مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2021-09-01

الإستمالة والتجنيد الإلكتروني داعش نموذجاً

أثار مقتل أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم داعش الإرهابي العديد من التساؤلات حول إستمرار الجماعة ومدى تأثيرها على أتباعها في المستقبل،وقد أعاد هذا الحدث إلى ذاكرتنا قصة «الفتاة الأسكتلندية» التي تم تجنيدها إلكترونيا من قبل تنظيم الدولة الإسلامية، فمن خلال لقاء تليفزيوني أجرته مع إحدى القنوات صرحت أنه تم إستمالتها من خلال موقع إلكتروني إسلامي ظهر كأول خيار لها عندما كانت تتصفح مواقع الانترنت الخاصة بالحيوانات وأساليب تربيتها والرفق بها.
 
كتب/ د.سميه عسله 
باحثة بمعهد البحوث والدراسات العربية – جامعة الدول العربية  - ماجيستير إعلام تخصص – إعلام أمني
 
ما يثبت صحة اللقب الذي أطلقه الخبراء على داعش وهو «التنظيم الرقمي» ،كونه أبرز التنظيمات الإرهابية استخداما للوسائل الرقمية، مثل الانترنت ومنصات التواصل الإجتماعي. الأمر الذي يدفعنا إلى تغطية متعمقة لآليات إستخدام شبكة الإنترنت في تجنيد العناصر، والتمويل لصالح التنظيمات الإرهابية.
 
ماهية التطرف
يعرف التطرف بأنه عملية نفسية معقدة تدفع الأفراد إلى الوصول إلى النقطة التي يعتقدون أن العنف مقبول فيها. و ترى الجماعات المتطرفة الإرهابية أن  فئة عريضة من الناس ترى أن وسائل التواصل الإجتماعي  وسيلة أساسية للحصول على المعلومات، بل أنها تتشارك مع المنصات الإعلامية التقليدية مثل قناة الـ CNN وBBC والحرة، وبالتالي تختلط المعايير ويقع مستخدمي الإنترنت ضحية هذا اللغط. خصوصا و أن منصات التواصل الإجتماعي أستطاعت تمكين الشبكات الفضفاضة واللامركزية من الجمهور من الإلتقاء في نقطة واحدة، تنعدم عندها نظرية “حارس البوابة” وهو الشخص المسؤول والذي يقع على عاتقه أمور تنظيم وتنفيذ وإدارة المحتوى المعروض على القارئ والمشاهد عبر منصات التواصل المسموعة والمرئية والمقرؤة.
 
ولقد ساهم الجزء السلبي من (اللامركزية في الاتصال) في توحيد رسائل الجماعات المتطرفة مثل داعش والمتعاطفين معها على مواقع التواصل الإجتماعي مما منحهم قوة نسبية ونفوذ إلكتروني، عن هؤلاء الرافضين لتنظيم داعش والذين تشتت أساليبهم ورسائلهم المناهضة للتطرف والإرهاب، مما كان له الأثر السلبي في ميول نسبي للجمهور تجاه  المتعاطفين مع داعش على حساب المناهضين للإرهاب.
 
اللجان الإلكترونية
ويحدث ذلك كنتاج متوقع لنشاط اللجان الإلكترونية التابعة للتنظيمات الإرهابية،حيث تحرص الخلايا الإلكترونية المدربة على استغلال خاصية خطيرة جدا لمنصات التواصل الإجتماعي وهي المرونة الكافية لمستخدمي الإنترنت لإلغاء الأصوات المعارضة التي تقف على الضفة الأخرى من أيدلوجيات التنظيم وأفكاره المتطرفة، فباتت منصته تتبنى رواية واحدة على الإطلاق. بالإضافة إلى أنه تم تصميم هذه التطبيقات الإلكترونية والبرامج  من الألف إلى الياء على فكرة أساسية وهي ربط الأفراد المتشابهين في التفكير، والسماح للأفراد بالاتصال بأشخاص يشاركونهم نفس الايدلوجيات، وربطهم ببعضهم على مستوى عالمي، والسماح لهم بالتواصل مع الآخرين الذين يزدادون تطرفا في مواقفهم ومعتقداتهم.
 
لا يخفى عن الجميع أن ظهور الإنترنت أحدث ثورة كبيرة على كافة المستويات العلمية والتقنية والبيئية ،ولعل الجماعات المتطرفة كانت من أوائل الفئات التي هرعت لإستغلال هذه التكنولوجيا وتسخيرها لخدمة أهدافها بالمنطقة,وقد كان تنظيم القاعده من اوائل التنظيمات الإرهابية التي إستغلت الانترنت في استمالة وتجنيد الشباب في منتصف التسعينيات وقد قامت بالترويج لاستمارات البيعة والتعهد بالولاء لأسامة بن لادن عام 2005. 
 
ويذكر أن القاعدة نجحت إلى حد كبير في استخدام الإنترنت لإنتاج ومشاركة الدعاية الإعلامية المتعددة مثل أشرطة الفيديو وتسجيلات الصوت وCD وأقراص الفيديو الرقمية (DVD) والمستندات المكتوبة وذلك للترويج لمعتقداتهم. ثم قاموا بإستخدام الانترنت لتدريب أفرادهم على كيفية استخدام الأسلحة. وبكل الأحوال يرجع تباين الكفاءة بين تنظيم داعش والقاعدة الارهابي إلى فشل القاعدة في استغلال إمكانات الانترنت بشكل كاف للتأثير على عناصرها.
 
