز الفريق هو ليس فقط الوصول إلى القمم، بل أن يكونن قدوة لغيرهن.
مواقف خالدة في الذاكرة
تحمل ذاكرة أعضاء الفريق مـواقـف لا تُنســى، منهــا تلك الليلــة في قـمــة مــيرا، عــندمـــا واجهــت إحدى المتسلقات انخفاضًا حادًا في حرارة الجسم، كـاد أن يـؤدي إلى فقــدان أطرافهـا. غــير أن الفريـق كــان على أهــبة الاســتعـــداد، وتم تنفـيــذ عمليـــة إخــلاء سـريعـة، وإنقــاذ حــياتهــا بفضـل الانضـــباط والتدريب.
ويتحدثن الفريق عن لحظات أخرى مفعمة: لحظة غروب الشمس على ارتفاع 5,000 متر، حيث يتحول لون السماء إلى لوحة من ذهب، أو عندما تتبادل المتسلقات كلمات التشجيع، أو حتى لحظة تقاسم كوب شاي ساخن في خيمة صغيرة بعد يوم شاق، تلك التفاصيل الصغيرة صنعت بينهن رابطاً إنسانياً لا يُنسى.
نظرة إلى المستقبل
في كلمة واحدة، تسلّق الجبال بالنسبة للفريق هو «انتصار الذات» الذي يبشر بأن القادم سيكون أعظم، وبأن الفريق سيتوسّع ليشمل وجوهاً جديدة، وربما يأخذ مكانه في محافل دولية، ويأمل عضوات الفريق أن تكون هذه التجربة نموذجًا في مدارس التدريب العسكري للمرأة، وأن يُنظر إلي إنجازهن كقصة ملهمة عنوانها: لا سقف للطموح.
وتطمح عضوات الفريق بتأسيس مركز تدريب دائم لتسلق الجبال في دولة الإمارات، مزود بأحدث الأجهزة ومفتوح لجميع النساء الراغبات في خوض هذا المجال. كما يؤمنَّ بأن الاستثمار في هذه الرياضة لا يعزز فقط القوة البدنية، بل يبني الشخصية القيادية، ويزرع في النفوس القدرة على اتخاذ القرار تحت الضغط.
إنهن لا يتسلقن الجبال فقط، بل يرتقين بسقف الطموحات إلى آفاق لا نهائية، ممهّدات الطريق لأجيال جديدة من الفتيات الإماراتيات اللواتي يحملن روح التحدي ويأملن في ترك بصمتهن في سجلّات المجد والريادة، على جبين هذا الوطن الذي لا يعرف المستحيل.
مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟
لا يوجد تعليقات