جيش داعش الإلكتروني
أما عن أسباب نجاح تنظيم داعش الارهابي في التوغل عبر الانترنت وتحقيق إنتشار ومعدل وصول مرتفع حتى أسماه المختصين بـ “الخلافة الرقمية”،وذلك لقدرة التنظيم الذي أتاح لهيكله الإداري أن يصبح على درجة عالية من الكفاءة بكافة المجالات المستهدفة والتقنيات المستخدمة و إدراك مرتفع لفن الحكم. امتد ذلك إلى فرع مسؤول عن الإشراف على الإجراءات الرقمية لداعش التي يطلق عليها ”جيش داعش الإلكتروني” وهو عبارة عن مجموعة عناصر داخلية مخصصة للرسائل على صفحات التواصل الاجتماعي والتسلل للعناصر المراد تجنيدها والحفاظ على الأمن الرقمي للتنظيم.
 
وتبدأ عملية التجنيد من قبل داعش بتحديد موقع عنصر محتمل تم اختياره للتجنيد،بعد عملية رصد ودراسه شاملة لميوله وأفكاره وثغراته النفسيه والاجتماعية والعلمية، ثم يحيط به عدد من أنصار التنظيم من خلال مداخلات هاتفية والكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي، ويشجعوه على العزلة الاجتماعية تمهيدا لقطع علاقاته مع أهله وأصدقائه،سواء كان بإقناعه انهم مختلفون عنه فكريا وثقافيا أو انهم بعيدين عن التدين وقواعد الدين الاسلامي وتشريعاته يصل الأمر حد تكفيرهم ولعنهم ، بعد ذلك يقوم أنصار داعش بتحويل اتصالاتهم إلى منصات خاصة يحميها برامج الكترونيه حديثة تمنع الاختراق او المتابعه من قبل الجهات الأمنية المحلية والدولية ،فيقومون باستكشاف الهدف او الفريسة والعثور على ثغرة أو فرصة تمكنهم من تجنيده و اعطاءه الأمر بتنفيذ عملية محددة.
 
بكل الأحوال يتضح لنا ان القاعدة اعتمدت بشكل  كبير على الإنترنت كمكتبة أو قاعدة بيانات، في حين أن داعش ركزت في استخدام الإنترنت على تجنيد أعضاء جدد ينضمون لها مما زاد من انتشارها ونفوذها وتأثيرها عبر مواقع التواصل والانترنت. بذلك يتضح لنا أولا ان القاعدة فشلت في استخدام الإنترنت لمصلحتها ، مما يدل أيضًا على أن هناك بالتأكيد فجوة بين الأجيال بين المنظمتين الإرهابيتين. ثانياً يتبين لنا أن داعش تتكون فعليا من أجيال شابة قادرة على توليد تأثير دولي أعلى من حيث التوظيف الأجنبي. بمعنى، أن هذا يزيد من قدرة تنظيم داعش على مواجهة تنظيم القاعدة. ونظرًا لأن داعش يفقد مساحة كبيرة من منطقته، فقد يكون قادرًا على إعادة تجميع صفوفه في العالم الافتراضي.
 
فيما لحقت بهم جماعة الإخوان المسلمين و تنظيم الملالي في  تجاوز أشكال الدعاية التقليدية، فعملت على تطوير تقنيات عبر الإنترنت وتطبيقات الهاتف المحمول لإيصال رسائلها واستقطاب مزيد من المتعاطفين. كما سمحت التكنولوجيا لتلك الجماعات المتطرفة بالتواصل بشكل أمن وسريع مع بعضهم البعض وبين المجندين المحتملين، وقد سمحت لهم بعض التطبيقات الإلكترونية من الهروب من طائلة القانون، فضلًا عن استقطاب وتجنيد خلايا إعلامية عززت من قدرتهم على تصوير الأفلام الدعائية القصيرة وتحميلها عبر منصات التواصل الاجتماعي ونشرها لتصل إلى الملايين من رواد مواقع التواصل الإجتماعي عبر صفحات شبابية وحسابات إلكترونية متخصصة في أمور حياتيه متعددة يشاهدها ويستمع إليها ملايين الافراد حول العالم والترويج لها بصورة متطورة وأشكال عدة.
وقد شرعت التنظيمات الإرهابية إلى إنشاء وتطوير بعض المجلات الإلكترونية مثل “دابق” و “انسبير” لنشر أفكارها المتطرفة وبناء هوية خاصة بالتنظيم وإستمالة وتجنيد الشباب، كما تضمنت المجلات آليات ترتبط بتنفيذ العمليات الإرهابية وارتكاب الجرائم، وهو ما صرح به “أدين جوكار تسارنايف” أحد الجناة الناجين من تفجير مارثون بوسطن، حيث قال أنه تعرف على طرق وأدوات صنع القنابل من مجلة “إنسباير” التابعة للقاعدة في شبة الجزيرة العربية.
 
الخاتمة
التنظيمات الارهابية استطاعت في السنوات الأخيرة ومع ظهور الثورة الرقمية الجديدة إلى تنظيم أجنحتها وترتيب صفوفها الداخلية بتسكين كل صاحب تخصص في مجاله بما يخدم مصالح التنظيم الارهابي وأهدافه،وقد استطاعوا اقتناص الفرص في مجاراة الثورة الرقمية بتطوير منظومتهم الالكترونية الداخلية وضم المزيد من الخلايا الألكترونية تحتوي على كافة الأطياف وقد تتضمن مشاهير من مواقع التواصل الاجتماعي او نجوم فن وسياسة وأحيانا شيوخ فتنة يدعون أنهم اهل للعلوم الدينية،وقد استطاعت داعش “الخلافة الرقمية” من الاستمرار إلكترونيا بفضل هذا التكنيك الرقمي رغم إنحسار تمددها على الأرض.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2024-06-05 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2014-03-16
2014-11-02
2016-07-13
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره